وقرأت «الجزيرة» الفاتحة على روح «حمادة»!

حجم الخط
19

كان معهم حق، عندما وضعوا على رأس مطالبهم إغلاق قناة «الجزيرة»، فدول الحصار، وبالأحرى السعودية والإمارات كانتا تستهدف تجريد قطر من قوتها، لتكون بعد ذلك كالبحرين، بما يمكن من الخطوة التالية: «الغزو»، والاستيلاء على الثروة، وهو ما مثل إغراء لواحد ليس له في العير ولا في النفير مثل السيسي!
أزمة مقتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي، أكدت أن «الجزيرة» أقوى من الجيوش العربية مجتمعة، وهي تقود النفير العام ضد هذه العملية الإجرامية، فضرب الرقاب وشد الوثاق، ولك أن تتخيل أن العلاقات السعودية – القطرية على ما يرام، فقطعاً كان الأداء سيختلف، لهذا فقد اندفع اعلام المولاة، ليهاجم «الجزيرة» ويفتح النار على قطر، فقد كان يمكن لخاشقجي أن يموت فطيساً، لولا «الجزيرة»، وهي معركة لم تخضها القناة الإخبارية فقط، لكن «آجرت» فيها كلاً من «الجزيرة الانكليزية» و»الجزيرة مباشر»، حيث وقفتا على «خط النار»، وهي تذيع ما وصلها من أخبار، وتفتح تغطية لهذا الحدث على مدار الساعة، في حين أن قناة «تي آر تي العربية»، التي تبث من تركيا، تبدو كما لو كانت تبث من مبنى التلفزيون المصري «ماسبيرو»، فلا تتذكر الحادث إلا في نشرات الأخبار القليلة، أو في شريط الأخبار، فيالها من أموال تبدد بلا معنى!
القوم في دول الحصار، وقد أحيط بهم من كل جانب، فذهبوا يتعاملون كما لو أن «الجزيرة» هي من صنعت الحدث، وليس لأن القاتل القادم من التاريخ الغابر هو الذي أرق الضمير الانساني بما فعل، وظن أنه يمكن أن ينجو بجريمته، ما دام قادراً على أن يطعم الفم، لتستحي العين، فم الرئيس الأمريكي، أكبر مرتش في التاريخ!
الغباء هو من صور لغلمان المرحلة، أنه يمكن ارتكاب الجريمة، ثم يطويها النسيان، وهذا ما ظهر عليه القوم من خفة، كما لو كانت المملكة تدار من قبل جندي مجند في الأمن المركزي المصري، فالخمسة عشر شخصاً الذين سافروا لتنفيذ العملية هم من دائرته الضيقة، وقد سافروا بجوازات سفرهم، وبأسمائهم الحقيقية، ولهم صفحات على مواقع التواصل الاجتماعي، مما سهل عملية التعرف عليهم، ثم أن كبيرهم كان ممن يصطحبهم فتى القبيلة الأول، و»فلتة جيله»، وأذكى إخوته، في سفره وترحاله، وهو من قام باستئجار طائرتين من شركة خاصة للسفر، وكأنهم في رحلة مدرسية إلى «حديقة الحيوان»!
ثم أنهم وقد حجزوا في أحد الفنادق في إسطنبول لأربعة أيام، إلا أنهم عادوا سريعاً وفي اليوم نفسه، وكان الدفاع المسخرة الذي أدبدته قناة «العربية» هو أنهم «سياح»، ولأول مرة في تاريخ السياحة، يدفع سائحون كل هذه النفقات، ويتكبدون عناء السفر إلى بلد آخر، من أجل أن يحتسوا فنجان قهوة ثم يغادروا، يبدو أنهم كانوا يبحثون عن رخصة تبيح لهم الاستمتاع بالصلاة قصراً وجمعاً. على نحو يجعلنا أمام أغبى جريمة وقعت في التاريخ، ففي جرائم قتل الزوجات لأزواجهن، فانهن يأخذن احتياطات أكثر من تصرف هؤلاء الدهماء، الذين ينبغي أن يعاقبوا بتهمة الغباء السياسي، بصوت الرئيس السادات، وهو يوجه هذا الاتهام لخصومه، الذين استقالوا من الحكومة بهدف إحداث فراغ دستوري، فكانت المفاجأة أنهم منحوا السادات فرصة لقبول الاستقالة والتخلص منهم وسجنهم!

صفعة النظام التركي

في جرائم اختطاف المعارضين، والتي ربما سمع بها ولي العهد السعودي «حمادة»، الملاحظ أنها تمت بالتوافق مع الدولة المضيفة، ومنها جريمة فعلها أجداد «حمادة» مع أحد الصحافيين أيضاً، لكن النظام التركي لا يمكن أن يوافق أو أن يمرر الجريمة التي تمت على أراضيه، والذي كان «حمادة» يريد أن يصفعه على قفاه، فإذا به يقدم نفسه على أنه مجرم، وقد بدأ والده بالتبني في البيت الأبيض في التخلي عنه، حيث أعلن أنه لا يعرفه جيداً، فعلاقته به عابرة، لأنه بهذه الفعلة النكراء صار عبئاً عليه، وهو الحريص على أن يستره بطرف ثيابه!
هذا فضلاً عن بشاعة الجريمة، فهى قتل وليست مجرد اختطاف، والقتل تم في مقر دبلوماسي (القنصلية السعودية) وليس في حادث سير، ثم أن جزارهم قام بعملية تقطيع الجثة، بشكل لا بد أن يؤرق الضمائر الحية.. فمن أين جاء هؤلاء القوم؟ وهل يجوز لمحمد بن سلمان (حمادة) أن يبقى على سدة الحكم لساعة واحدة بعد هذه الجريمة؟!
«الجزيرة» لم تصنع الحدث، لكنها وجدته ملقى في طريقها، وكل ما فعلته أنها احتشدت لتعريه أمام العالم، ليقف على بشاعة أولى الأمر في المملكة العربية السعودية، وقد شغلت الإعلام الدولي معها، فدخل الإعلام الغربي على خط المواجهة، فهذا جريمة لا يجوز تجاوزها أو الإلتفاف عليها، وقد كان «حمادة» هو من أعطى «الجزيرة» حبل المشنقة لتلفه على رقبته في ترو، يليق بالجينات التركية!
لست من مشاهدي دراما القوم، لأن بي عيباً خطيراً، فالمسلسل الذي أتورط في مشاهدته، استمر في ذلك، حتى وإن كان رديئاً، لأكون وأنا أشاهده في حكم من ارتكب ذنباً ويكفر عنه، فمن أين لي بالوقت الذي أرابط فيه أمام الشاشة الصغيرة لمشاهدة مسلسل تركي طويل الحلقات بطبعه؟
لكن مشاهدي الدراما التركية يقولون إنها على طولها فإنه مع نهاية كل حلقة لا بد من جانب لا يكتمل يشد المتابع على مواصلة المشاهدة وانتظار الحلقة الجديدة، وهكذا دواليك، وهذا ما فعله الأتراك في هذه الجريمة، ولم يبالوا بسوء الظن، ولو من أقرب المقربين منهم، الذين قطعوا وجزموا بأن أردوغان سيبيع دماء «خاشقجي»، ويقبض الثمن من «حمادة»!
ولا أبرئ نفسي، إن النفس لأمارة بالسوء، لكن لنا أن نتصور لو أنه اعتمد «الري بالغمر» وليس «بالتنقيط»، وأعلن كل ما لديه في اليوم الأول، والعالم لم يعطيه آذانه؟ فقد تمر الحادثة بشكل عادي، لكن الأداء التركي عمد إلى عملية «التعطيش»، ثم بدأ بالري بالتنقيط، نقطة، نقطة، وبعد أربعة أيام من اللامبالاة، كان يوم التسريب، لوكالتي «رويترز»، و»الأناضول»، وسهرت «الجزيرة» و»الجزيرة مباشر» مع هذه الأخبار الأولية حتى الصباح، ثم كان الاهتمام على مدار الساعة!

«رويترز» و«الأناضول»

اختفى مراسلوا «الجزيرة»، ولها مكتب ومراسلون في إسطنبول، حتى ظن المرء أنه تقصير من العاملين فيها، قبل أن يفكر في أنها قد تكون سياسة، فلا يكون مراسلوها هم من يقفون على الجبهة من أول يوم، فهي تناقش أخباراً نقلتها «رويترز» وهي وكالة أنباء عالمية، نشكو في مصر من انحيازها مبكراً للانقلاب العسكري، كما اختص بها وكالة تركية، ليست بعيدة عن الاختراقات الخارجية، وقد سبق لها أن بثت خبراً كاذباً عن أن الأمم المتحدة اتخذت قراراً بالتحقيق في مجزرة «رابعة»، وتزامن هذا مع خبر نشره موقع تابع للانقلاب العسكري عن أن بريطانيا قررت منح أي اخواني حق اللجوء السياسي بمجرد أن يثبت أنه «إخوان»، وكان هذا في أجواء تثبيت وقف الحراك الثوري، ولا بد من دغدغة المشاعر بمثل هذه الأخبار، التي هي «أفيون الإخوان»، بعد انتهاء مفعول «يوسف ندا» وأخباره الموسمية عن اتصالات تتم بينه وبين ضباط في الجيش المصري قرروا التخلص من السيسي!
في البداية، لم تكن الأخبار تؤكد أن عملية اغتيال خاشقجي مقطوعا بها، وإن كان صديقنا الدكتور محمد المختار الشنقيطي، أستاذ الأخلاق السياسية في جامعة حمد، قد قطع بأن خاشقجي قد قتل فعلاً، وسبق اسمه بلقب «المرحوم»، وذلك في الليلة الليلاء، التي احتشدت فيها «الجزيرة»، وانتقلت من مرحلة «التسخين»، لتقف على «خط النار»، فضربت فوق الأعناق، وضربت منهم كل بنان، بعد الأخبار التي بثتها الوكالتين «رويترز» و»الأناضول»!
لقد انتقلت تركيا إلى حلقة جديدة بطلب تفتيش القنصلية ومنزل القنصل، وهو ما حدث بعد عدة أيام، وفي اليوم الأول كان الخبر هو عن تفتيش القنصلية، وفي اليوم التالي رفضت السلطات السعودية تفتيش منزل القنصل، وبمساعدة تليق بأغبياء المرحلة في إحداث الإثارة اللازمة في خطة جذب الانتباه، وبعد التفتيش كانت الإثارة بالحديث عن ثلاثة أماكن أخرى يشتبه أن يكون الجناة قد نقلوا جثمان فقيد الكلمة الحرة إليها!
و«تحيا الجزيرة» في الحروب، فالجيوش التي لا تحارب تخور قواها وتنهزم عزيمتها، ولم تكتف بمراسليها هناك بقيادة المخضرم «عمر خشرم»، فدفعت بـ «سلمى الجمل»، و«زين العابدين توفيق»، كما دفعت «الجزيرة مباشر»، ومن واشنطن كان مراسلو القناة جاهزين لاستكمال الحدث، فكان «عبد الرحيم فقرا» و«ناصر الحسيني». وبجانب «محمد العلمي» و»وجدان وقفي»، فإن هذا الرباعي يمثل مدرسة مهنية في الصوت والأداء والحماس جديرة بالذيوع!
وفي المقابل كان الأداء البائس لقنوات القوم، فأحمد موسى في مصر يعلن أن قطر هى من قتلت «خاشقجي»، بينما قناة «العربية» في دبي تعلن أن طليقة «خاشقجي» لا تعرف من هى «خديجة» وكأن الموضوع هو «خديجة» الآن، وكأن المرء لكي يتزوج لابد أن يصطحب طليقته لتتولى مهمة زواجه الثاني، وكأنها زوجة أبيه! «أحمد موسي» قال: إن «خديجة» جدها «جنكيز خان».. عبقري من يومه، وهو لا يقل عبقرية عن «حمادة».
«الجزيرة» قرأت الفاتحة على روح «حمادة»، وبقي أن تشيعه قناة «العربية» إلى مثواه الأخير بأغنية سمراء الأغنية العربية «جواهر»: والله بحبك موت يا حمادة!

٭ صحافي من مصر

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية