وزير الإعلام الكويتي الأسبق سامي النصف: عودة التعارك بين الحكومة ومجلس الأمة سيُبقي الكويت مُتخلّفة عن جيرانها

حاورته: رلى موفق
حجم الخط
1

يرى وزير الإعلام الكويتي الأسبق الكاتب السياسي سامي النصف أن العودة إلى التعارك بين الحكومة ومجلس الأمة يعني العودة إلى اللعبة السياسية السابقة، وهو أمر يمكن اختصاره بـ»مكانك سر» وسيُبقي الكويت مُتخلّفة عن جيرانها الذين سبقوها بعقود، لافتاً إلى ان الجميع يأمل ألا تكون هناك مواجهات حادة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، وإلا ستضطر القيادة السياسية الأخذ بخيارات صعبة لمح إليها الأمير نواف الأحمد الجابر الصباح في خطابه قد يُقصد منها الحل غير الدستوري، أو حل البرلمان وتعليق أعماله لمدة قد تطول.
ويقول إن معارضة العهد السابق التي كانت مرتكزة على معارضة الرئيسين رئيس الحكومة خالد الصباح ورئيس البرلمان مرزوق الغانم، فازت بالغالبية في انتخابات مجلس الأمة في التاسع والعشرين من شهر أيلول/سبتمبر الماضي التي جرت تحت عنوان تصحيح مسار المشهد السياسي انطلاقاً من دعوة أمير البلاد، لكنها اليوم أصبحت أقرب للعهد المقبل الذي سيُشكَّل طبقاً لرغباتها، وسيأتي رئيس البرلمان منها، آخذاً على رئيس مجلس الأمة الأسبق أحمد السعدون ترشحه لمنصب الرئيس، فيما قواعد اللعبة السياسية الجديد تفترض نهجاً جديداً مختلفاً عما جُرب في السابق.
ويؤكد النصف ان الكويت لا يمكن أن تعتمد على ثروة ناضبة مُهَدَدة بأن تكون سلعة هامشية كالفحم في حينه، والبديل هو أن تتحول مركزاً مالياً تحاول المنافسة على استقطاب الشركات الأجنبية، ما يحتاج إلى الشفافية الشديدة والاستقرار السياسي وإلى الانفتاح الاجتماعي، رافضاً ما طرحه الإسلاميون في «وثيقة القيم» التي تُطالب بما هو أقرب إلى دولة «طالبانية» صغيرة في الخليج، وتتعارض مع التنمية والدستور ومسار الكويت الجديدة. وهنا نص الحوار:
○كيف تُقيِّم نتائج الانتخابات التشريعية التي جرت الأسبوع الماضي، والتي دعا الأمير من خلالها الشعب الكويتي ليقوم بعملية «تصحيح المسار» من جديد؟
•بداية، دعينا نتكلم عن مسار الديمقراطية الكويتية ولماذا احتاج الأمر تدخلاً من القيادة السياسية للحديث عن «تصحيح المسار». حسب اعتقادي أن هذا الشعار يجب أن يُرفع في كل الديمقراطيات العربية الأخرى، لأن الديمقراطيات العربية من الأقدم التي هي الديمقراطية اللبنانية، تليها الكويتية، إلى تطورات الديمقراطية العراقية وما يجري في فلسطين وليبيا وغيرها، أثبتت أنها لم توصل الشعوب والدول إلى المراد. فالديمقراطية تعني دائماً الشفافية، ودعم التنمية، والعدل، والمساواة، والوحدة الوطنية، والتعليم الجيّد، والصحة الجيدة، والمستقبل المشرق، هذه كلها موجودة في إطار ديمقراطيات الدول المتقدمة، إنما ما نراه في الأوطان العربية هو معضلة حقيقية.
عندما جُرّبت الديكتاتورية في العراق وليبيا وبعض البلدان العربية لم تصل الشعوب إلى مبتغاها، وعندما ارتحلت إلى الديمقراطية رأينا ما رأيناه في بعض الدول من حروب أهلية وانسدادات سياسية وكوارث اقتصادية وغيرها، وبالتالي نحن بحاجة إلى تعديل المسار، سواء في الكويت أو في الديمقراطيات الأخرى. بالنسبة للكويت كانت لدينا أمراض عديدة، وفساد تشريعي واضح المعالم، وكان هناك تدخل من السلطة في العملية الانتخابية وغيرها، وبالتالي كانت الرغبة هذه المرة بتصحيح المسار. فقررت السلطة أو الحكومة في خطاب مُعلن عدم التدخل بالانتخابات وعدم استخدام المال السياسي، وطلبتْ من الشعب أن يُحسن الاختيار. طبعاً هذا الأمر يستوجب حُسن اختيار الحكومة ومسارها، وهذا أمر بدأنا بتلمسه. رأينا أن الحكومة بدأت بالفعل بمحاربة الفساد وما يسمى بـ»الواسطة» والتعيين الانتخابي، وغيره.
الناس ذهبت وانتخبت في غياب ما يُسمى «التنمية السياسية» وكما تعلمين أن الديمقراطية العربية لا توافقها «التنمية السياسية» وبالتالي ذهبت الناس واجتهدت بما يُسمى بـ»حسن الاختيار» المؤدي إلى تعديل المسار، وانتخبت المخرجات التي رأيناها، والتي كانت أقرب إلى صندوقة «الماكنتوش» بمعنى أنها تحتوي ألواناً مختلفة تعكس خيارات الناس. فيها أمور واعدة وشباب جديد ووجوه كلاسيكية سبق أن تمّت تجربتها، واللافت أنه تم اختيار مرشحين كانوا في السجن بسبب تهم مثل إقامة فرعيات أو شراء أصوات أو غيره، وبالتالي في ظل غياب «التنمية السياسية» لم يُحسن الشعب الاختيار بشكل مطلق، لكنه أحسن في بعض الاختيارات.
○لبعض المراقبين تقييمهم الخاص بأن «المعارضة» هي التي فازت بالانتخابات، برأيك ما مدى صحة هذا التقييم، وما المقصود بـ»المعارضة» تحديداً؟
•نعم معارضة العهد السابق، أي معارضة الرئيسين (رئيس مجلس النواب ورئيس الحكومة) هي التي فازت بالأغلب في الانتخابات الحالية. ولكن اليوم لا نستطيع أن نعتبرها معارضة، لأن أغلب النتائج صبَّت في صالحها، وبالتالي ابتعد الرئيسان، رئيس الحكومة الشيخ صباح الخالد، الذي استُبدل بالشيخ أحمد النواف، وكذلك ابتعد رئيس مجلس النواب السابق مرزوق الغانم، والآن البحث عن رئيس للبرلمان سيأتي مما يسمى بـ»المعارضة» القوية والمطاطة، وهي أصبحت أقرب للعهد المقبل الذي سيُشكَّل طبقاً لرغبات مَن كان يسمى بـ»المعارضة».
○في إطار نتائج الانتخابات وتوقعاتك للمسار المقبل، كيف تقرأ زيادة حصة الإسلاميين، فضلاً عن ارتفاع تمثيل الكتلة الشيعية؟
•بالنسبة للإسلاميين هم في العادة الأكثر تنظيماً، بالمقارنة مع بقية المتنافسين، ولديهم قدرات مالية وانفتاح على تجارب دول أخرى، وإلمام جيد بكيفية القيام بالحملات الانتخابية وغيرها، وبالتالي ليس مستغرباً أن يكونوا بهذه القوة، فضلاً عن أن الإسلام السياسي يختلط مع مكونات اجتماعية، بمعنى أن يكون أحد المرشحين الإسلاميين ينتمي إلى قبيلة لديها أغلبية في دائرة معينة، وبالتالي عندما يفوز فهو لا يفوز فقط بصفته الإسلامية، إنما أيضاً بسبب الدعم القبلي أو العائلي. وما يُقال عن المرشحين السُّنة يقال عن المرشحين الإسلاميين الشيعة، علماً أن القضية الطائفية في الكويت تختلف عن باقي الدول، فلا تخندق طائفياً عندنا كما عند الآخرين، لا بل عكس ذلك، فهناك شخصيات شيعية نالت كثيراً من الأصوات السُّنية، والعكس صحيح.
○أنت تسميهم بـ»الإسلاميين الشيعة» فهل هم إسلاميون أم أيضاً علمانيون وليبراليون؟
•الشيعة ليس بالضرورة أن يكونوا «إسلاميين شيعة» فالبعض منهم توجهاتهم إسلامية، والبعض الآخر لديهم توجهات علمانية، وبالتالي ليس باستطاعتي تصنيفهم بهذا الشكل. عندما لا ينتمي الـ50 نائباً إلى الأحزاب، يصبح من السهل أن تصنّف الشخص كشيعي أو علماني أو ليبرالي أو أن يكون إسلامياً، أو يمكن تصنيفه على أنه ينتمي للقبيلة الأخرى، وهذا كله بسبب غياب الأحزاب. لا يفوز أحد عندنا تحت راية الأحزاب، يمكن «الإخوان المسلمون» هم الوحيدون في الكويت الذين يسمون بـ»الحركة الدستورية» وعادة يسهل تصنيفهم، ويقال مثلاً أن ثلاثة فازوا من «الإخوان» وحتى هذا التصنيف قد يكون غير دقيق، فقد يفوز «إخوان مسلمون» بمسميات أخرى، كالمسمى العائلي أو القبلي، وبعد فوزهم يلتزمون بالتصويت كما يُصوِّت «الإخوان». العملية في الكويت في ظل غياب الحياة الحزبية الواضحة وفي سياق التنمية السياسية وفي هذا الاختلاط بين السياسي والاجتماعي والديني وغيرها من الأمور، لا يمكن قراءة صورتها ونتائجها بوضوح كقراءة النتائج الديمقراطية الإنكليزية والأمريكية أو حتى الدول الحزبية.
○تقول إن معارضة المسار السابق، أي معارضة الرئيسين حققت فوزاً موصوفاً، كم تُشكّل من المجلس؟ هل تشكل الثلثين؟ وكيف سيكون تأثيرها على اختيار الرئيس والأعضاء واللجان؟
•علينا مراقبة هذه المتغيرات تباعاً. على مجلس الأمة أن يجتمع لنرى كيف سيتكتل نواب المعارضة السابقة، فليس هناك حزباً ينتمون إليه، وبإمكان الشخص أن يُغيِّر التكتل أو ينقل البندقية من كتف إلى آخر. بشكل عام المعارضة في البرلمان السابق، التي بدأت آنذاك بـ42 نائباً من أصل 50 تخندقت بعد ذلك بأشكال مختلفة، فالبعض نقل البندقية وأصبح مع الرئيسين، حتى إن مرزوق الغانم انتخب بأصوات من بين الـ42، والتي تقلصت إلى «كتلة الستة» وغيرها. وبالتالي تصعب مقاربة هذه الخصوصية الكويتية بأي ديمقراطية ثانية، حتى في العراق ولبنان وغيرهما، لذلك علينا الانتظار. أما بالنسبة للجان فهناك إشكال آخر، فالوزير عندنا يعتبر نائباً في البرلمان وله حق التصويت، فالكتلة كانت تمثل 16 وزيراً ويحسبون نواباً، لذا كانوا يمثلون كتلة فاعلة ومؤثرة في انتخابات اللجان.
الآن نظام الحكم في الخطاب الأخير تعهد بعدم التدخل لا في انتخابات رئاسة المجلس ولا في تشكيل اللجان، وهذه تجربة أولى منذ 60 عاماً، لم نعهدها في السابق، لأن الدستور ينص على حق الوزراء بانتخاب الرئيس وحق الكتلة المشكلة من 16 وزيراً التدخل بانتخابات اللجان، وبالتالي نحن نتكلم عن تجربة غير مسبوقة بالنسبة لنا. مَن سيصوِّت هم فقط الـ50 نائباً. وعلينا الانتظار لنرى كيف ستتشكل الكتل، مثلاً هل ستكون الكتلة الإسلامية كتلة واحدة أو أكثر، فكل الأمور واردة، والحال كذلك مع الكتل العلمانية والليبرالية. هذه الأمور تُوجب انعقاد المجلس لرؤية إن كان هناك تشكيل رسمي للكتل أم أن الكتل ستتشكل تباعاً، سواء أكان بالرئاسة أم باللجان أم بشكل ثالث. أعود وأكرر أن هذه الأمور سببها غياب الأحزاب، فنحن عندنا 50 نائباً وكأنهم 50 حزباً!
○بعد ترشح رئيس الأمة الأسبق أحد السعدون للرئاسة، غردت متمنياً لو يتم ترشيح شخصيات مثل بدر الملا وعبد الكريم الكندري… في أي إطار تأتي تلك التمنيات؟
• أحمد السعدون سبق أن ترأس المجلس لأكثر من مرة، وهو يبلغ من العمر 88 عاماً، وبالتالي مدة رئاسة المجلس 4 سنوات، لذا وجدتُ أنه من الأفضل ونظراً لعامل السن، ولأننا أمام حقبة جديدة وقواعد لعبة سياسية جديدة، أن نجرب نهجاً جديداً. ولماذا لا يكون رئيس مجلس الأمة ذا خلفية اقتصادية حتى نهتم بالاقتصاد وبالقطاع الخاص. كيف تكون هناك قواعد جديدة للعبة السياسية بإرجاع رئاسة كانت موجودة من قبل 40 سنة، وجُربت في الثمانينيات والتسعينيات. فالعودة إلى اللعبة السياسية السابقة تعني: «مكانك سر» يعني أن الكويت ستبقى متخلفة عن جيرانها الذين سبقونا بعقود.
○لكن المتوقع هو أن يتم انتخاب أحمد السعدون رئيساً لمجلس الأمة؟
•ما ذكرته مجرد أمنيات، كنت أتمنى على أحمد السعدون أن يُقدِّر عامل السن، وأن يُقدِّر حقيقة أن ما لديه من فكر قد جُـرِّب سابقاً. أحياناً كان الأمر ينتهي بحل غير دستوري للمجلس وتعليق أعماله، وكما يُقال لا يُجرَّب المجرَّب، ولكن هذا قرار يخصه هو ويخص النواب الأفاضل وعلينا أن ننتظر.
○الصراع بين السلطتين التشريعية والتنفيذية هو برأيك كان قائماً على مسائل ذات عناوين داخلية، أم أن الأمر يتعلق بأجندات سياسية غير كويتية؟
•الأسباب متنوعة، بعضها يتعلق بجهل «اللعبة السياسية». نحن لا توجد لدينا أحزاب، ولا عملية تأهيل للنواب. يأتي الشخص من منزله أو من ديوانه وهو في بعض الأحيان لا يفهم قواعد اللعبة، ولا كيفية العمل السياسي، وكما تعلمين نحن كعرب نتغنى ببيت من الشعر يقول: نحن أناس لا توسّط عندنا… لنا الصدر دون العالمين أو القبر، بينما مفهوم السياسة هو الحلول الوسط، لكننا «نشخصن» الأمور فتحدث العداوات وتتسبب بالانسدادات، هذا الأمر كان قائماً في السابق، وكان لدينا صراع أقطاب وقوى مؤثرة سواء في الداخل السياسي المحلي الكويتي ولربما، من دون دلالات، لها تأثير عابر للحدود، وبالتالي تأتي بعض الكتل التي لديها أجندات لا تمثل بالضرورة المصلحة العامة، أو بالضرورة أجنداتها الخاصة. يعني يؤثر عليها من قبل أقطاب وتوجهات محلية وخارجية، وهذا الأمر موجود في لبنان والعراق وليبيا بشكل أكبر، لكنه عندنا بشكل أقل ولكن التأثير موجود، ولهذا السبب رجعنا إلى تغيير المسار وقواعد اللعبة.
○ما إن صدر مرسوم تشكيل الحكومة الجديدة حتى بدأت المواقف النيابية المعارضة لها، فهل نحن أمام تجدد المشهد القديم من المواجهة بين الحكومة والبرلمان؟
•نعم، كانت هناك مواجهة غير متوقعة بين البرلمان والحكومة بسبب التحفظ على بعض الشخصيات التي جاءت ضمن الحكومة الجديدة، والآن بعد اعتذار بعض هذه الشخصيات ستتشكل الحكومة من دونها ويأمل الجميع أن يكون هذه المرة تعاون بين السلطتين لأن هذا ما نص عليه الدستور في المادة 50 من فصل السلطات وتعاونها لا تعاركها، فيأمل الجميع على الأقل في الفترة المقبلة أن تتفرّغ الحكومة والمجلس للعمل سوياً لخدمة الشعب، ويأمل الجميع ألا تكون هناك مواجهات حادة، وإلا سيكون هناك خيار ذُكر في خطاب الأمير بأنه نتيجة هذه المواجهات ستضطر القيادة السياسية الأخذ بخيارات صعبة، والبعض يعتقد أن الخيارات الصعبة قد يُقصد منها الحل غير الدستوري، أو حل البرلمان وتعليق أعماله لمدة قد تطول.
○برأيك، ما هي الخيارات أو الإجراءات التي قال الأمير في خطابه في 22 حزيران/يونيو أنه قد يلجا إليها والتي وصفها بالثقيلة الوقع والحدث إذا لم يحسن الكويتيون الاختبار، علما أنه قال «بأننا لن نحيد عن الدستور ولن نقوم بتعديله أو تنقيحه، ولن نعطّله أو نمسّ به»؟
•لا يمكنني التكلم باسم القيادة السياسية، فهذه خياراتها، إنما لو نظرنا إلى تاريخ الكويت نجد أنه في العام 76 والعام 86 تمَّ تعليق بعض مواد الدستور، وعُلق العمل بالبرلمان لـ6 سنوات. في العام 76 بدأت تتساقط بعض الدول الصغيرة في المنطقة. في العام 70 كان الأردن، وفي الـ72 كانت قبرص، وفي الـ75 كان لبنان، وكان هناك تخوف من قضايا مماثلة في الكويت، عندها عُلق البرلمان لأنه شوهدت آنذاك صراعات وتكتلات، وفي الـ86 كانت هناك حالات مقاربة كالحرب العراقية – الإيرانية على الحدود وضرب الناقلات والتفجيرات وخطف الطائرات، وكان لدينا مجلس أمة لم يستوعب الأحداث والإشكالات المحيطة وبدأ بعملية استجوابات بالجملة وغيرها من الأمور، فتمَّ حل البرلمان، لكن هل هذا هو المقصود؟ أنا لا أستطيع التكلم باسم القيادة السياسية، إنما هذا خيار أُخذ به مرتين، وبالتالي كثيرون اعتقدوا هذا الأمر.
○ثمة مراقبون يتحوفون من الطعن بالعملية الانتخابية من باب «مرسومَي الضرورة» المتعلقَين باعتماد التصويت وفق عنوان البطاقة المدنية وإضافة مناطق جديدة إلى الدوائر الانتخابية، هل تتخوف من ذلك؟
• أنا أستبعد كثيراً الطعون التي تسمح بحل البرلمان بناء على مسألة الدوائر الانتخابية والبطاقة المدنية، وأستبعد أن تحل المحكمة الدستورية البرلمان طبقاً لذلك، فالبرلمان باق للسنوات الأربع المقبلة ضمن إطار تغيير اللعبة السياسية، أما الطعون الفردية والتي تتمثل بالأصوات والفرز وما إلى هناك، فهذا بدأنا نراه، وقد سبق أن حدث في تاريخ البرلمانات الكويتية أن تمّت طعون على هذا الشكل، وأُدخل نائب مكان آخر لأسباب متعددة، هذا الأمر وارد اليوم.
○وكيف لنا أن نُوجد تناغماً بين طرح «وثيقة القيم» التي تقدم بها الإسلاميون، والعمل على دفع مسار التنمية الذي يتطلب مزيداً من الانفتاح وإتاحة الفرص للاستثمار الأجنبي في البلاد وبيئة ملائمة؟
• الأمران لا يتناغمان على الإطلاق. علينا أن نعترف بوجود إشكالية في الكويت وفي الوطن العربي، ونحن على بعد شهر من قمة الجزائر. قرر العالم الوصول مع حلول العام 2050 إلى صفر انبعاثات كربونية، وهذا معناه الاستغناء عن النفط بشكل كبير، حتى إن المبعوث الأمريكي جون كيري ذكر أنه خلال العشر سنوات المقبلة، سينخفض الطلب على النفط بمقدار النصف، نتيجة تطوّر تكنولوجيا الطاقة الكهربائية، وهذا معناه هبوطاً لا بل انهياراً لأسعار النفط، وبالتالي لا يمكن أن نعتمد على ثروة ناضبة مهددة بأن تكون سلعة هامشية كالفحم في حينه. البديل هو أن تكون الكويت مركزاً مالياً وأن تحاول المنافسة على استقطاب الشركات الأجنبية التي تحتاج إلى أمور عدة منها الشفافية الشديدة وإلى استقرار سياسي، فالبلد الذي ينعدم فيه الاستقرار السياسي وتتغير حكومته أسبوعياً لا يمكن أن يكون عامل جذب، فضلاً عن الانفتاح الاجتماعي. فأفغانستان في ظل طالبان لا يمكن أن تكون مركزاً مالياً، لأن المركز المالي يحتاج إلى حياة اجتماعية مختلفة، و»وثيقة القيم» بعيدة جداً عن هذا النهج، فهي تُطالب بما هو أقرب إلى دولة طالبانية صغيرة في الخليج، ولا تُقدِّم بديلاً عن مداخيل النفط خلال الـ28 سنة المقبلة التي لا تمثل شيئاً من عمر الأوطان، والتي هي بمنزلة 28 دقيقة بالنسبة لعمر الإنسان.
نحن ذاهبون سريعاً إلى انخفاض كبير في أسعار النفط، والحرب الروسية ستنتهي، ولا أحد يتوقع لها أن تستمر لسنوات، وبالتالي الطلب على الطاقة سيتغير، كما أن جماعة «وثيقة التفاهم» لم تقدِّم البديل عن مركز الكويت المالي القريبة من الدول والمدن الخليجية كدبي والدوحة وغيرها، فإذا أغلقنا البلد بالشكل الذي طلبوه مع المزيد من الانغلاق الاجتماعي والفصل بين الجنسين فهذا يعني موازنات مضاعفة لأنه يتطلب إنشاء وزارة للرجال ووزارة للنساء، وهذا الأمر يعاكس تماماً مسار الكويت الجديدة وينقلنا من القرن الواحد والعشرين إلى القرن دون العشرين، هذا خيار ما كان يفترض أن يُطرح أو أن يُوقع عليه، لكن هذا جرى لكسب أصوات الناخبين، وثلث الفائزين كانوا من الموقعين على الوثيقة، لكن هذا لا يعني أنهم ملتزمون. وهذه «وثيقة» غير مسبوقة في أي حياة ديمقراطية، فأنت تُوقّع بشكل مُسبق على أن يكون لديك خط ساخن مع القائمين على «الوثيقة» فكيف يمكن للمجلس أن يكون سيد قراراته، وكيف يكون للنائب القول الفصل إذا كان متعهداً بشكل مسبق أن يكون رهن اتصال من قبل القائمين على «الوثيقة» ليستجيب لطلباتهم، علماً بأن البعض منهم لم يفز بالانتخابات، فهل يُعقل أن يستمع من فاز بالانتخابات لأوامر مَن رسب فيها؟! هذه سابقة غير موجودة في أي دولة. وموقفي هذا ليس نابعاً فقط من كون «التيار الإسلامي» يقف خلفها، فحتى لو كانت وثيقة ليبرالية لوقفت ضدها. هذه أقرب ما تكون إلى «وثيقة» طالبانية، وهي مخالفة للدستور الذي يُلزم النائب بالقَسَم على احترام قوانين الدولة التي تحترم العقائد والأديان والطوائف.
○الكويت تعيش هاجس الخوف من جيرانها، ومن استغلال ساحتها الداخلية لإثارة النعرات الطائفية… إلى أي مدى هي قادرة على التصدي لتلك التحديات، وهل وسطيتها تحميها؟
• أتصوّر أن الوسطية قضية هامة بالنسبة للكويت لأنها محاطة بثلاث دول كبيرة (إيران، والعراق، والسعودية) وكذلك العراقيون يعيشون الهاجس نفسه انهم دولة صغيرة نسبياً مقارنة بإيران وتركيا والسعودية، فالجغرافيا هي تتحكم بهذا الأمر، واعتقد ان دور الكويت يكون دائماً دوراً وسطياً. أما بالنسبة للمسألة الطائفية، فالكويت لها تاريخ طويل بعملية التسامح وتسعى لعدم الوصول باللعبة السياسية إلى الانسدادات الطائفية أو العرقية أو غير ذلك.
○رأينا انفتاحاً كويتياً على إيران، والكويت كانت أول دولة خليجية أعادت سفيرها بعد الاعتداء الذي تعرضت له السفارة السعودية في طهران، لكن هناك مَن يعتبر أن هذه العودة لم تكن لتتم من دون التنسيق مع دول الخليج كنوع من تقاسم الأدوار في إطار مجلس التعاون الخليجي، هل أتت في هذا السياق؟
•طبعاً لا يمكن أن تقوم أي علاقة مع إيران من دون التشاور مع الأشقاء في الخليج، وعلى رأسهم السعودية. هذه قضية مسلَّم بها والمملكة أعلنت أكثر من مرة رغبتها في تطبيع العلاقة مع إيران والبعد عن قضايا التوتر في المنطقة التي لها كذلك ارتدادات طائفية. لا توجد تباينات على مستوى شعوب المنطقة. الإشكال محصور في الإطار السياسي ويمكن حلّه خلال دقائق وهو مرتبط بالتدخل بشؤون الدول الأخرى، فإذا توقف هذا التدخل تنتهي الإشكالية، والخيرات تعمّ دول المنطقة بأكملها بل أن خيرات إيران والعراق كثيرة. قبل أيام زرت بغداد، وطلبت من الإخوة العراقيين الاستفادة من التجربة الخليجية الرائدة في الدول الست وإيران يمكنها القيام بالشيء ذاته، فدول مجلس التعاون أصبحت تقارب دول العالم الأول في مجالات مختلفة كالتعليم والصحة والشفافية والتنمية والجامعات. المنطقة لم تعد تحتمل المزيد من التخندق ومن عدم الاستقرار الداخلي، وما نراه في العراق، بلد الخيرات، من مشاكل خير شاهد على ذلك.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية