لا يمكن فصل الإبداع الثقافي والفني عن الاحتياجات الأساسية للمواطن العربي، فثمة صلة وطيدة تربط بين الحاجة إلى الغذاء والكساء كمقومات طبيعية للحياة على كوكب الأرض وبين الفكر والوعي والثقافة كمكونات معرفية مهمة للعقل الجمعي، تدخل السينما كصناعة وفن في نسيجها لتتولى نقل الإحساس والشعور عبر الصوت والصورة ومُدركات الجمال المحسوس والمرئي ليتم تفعيل العلاقات بشكل تلقائي على أرض الواقع فتتحقق الوحدة العربية المُستهدفة وتتأكد العناصر التكاملية المُشتركة بين الأفراد والجماعات على صعيد واحد.
ولهذا فإن للمناسبات الفنية والثقافية التي يُحتفل ويُحتفى بها على مدار السنة وتتطلع السينما بلعب الدور الرئيسي فيها، ميزة مهمة في البحث عن المُشتركات الحياتية والاجتماعية الدالة على عمق العلاقات العربية – العربية المُتجذرة بين الأشقاء، فضلاً عن كونها نشاطات ترفيهية تعمل على تفريغ الشحنات السلبية فيما يتصل بآثار الخلافات العارضة أحياناً والناتجة عن سوء الفهم الذي قد يحدث عبر مراحل زمنية لوجود تباينات في وجهات النظر سرعان ما تزول بزوال الأسباب.
من هنا جاء الاهتمام بإقامة المهرجانات وتنظيم الفعاليات العربية وغير العربية لضمان تصفية الخلافات أولاً بأول على طاولة الحوار المُشترك لمناقشة القضايا العالقة التي تطرحها الأفلام ضمن موضوعاتها في شتى الدورات باعتبارها من بين الرسائل التي يعتني أي مهرجان بتوصيلها من باب الإنباء والتبليغ بما يُستجد كي لا تُصبح هناك مُشكلات منسية أو مُستعصية على الحل تُعكر صفو العلاقات أو تُضبب الرؤية أمام المنظور المُستقبلي للأجيال الجديدة من الشباب العربي المُبدع القادر على تذليل العقبات بمجرد القبض على الفكرة الإبداعية المُتسقة مع ما يرنو إلية من أحلام وطموحات.
مهرجان القاهرة السينمائي الدولي
لقد اختتم مهرجان القاهرة السينمائي الدولي دورته الرابعة والأربعين خلال الشهر الماضي ليكون آخر احتفالات السينما المصرية والعربية في عام 2022 وقد أسدل الستار على أحزان العام المُنصرم ليتجدد الأمل في رسم خريطة جديدة لدورة مقبلة تكون أكثر ملائمة لاحتياجات المُبدعين والجمهور ولديها القدرة على تدارك الأخطاء التي وقعت خلال الدورة الفائتة.
وعلى الرغم من الهنات الصغيرة التي مثلت عيوباً طفيفة في الشكل التنظيمي، إلا أن الناتج الإجمالي للفعاليات كان مقبولاً إلى حد كبير، لا سيما أن المهرجان استوعب عدداً وفيراً من الأعمال ومنح الفرصة للأفلام المتميزة للحصول على الجوائز كفيلم «19 بـ« الذي حصل على جائزة أفضل فيلم عربي وقيمتها عشرة آلاف دولار، كما حصل فيلم «بركة عروس» للمخرج اللبناني باسم بريش على تنويه خاص كقيمة فنية عالية من لجنة التحكيم، وكذلك حصل الفيلم التونسي للمخرج ياسين الرديسي على جائزة آفاق السينما العربية كأحسن فيلم داخل المُسابقة.
وبهذا جمع مهرجان القاهرة بين التميز المصري والتميز العربي في سياق واحد اعترافاً منه بأهمية الدمج المصري العربي القومي في بوتقة الإبداع السينمائي على خلفية العلاقات القوية والمتينة بين مصر وشقيقاتها من الدول العربية.
مهرجان الإسكندرية السينمائي
في الخامس من تشرين الأول/أكتوبر الماضي انطلقت الدورة 38 لمهرجان الإسكندرية السينمائي لسينما دول البحر المتوسط بإهداء للفنان محمود حميدة وقد تم اختيار دولة تونس الشقيقة كضيف شرف المهرجان احتفالاً بعام الثقافة المصرية التونسية، وفي نفس السياق حرص المهرجان على تكريم النجمة الفرنسية ماريان بورجو في حفل الافتتاح ضمن الشخصيات العالمية ليُعطي للفعالية السينمائية بُعدها الدولي والعالمي ويدلل على الاهتمام بنجوم سينما دول البحر المتوسط اتساقاً مع توجه المهرجان ورسالته الثقافية المهمة وهو دور منوط بكل الأنشطة السينمائية المصرية والعربية التي تحافظ على العلاقات الدولية بينها وبين الدول الصديقة في إطار التقارب الفكري والثقافي المأمول والداعي إلى كسر حاجز اللغة والخروج من العزلة.
مهرجان البحر الأحمر
خلال الفترة من 1 كانون الأول/ديسمبر وحتى 10 من نفس الشهر أقيمت الدورة الثانية من مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي بمدينة جدة التاريخية تحت شعار «السينما حياة» في حضور لفيف من كبار نجوم السينما العرب والعالميين، وقد تم عرض عدد من الأفلام من مُختلف دول العالم، بيد أن الحدث الأهم كان مُتمثلاً في افتتاح سوق عالمية للفيلم العربي والسعودي، مع الحرص على اكتشاف المواهب الإبداعية الجديدة لدى الشباب السعودي والعربي المهتم بالسينما والراغب في دراستها وتنمية مواهبه فيها بمجالات التمثيل والإخراج والتصوير وبقية التخصصات السينمائية الإبداعية.
ومن قبيل التشجيع والحرص على نجاح الدورة السينمائية الثانية للمهرجان الوليد عملت إدارته على رصد عدة جوائز قيمة للأفلام الفائزة وصلت قيمة الجائزة الأولى لأفضل فيلم إلى ما يقرب من 100 ألف دولار بخلاف جوائز أخرى متفاوتة القيمة.
مهرجان العودة للسينما الفلسطينية
ومن بين الفعاليات الدولية المهمة للسينما الفلسطينية، أقيم مهرجان العودة السينمائي الدولي على مدار أسبوع قبل انتهاء العام 2022 بنحو أربعة أشهر تحت شعار انتظار العودة عودة، وعلى الرغم من قلة الإمكانيات والموارد المحدودة وجه رئيس المهرجان سعود مهنا الدعوة لعدد كبير من السينمائيين المناصرين للقضية الفلسطينية، وبالفعل أرسل عدد غير قليل من النجوم العرب والأجانب أفلامهم لإدارة المهرجان وتم التواصل معهم عبر وسائل التواصل الحديثة والمتطورة في حفل الافتتاح الذي أقيم في مدينة غزة.
ومن بين النجوم المصريين الذين زاروا المُدن الفلسطينية خلال الفترة القريبة الماضية في سابقة فريدة وجريئة، الفنان المصري أحمد بدير الذي تم تكريمه من قبل المهرجان بعرض فيلمه «موعد حياة» ومنحه الجائزة الكبرى في الدورة الخامسة بالشراكة مع كلية فلسطين التقنية التي ساهمت في إقامة المهرجان ودعمته ليصل عدد الأفلام المشاركة به إلى 177 فيلماً من 42 دولة على مستوى العالم.
أيام قرطاج السينمائية
كذلك احتفلت تونس بالدورة 33 لأيام قرطاج السينمائية في مناخ إبداعي خاص ساهم في ثراء الحركة السينمائية في دول شمال أفريقيا والعالم العربي وأمريكا اللاتينية، وقد أحيت حفل الختام المطربة المصرية شيرين عبد الوهاب وسط أجواء فنية مُبهجة.
ويعود تاريخ مهرجان قرطاج السينمائي إلى عام 1966 حيث تم تأسيسه بمبادرة من الطاهر شريعة وأسندت مهمة الإشراف علية للجنة مُتخصصة يرأسها وزير الثقافة، فالمهرجان يُقام سنوياً في الفترة ما بين شهري تشرين الأول/أكتوبر وتشرين الثاني/نوفمبر وهو أقدم مهرجان سينمائي في الجنوب التونسي.
وينظم المهرجان المذكور عدة مسابقات سينمائية تحت عناوين مختلفة من بينها مسابقة الأشرطة الطويلة ومسابقة الأشرطة الصغيرة، ويرصد جوائز التانيت الذهبي والتانيت البرونزي وتتوافد إليه الضيوف من كل أنحاء العالم بوصفة واحداً من فعاليات السينما العربية المُعتبرة في المنطقة.
مهرجان الأردن
في الثاني من تشرين الأول/أكتوبر الماضي اختتم مهرجان الأردن للأفلام دورته العاشرة، حيث ظفر الفيلم المغربي «مداد أخير» في حفل جوائز المهرجان بثلاث جوائز، لأفضل عمل متكامل وأفضل سيناريو وأفضل إخراج وأفضل تمثيل وقد ذهبت الجائزة الأخيرة للممثل الأردني محمد الإبراهيمي عن دورة في فيلم «الدفينة».
جدير بالذكر أن المخرج خيري بشارة كان رئيساً للجنة تحكيم المهرجان المكونة من الدكتور علي الربيعات والدكتور عامر غرايبة من الأردن، وقد تم توزيع الجوائز في المركز الثقافي الملكي بعمان بحضور أمين عام وزارة الثقافة هزاع البراري ونقيب الفنانين الأردنيين محمد العبادي ومدير المهرجان عبد الكريم الجراح.
مهرجان ميتا السينمائي
وفي تطور جديد وسريع للحركة السينمائية في دبي بدولة الإمارات انطلقت خلال العام 2022 الدورة الأولى لمهرجان ميتا السينمائي الدولي بمشاركة 70 فيلماً من 25 دولة، وحمل المهرجان شعار التسامح وبدأ حفل الافتتاح بعرض فيلم «إميلي» للمخرج فرانسيس أوكونر مع برنامج حافل بالأفلام ضمن فئات متنوعة من الأعمال الروائية القصيرة والطويلة والوثائقية.
ومن جانبها شاركت الإمارات نفسها كجهة مُنظمة بمجموعة من الأفلام الروائية القصيرة من بينها فيلم «الموعد النهائي» وفيلم «أطفال الجميع» وفيلم «آي دي آي» وفيلم «فجر السهوب العظيمة» و«المحطة الأخيرة» و«السلحفاة والحلزون» و«يوم التفاح» إلى جانب عدد آخر من الأفلام القصيرة المصرية والإيرانية والسويدية والكورية والأردنية.
المهرجان استضاف خلال فعالياته عدداً من مشاهير السينما العالميين والإقليميين، من بينهم كريس ميجيا ونايلة الخاجة والمخرجة الإماراتية ماريا بيلو وكيسي وبيغاه أهنجراني ونسليهان يلدان وآخرين.
وحسب تصريحات مديرة المهرجان ليلى ماسيناي أن الدورة الأولى للمهرجان السينمائي الجديد تعتبر امتداداً لنشاطات مُنتدى ميتا وهو الاسم الذي يُشير للمهرجان ذاته، فالمنتدى وجه رسالة قوية للعناية بقضايا صناعة السينما العربية وهي دعوة مفادها التوسع في هذا المجال الإبداعي والعمل على تنميته وتطويره.
وبهذا التشكيل الفني الإبداعي ارتسمت خريطة المهرجانات السينمائية العربية على مدار السنة فكان لها الأثر الإيجابي البالغ في تحديد أطر التفاعل الثقافي بالشكل المُناسب وفق الخُطط الطموحة للرسائل المعنية والمُستهدفة.