وزير الخارجية التونسي عثمان الجرندي: ما تزال تجربتنا الديمقراطية تتلمس خطواتها الأولى رغم ما راكمته من مكاسب

حاورته: روعة قاسم
حجم الخط
3

أكد وزير الخارجية التونسي عثمان الجرندي في حوار خاص مع “القدس العربي” أن التجاذبات السياسية التي تشهدها تونس هي شكل من أشكال التعبير المرتبط بنضج المسار الديمقراطي، مشيرا إلى أن التجربة الديمقراطية ما تزال تتلمس خطواتها الأولى رغم ما راكمته من مكاسب. وفيما يتعلق باحتضان تونس لجولة التفاوض الليبي-الليبي موفى الشهر الجاري اعتبر انه محطة هامة، معربا عن أمله بأن تمضي الأمور في الملف الليبي باتجاه الحل السياسي التفاوضي. وشدد على أن القضية الفلسطينية لها مرجعياتها المتفق عليها وتبقى القاعدة الأساسية للحل ودعا إلى إعطاء السياسة المتعددة الأطراف مجالا أكبر في العمل الدبلوماسي ومساندتها من كافة الدول.

وفي ما يلي نص الحوار:

*في خضم المسار الانتقالي الديمقراطي عاشت تونس تجاذبات كبيرة سياسية وأيديولوجية وتحول مجلس نواب الشعب إلى ساحة لها، وبالنسبة للبعض فإن المشاحنات وخطاب الكراهية المتفشي في المجلس وبين النواب، لا يعكس صورة جيدة لتونس في الخارج فكيف ترون اليوم هذه التحديات؟

**أعتقد أن التجاذبات مهما كان نوعها هي شكل من أشكال التعبير المرتبط بنضج المسار الديمقراطي في حد ذاته، بمعنى آخر ما تزال تجربتنا الديمقراطية في تونس تتلمس خطواتها الأولى رغم ما راكمته من مكاسب لعل من أبرزها مناخ الحرية الذي ننعم به اليوم، لهذا يبقى الاختلاف السياسي أو الأيديولوجي عامل إثراء لحياتنا السياسية وشكلا من أشكال الديمقراطية لكن في المقابل وجب أن تعي كافة الحساسيات السياسية على اختلافها بأن دقة المرحلة التي تمر بها بلادنا خاصة على الصعيد الاقتصادي تتطلب قدرا من التجميع والوحدة الوطنية وتجنب كل ما من شأنه أن يشتت مجهودنا الوطني في سجالات جانبية تبعدنا عن تحديات اللحظة الماثلة التي تتطلب منا الاستناد إلى قواسمنا المشتركة وهي كثيرة لنرفع التحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي نعرفها جميعا.

إن هذه التحديات على جسامتها تقتضي من جميع المتدخلين في الشأن الوطني بما في ذلك الأحزاب والمجتمع المدني وحتى وسائل الإعلام أن يكونوا قوة اقتراح بناءة وأن تصبّ المواقف المختلفة كلها في غائية وحيدة هي مصلحة الوطن وكيفية النهوض بواقع المواطن أينما كان. فالاختلاف لا يفسد أبدا للود قضية إذا ما بقي في إطار احترام الآخر وظل في حدود الصراع الراقي للأفكار والبرامج بعيدا عن التجريح والثلب وتبادل التهم المجانية.

*كيف تقيمون اليوم أداء الدبلوماسية الاقتصادية، وهل من برامج دعم خارجية لإنقاذ الاقتصاد التونسي الذي عانى كثيرا في مسار التحول الديمقراطي طوال الأعوام الماضية؟

**الدبلوماسية الاقتصادية هي بعد هام في عملنا يتصدّر اهتمامات الوزارة ونحن نعمل بالتعاون مع كل الوزارات المعنية، التجارة والاستثمار والصناعة والسياحة، وهياكل الدعم على تطوير تحركاتنا وخطط عملنا بناء على ما تحقق حتى الآن من إنجازات وأخذا في الاعتبار ما فرضته جائحة كورونا من إكراهات.

وقد باشرنا التفكير والإعداد لوضع آليات عمل دبلوماسي أكثر مرونة وفاعلية وأقل تكلفة. ومن بين الآليات الجديدة التي نعتزم استخدامها البعثات الدبلوماسية المتنقلة. وكانت لنا تجربة سابقة مع هذه الآلية وتوقفت، واليوم نسعى إلى إعادتها من أجل اقتحام أسواق جديدة. وسنهيأ مع انقشاع إكراهات كوفيد-19 ترتيب زيارات لوفود مشتركة تضمّ دبلوماسيين وخبراء ورجال أعمال ومستثمرين إلى المناطق التي لا يوجد لنا فيها تمثيل دبلوماسي في آسيا وأفريقيا وأمريكا. كما نعتزم أيضا إرساء تمثيليات تونسية مشتركة في الفضاءات التي ليس لنا فيها بعثات دبلوماسية تضمّ ممثلين عن وزارة الشؤون الخارجية وهياكل الدعم أو الوزارات المعنية بالشأن الخارجي.

*في رأيكم إلى أي مدى تغير النظام الدولي والعلاقات الدولية والدبلوماسية في ظل فيروس كورونا؟ وكيف تواكب تونس هذه التطورات؟

**من دون شك يشهد النظام الدولي اليوم تحولات عميقة على أكثر من صعيد، فإضافة إلى تواصل النزاعات المسلحة والأزمات في عدد من دول العالم وارتفاع معدلات الفقر المدقع وتنامي مظاهر البؤس الاجتماعي التي تجعل من الشباب فريسة سهلة بيد المنظمات الإرهابية والمتاجرين بالبشر، جاءت جائحة كورونا العالمية لتفرض تحديا جديدا على الأمن والسلم الدوليين كاشفة عن هشاشة ووهن النظام العالمي. ودفعت هذه الأزمة الوبائية كل الدول بدون استثناء إلى إعادة النظر في مفاهيم وقيم عدة ظلت لسنوات مجرد شعارات دون أن تطبق على أرض الواقع. وبرهنت هذه الجائحة أنه لا حلّ سوى اعتماد مقاربات جديدة تقوم على التضامن الفعليّ والتآزر الحقيقي والتعاون الناجع والشراكة المثمرة على المستويات الثنائية ومتعددة الأطراف.

وفي الحقيقة يحق لتونس أن تفخر أنها كانت من أول الدول التي دعت إلى عرض أزمة كورونا الوبائية باعتبارها مهددة للأمن والسلم الدوليين، على أنظار مجلس الأمن الدولي عبر مبادرة تقدم بها رئيس الجمهورية في الغرض وأفضت إلى اعتماد مشروع القرار التونسي الفرنسي رقم 2532 الذي سيظل علامة مضيئة في تاريخ الدبلوماسية التونسية ونقطة فارقة في تعاطي مجلس الأمن مع هذا الصنف من التهديدات الدولية.

وسنسعى أن تكرس الدبلوماسية التونسية في إطار عضوية بلادنا بمجلس الأمن الدولي التضامن الفعلي على الصعيد الدولي وأن تكون تونس قوة اقتراح ومبادرة في اتجاه القيام بمراجعات جدية تعيد للعمل المتعدد الأطراف بريقه وتجعل منه بحق أداة فاعلة لخدمة التنمية الإنسانية. ونحن نعتقد انه يجب إعطاء السياسة المتعددة الأطراف مجالا أكبر في العمل الدبلوماسي ويجب مساندتها عن طريق كافة الدول. فقد أثبتت هذه الصراعات انه ليست هناك دولة بمفردها قادرة على مجابهة أي أزمة مستجدة. وتبدأ السياسة المتعدة الأطراف إقليميا ثم دوليا. واليوم لم تعد القوة قوة سلاح بل باتت هناك مجالات أخرى للتنافس وإبراز القوة والتفوق مثل التسابق على اللقاح وفي مجالات أخرى مثل البحوث العلمية وغيرها. وهذا لا يمكن ان يتحقق إلا في كنف التوافق الدولي الذي لا يمكن الحصول عليه إلا من خلال توافقات إقليمية. مثلا الاتحاد الأفريقي يمتلك حسّا تضامنيا كبيرا وهو منظم وله كلمته وتأثيره، ويضم 50 دولة لها مصداقيتها وفاعليتها وهي تشكّل قوة قرار واقتراح. لماذا لا نكون كذلك في الجامعة العربية؟ فنحن لدينا القوة الاقتصادية وموقع استراتيجي من أهم المواقع في العالم وكل الممرات المائية تمرّ عبر العالم العربي ولدينا كل مقومات القوة والوحدة ولسنا أقوياء لأن التضامن العربي هشّ.

*صادق مؤخرا مجلس الأمن على مشروع القرار التونسي-الفرنسي حول كورونا وهو نتيجة جهود رئاسية ودبلوماسية كبيرة، فما أهمية هذه المبادرة التونسية وهل تعتبرون أنها أعطت نتائجها؟

**بالفعل كما أسلفت الذكر فإن تبني هذا القرار بالإجماع من قبل مجلس الأمن الدولي هو ثمرة جهود مضنية قادتها الدبلوماسية التونسية لترجمة مبادرة رئيس الجمهورية بالدّعوة منذ بداية انتشار الوباء إلى ضرورة اضطلاع كلّ أجهزة الأمم المتّحدة وفي مقدّمتها مجلس الأمن بمسؤولياتها كاملة في مواجهة هذا الخطر غير المسبوق الذي لا يعترف بالحدود الدولية.

وقد باشر رئيس الجمهورية بنفسه مختلف أطوار تبني هذا القرار وتولى مخاطبة رؤساء الدول للمساعدة على تخطي الصعاب نحو اعتماد القرار، كما خاطب بذلك الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش مطالبا إياه بتفعيل الفقرة 99 من ميثاق الأمم المتحدة بالإضافة إلى مخاطبة كبار المسؤولين في منظمة الصحة العالمية، كل هذه المساعي الحثيثة الهدف منها إصدار قرار أممي يعالج هذا الخطر المستجد على المجتمع الدولي من منطلق إنساني.

وقد نجحت تونس في استنهاض الوعي الدولي بأهمية تضافر الجهود والتسامي على الخلافات والتوقف عن الصراعات والجنوح نحو رؤية جديدة تقوم على تضامن دولي فعلي  يرتقي إلى مستوى تحديات المرحلة الراهنة. وعليه ستكون إحدى أولويات العمل الدبلوماسي في المرحلة المقبلة هي تكريس هذا القرار على أرض الواقع وسيكون ذلك من خلال تكثيف تحركات الدبلوماسية التونسية على المستويات الثنائية ومتعددة الأطراف للمساهمة والاستفادة من المبادرات الأممية والدولية الرامية لمساعدة الدول الأعضاء على مواجهة تحديات الأوضاع الراهنة، على غرار مبادرة منظمة الصحة العالمية لإتاحة تلقيح كورونا عند توفره للجميع على قدم المساواة وخطة الأمين العام للأمم المتحدة للتعاون الرقمي وغيرها من المبادرات.

*بالتزامن مع احتضان تونس جولة جديدة من الحوار الليبي الليبي، وقبلها احتضان المغرب جولة من التفاوض فكيف ترون كل هذه المبادرات؟

**أعتقد ان كل هذه المبادرات سواء في بوزنيقة أو غيرها تعكس وعي مختلف الأطراف إقليميا ودوليا بأهمية الإسراع في حل الأزمة الليبية، وقد كانت تونس من بين الدول المساهمة في هذا الجهد من خلال احتضانها عديد المحادثات الرسمية وغير الرسمية بين الفرقاء الليبيين الذين يجدون في تونس حاضنة أمينة لمفاوضاتهم وتجسيد تطلعاتهم في الأمن والسلم والاستقرار. وكما تعلمون ستحتضن تونس في مطلع تشرين الثاني/نوفمبر الاجتماع المباشر الأول لملتقى الحوار السياسي الليبي الذي يتوج مسار برلين الذي عرفته عدة محطات. وأعتقد أنه سيكون مرحلة هامة في العملية السياسية وفرصة لتجميع الليبيين على الطاولة نفسها لإيجاد حل سياسي شامل ودائم. فاليوم ليس من مصلحة أي أحد أن يعرف المسار السياسي في ليبيا انتكاسة، والمسؤولية لا يتحملها الليبيون فقط أو دول الجوار بل كل الأطراف المتدخلة والمؤثرة في هذا الملف، وعلينا جميعا أن ندفع في اتجاه أن تستعيد ليبيا عافيتها وتعود إلى وضعها الطبيعي كبلد مستقر وآمن.

*كيف يمكن تفعيل تونس ودول الجوار الليبي في هذا الملف خاصة أن ليبيا باتت ساحة للصراعات الدولية وصراع النفوذ؟

**الحقيقة إن الأزمة في ليبيا لم تعد مجرد أزمة داخلية، بل أصبحت أزمة إقليمية نظرا لتداعياتها الخطيرة على بلادنا بالدرجة الأولى ودول الجوار والمنطقة بأسرها، وقد انبثقت عن استمرارها تحديات كبيرة من الناحية الأمنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية، ما حتم على دول الجوار بذل جهود كبيرة ومساعي حثيثة لحلها، ومن هذا المنطلق أكدت تونس دوما على أهمية دور دول الجوار في المساعدة على حل هذه الأزمة، وكثفت من التشاور والتنسيق مع دول الجوار وفي مقدمتها الجزائر أحد أهم الدول المعنية بالأزمة في ليبيا.

وكما أكد رئيس الجمهورية في الاتصال الهاتفي الذي جمعه يوم 12 تشرين الأول/أكتوبر الجاري مع أخيه الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، التنسيق مع الأشقاء الجزائريين هو من ثوابت الدبلوماسية التونسية وهناك توافق وانسجام تام في المواقف والرؤى بين قيادتي البلدين بشأن حل الأزمة في ليبيا، ولم تقتصر هذه الاتصالات على الجزائر فقط بل جرت اتصالات عليا مع عدة دول شقيقة وصديقة أخرى معنية بصفة مباشرة أو غير مباشرة بالوضع في ليبيا حول سبل تعزيز التنسيق والتعاون من أجل مساعدة الأشقاء الليبيين في التوصل إلى التسوية السياسة المنشودة.

وقد كانت لي مداخلة يوم 13 تشرين الأول/أكتوبر الجاري في اجتماع المجلس التنفيذي الوزاري للاتحاد الأفريقي أكدت خلالها على ضرورة الوقوف إلى جانب ليبيا في سعيها للسلام ضمن حوار سياسي ليبي-ليبي لنكون قد أسسنا جميعا كدول أفريقية لإرساء دعائم الأمن والاستقرار في قارتنا.

طبعا استقرار ليبيا هو مصلحة لتونس وللمنطقة بأكملها ونحن ننسق مع الجزائر الشقيقة أيضا باعتبارنا دولتين مجاورتين والأقرب من حيث الحدود المباشرة مع ليبيا ونعمل من أجل استقرارها، لأنه استقرار لنا أيضا ولمنطقة البحر الأبيض المتوسط. نتمنى أن لا تستفحل الأزمات ونحول دون ان يتحول الفضاء المتوسطي إلى ساحة توتر دائم وعلينا جميعا كبلدان مطلة على هذا الممر الدولي الهام ان نعمل على إيجاد الحلول السريعة والناجعة لإبعاد المنطقة عن أي صراع محتمل وذلك بإعمال آليات التفاوض وما يوفره قانون البحار من رسائل تساهم في إيجاد توافقات بين مختلف الأطراف لنبقي على فضاءنا هذا فضاء سلام وأمن واستقرار.

وأجدد التأكيد أن تونس ترفض كافة أشكال التدخل الخارجي في الشؤون الداخلية لليبيا والتي من شأنها تعقيد الأزمة. إذا كان هناك دور للمجموعة الدولية فهو مساعدة الأشقاء الليبيين على إيجاد حل سياسي تفاوضي ينبع من إرادة الشعب الليبي نفسه.

وفي هذا الإطار أريد التأكيد على دور دول الجوار الليبي الأكثر تضررا من تداعيات الأزمة بليبيا، في المساهمة في تقريب وجهات النظر بين الليبيين والدفع نحو تحقيق الحل السياسي.

ونحن نأمل بأن تصبح ليبيا متصالحة مع نفسها لتتمكن من أخذ الوعي بمقدراتها ومكامن ثرواتها لتحافظ عليها بالطريقة الأنسب التي تتماشى مع مصلحتها. ونتمنى أن تصبح ليبيا مستقرة مع نظام وحكومة مستقرة وبرلمان منتخب لتتعامل بكل ندّية مع الأطراف الأخرى حسب مصالحها ومنفعتها. فكل هذه الدول التي تدور في فلك محاولات التدخل سيأتي يوم تنخرط فيه ضمن مبدأ التوافقات الثنائية أو متعددة الأطراف وتدخل في بوتقة التعامل العادي مع الدولة الليبية. ومع استقرار الحال ستترجم المصالح المتبادلة باتفاقيات رسمية وقانونية توقع مع الدولة الليبية التي لها مطلق الحرية بإبرام الاتفاقيات التي تصبّ في مصلحتها .

*وإلى أي مدى تونس اليوم متمسكة بثوابتها والوقوف على نفس المسافة من جميع الأطراف في ليبيا؟

**لقد حافظنا دائما في إدارة علاقاتنا الدولية على نوع معين من التوازن كسبيل وحيد للمساهمة الفاعلة في حل القضايا. لأنه إذا ساندنا طرفا ضد آخر فنحن نقوم حينها بالمساهمة في تعكير التوازنات ونصبح طرفا في النزاع. وهذا هو الخطر  الذي يجب على أي دولة أن تتجنبه في تعاملها مع أي نزاع أو أزمة. نحن اليوم في مجلس الأمن نتعامل مع كل القضايا في العالم وازاء كل الأزمات والملفات المطروحة بنفس المقياس، لأنه الوحيد الذي يعطينا مصداقية في أي مقترح نقدمه أو أي مبادرة نقوم بها. فاحترام كل الأطراف هو أمر هام. هذا بطبيعة الحال مع الدفاع عن الحق وعدم السماح بالتعدي على حقوق الغير المكتسبة والمثبتة بمقتضيات القانون الدولي وبالمرجعيات القانونية المتعلقة بها.

وإذا عدنا إلى التاريخ وإلى أهم وأعقد الأزمات التي مر بها عالمنا في القدم كما في الصور الحديثة وفي مختلف الحقب، فإننا نجد بأنها لم تُحل أبدا بالسلاح والقوة، فمهما طالت الحروب كان الحلّ في الأخير العودة إلى طاولة المفاوضات. ونحن نعتقد إن الأمور في الملف الليبي تمضي باتجاه الحل السياسي التفاوضي وهذا ما نتمناه وندعمه جميعا، والرئيس قيس سعيد في تواصل مستمر مع مختلف الأطراف الليبية والإقليمية والدولية للدفع في اتجاه حلّ سياسي ليبي-ليبي يضمن استقلالية ليبيا وحرمتها الترابية. وهذا ما نصبو إليه فليست لنا أي مصلحة في ليبيا إلا أمنها واستقرارها وأن تمضي من جديد نحو التنمية والتطور .

*كيف تنظرون إلى موجة التطبيع التي تشهدها المنطقة مع إسرائيل وما هو موقف تونس الرسمي؟

**سبق لرئيس الجمهورية أن عبّر عن موقف تونس الرسمي من هذه المسألة خلال استقباله في 19 اب/اغسطس الماضي سفير دولة فلسطين في تونس، حيث أكد على موقف بلادنا الثابت من الحق الفلسطيني، مجددا التأكيد على أن “هذا الحق ليس صفقة ولا بضاعة أو مجرد سهم في سوق تتقاذفها الأهواء والمصالح”. فالقضية الفلسطينية قضية حق وعلينا التمسك بحقوق الشعب الفلسطيني غير القابلة للتجزئة أو السقوط بمرور الزمن.

وقد أوضح رئيس الجمهورية أن تونس لا تتدخل في اختيارات الدول وتحترم إرادتها فهي حرة في اختياراتها، ولكن بالنسبة لتونس فنحن متمسكون بمقومات الحل المتفق عليها دوليا ومقومات الحل بالنسبة إلينا هي ما أقرتّه الأمم المتحدة والجامعة العربية بخصوص الصراع الفلسطيني الإسرائيلي. وإذا ارتأى الفلسطينيون أن يحدثوا أي تغيير فنحن معهم. وستبقى تونس داعمة لأي جهد جدي لإحياء عملية السلام لكن على أساس المعايير المتفق عليها من قبل المجتمع الدولي وبما يفضي إلى تحقيق سلام عادل وإعادة الحق الفلسطيني المسلوب ويسمح بإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشريف.

*اليوم هناك جدل كبير بشأن دور الجامعة العربية بعد فشلها في عديد الملفات، في الملف السوري والليبي وغيرها وأيضا بدت عاجزة أمام امتحان “التطبيع” فكيف ترون ذلك وهل ما زال هناك دور للجامعة العربية؟

**أعتقد أننا وصلنا إلى مرحلة تتطلب أن يكون هناك حوار صريح وجدي صلب الجامعة العربية حول أولويات العمل العربي المشترك للمرحلة المقبلة. فتأثير ودور الجامعة مرتبط بقدرة دولنا نفسها على توحيد صفوفها حول قواسمنا المشتركة. نحن نمثل قوة بشرية واقتصادية لها وزنها ولدينا جميع مقومات الوحدة لكن تعوزنا الإرادة لتجاوز خلافاتنا والتركيز على ما يجمعنا وينفع شعوبنا. وبالنسبة لتونس نحن ندعم جميع المبادرات الرامية إلى التسوية السلمية لقضايا الأمة العربية وتوحيد الصف العربي ودفع العمل العربي المشترك، وتونس مستعدة للمساهمة في أي جهد يحقق هذه الغاية على أسس متينة وتناسب تحديات المرحلة الحالية التي على الجميع ان يتأكد انه لا يمكن لأي دولة بمفردها مجابهتها.

*هناك تصاعد لظاهرة الهجرة غير الشرعية وباتت الشغل الشاغل للأوروبيين ولدول المنطقة أيضا فكيف ترون حلّ هذه المشكلة؟

**لدينا مقاربتنا التي عبرنا عنها في أكثر من مناسبة لمعالجة ظاهرة الهجرة غير النظامية، وهي تقوم على مبدأ التنمية المتضامنة بين الضفة الشمالية والجنوبية للمتوسط حتى نجعل من الهجرة أداة تقارب وتعاون ووسيلة إثراء حضاري وثقافي لبلدان المنطقة. طبعا يبقى التنسيق الأمني ومراقبة الحدود مهما من منطلق التزام كل طرف بتعهداته في هذا الشأن، إلا أن فتح نقاش تشاركي لحل هذه المسألة أكثر من ضروري. يجب خلق آليات وأطر جديدة للتعاون بين البلدان المطلة على حوض البحر الأبيض المتوسط في مختلف المجالات ومن بينها مجال الهجرة عبر فتح قنوات للهجرة المنظمة وتشجيع الهجرة الدائرية وذلك في إطار مقاربة شاملة لمعالجة ظاهرة الهجرة لا تقتصر فقط على البعد الأمني.

وقد اقترح الرئيس في هذا الصدد ما أطلق عليه بالتنمية المتضامنة بين دول الضفتين في المتوسط، وهي مقاربة تتماشى مع مقتضيات المرحلة ومتطلبات التعاون من أجل الإبقاء على المتوسط رافدا للالتقاء والتوافق.

*إلى أين يسير الوضع في العالم العربي في ظل الصراعات والحروب؟

**نبقى متفائلون رغم الحروب الدائرة في المنطقة وفي العالم، ويبقى انتماؤنا للعالم العربي معطى أساسيا وهاما بالنسبة لنا ومن مصلحتنا أن ندفع باتجاه مزيد تماسك الدول العربية في ما بينها حتى يكون لها وزن إقليمي ودولي. تسعى تونس رفقة أشقائها من الدول العربية إلى إيجاد حلول توافقية لكل الإشكالات والأزمات التي يعيشها العالم العربي، فما يجمعنا أكثر مما يفرقنا كعرب ولنا مقومات تقارب أكثر من أي تجمعات إقليمية أخرى.

*وماذا عن اتحاد المغرب العربي خاصة أننا ندفع ثمنا باهظا نتيجة كلفة اللامغرب؟

**لا بد من إيجاد صياغة جديدة للعلاقات بين الدول المغاربية في ما بينها وفي علاقاتها ببقية التجمعات الإقليمية. ففي اتحادنا قوة على المستوى الاقتصادي والسياسي، وعندما نتجه كدول متحدة لكل الدول أو التجمعات الأخرى نكون أقوى ويكون لنا وزن أكبر وهو ما يسمح لنا بتأمين مصالحنا الاقتصادية والسياسية بشكل أفضل.

هناك ديناميكية اقتصادية وتنموية قائمة والمؤسسات المعنية بذلك تنشط بصفة اعتيادية ويبقى هذا مكسب علينا البناء عليه وتطويره.

*كيف هي تحضيرات تونس للمواعيد الدبلوماسية الهامة المقبلة مثل خمسة زائد خمسة أو القمة الفرنكوفونية؟

**لتونس تقاليد في تنظيم مثل هذه التظاهرات ونحن بصدد الإعداد لهذه المواعيد الهامة مع الأخذ بعين الاعتبار الأزمة الصحية التي يعيشها العالم وهو ما جعلنا نبحث مسألة تنظيم قمة 5+5 عبر تقنية الفيديو (عن بعد) أو بصفة حضورية مع أخذ الاحتياطات الصحية اللازمة، ونحن الآن في المراحل الأخيرة للإعداد لهذا المؤتمر.

بالنسبة للقمة الفرنكوفونية ستعقد خلال سنة 2021 وهي هامة جدا بالنظر إلى انها ستتزامن مع الاحتفال بالذكرى 50  لتأسيس المنظمة الدولية  للفرنكوفونية ودور تونس التاريخي كبلد مؤسس لهذه المنظمة. نحن أيضا نحضر لاستضافة مؤتمر “تيكاد 8” أي مؤتمر طوكيو الدولي للتنمية الأفريقية في دورته الثامنة، وهو تجمع اقتصادي مهم جدا يضم اليابان وكل الدول الأفريقية، ومؤسسات الدعم المالي ستأتي إلى تونس وهي فرصة هامة لإعطاء دفع اقتصادي جديد.

وهذه القمة، التي ستنعقد في تونس سنة 2022 ستكون أكبر اجتماع دولي تحتضنه البلاد منذ الاستقلال، بالنظر إلى حجم المشاركة الواسعة في هذا الحدث الهام، حيث من المنتظر مشاركة حوالي 50 رئيس دولة وحكومة أفريقية، بالإضافة إلى رئيس الوزراء الياباني وأعضاء حكومته، وعدد هام من رؤساء منظمات دولية، وأكثر من 11 ألف مشارك من مؤسسات يابانية وأفريقية من القطاعين العام والخاص، وخبراء وأكاديميين وممثلين عن المؤسسات المالية الدولية. ويسعى مؤتمر “تيكاد” إلى تعزيز الحوار السياسي بين أفريقيا وشركائها، وحشد الدعم لصالح مبادرات التنمية الأفريقية.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية