الجديد هذه المرة، هو تحديد موعد إطلاق القناتين، فلم يعد الأمر يحتاج إلى عامين من التجهيز، كما حدث في التجربة الخاصة بـ «دي إم سي»، وهي التجربة الممولة من قبل دولة الإمارات العربية المتحدة، ثم توقف الأمر بعد أن بشر به السيسي في خطاب له، ونشر أن الإمارات تكفلت بالمطلوب لإطلاق قناة على أعلى مستوى من حيث الأجهزة والاستوديوهات والمعدات!
لقد تم الإعلان في الأسبوع عن أن القناتين سيتم اطلاقهما في شهر نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، أي بعد شهر من الآن، وأن المالك للقناتين هي الشركة المتحدة، وهي شركة تقوم بدور المالك لعشرات المحطات التلفزيونية، والصحف، والمواقع الإلكترونية، والتي تحتكر الدراما، وهي شركة تضم مجموعة شركات على طريقة الخلايا العنقودية، التي يحتاج فهم تفاصيلها الى التفوق في مادة الجغرافيا، والتدريب على الغرافيك، لوضع خريطة في الشركة الأم وحدودها الجغرافية، ومجموعة الشركات، و الصحف، والمواقع، والقنوات، التي تملكها، فضلاً عن الدراما التي أنتجتها، وآخرها مسلسل الاختيار 3، سيناريو وحوار عبد الفتاح السيسي مؤلف «الجنة البائسة»!
سؤال الممول:
لا نعرف المبرر لإطلاق قنوات جديدة، إلا أن ممولاً طلب ذلك؛ لأنه لا يريد تحمل فاتورة الفشل والإخفاق في القنوات القائمة، والمتعارف عليه في سوق الإعلام، أن إنشاء وسيلة جديدة، أسهل من النهوض بوسيلة فاشلة، وهذا ولا شك يجعلنا أمام سؤال عن هذا الممول، حيث أن من يقوم بتمويل الإعلام هو دولة، وإذا كانت بعض الدول تقوم بدعم وتمويل وسائل اعلام في دول أخرى، وكان الرئيس جمال عبد الناصر أول من بدأ هذا عربياً، إلا أن الجديد في الحالة المصرية أن الدولة هي من تتلقى هذا التمويل، بعد أن وضعت يدها على الإعلام!
وإذا كانت «دي إم سي» تمويلاً إماراتياً، فليس واضحاً من يمول القناتين الجديدتين، فلا يعقل أن تكون الإمارات أيضاً ولم تمكن تجربتها «دي إم سي» من الاكتمال، كشبكة وليست مجرد قناة، وأن تطلق قناتها الأهم في هذه الشبكة وهي القناة الإخبارية، وبدا رأس المال المدفوع كما لو كان مالاً خضع للمصادرة من الجانب المصري، وقد قالت العرب «مال الكنزي للنزهي»، كما قالت «طمعنجي بنى له بيت فلسنجي سكن له فيه»، وطمعنجي من الطمع وفلسنجي من الفلس، والله أعلم!
لقد تردد إنها السعودية، وهو ما جعلني أقول منذ البداية، إنها مناورة للفت انتباه الحليف الإماراتي، بأن الحبيب في القاهرة قد يحلق بعيداً، مما يجعله يغني موال «بدرية السيد»: طلعت فوق السطوح أنده على طيري.. لقيت طيري يشرب من قنا غيري!
يبدو لي أن مادة «المناورات السياسية» جرى تبسيطها إلى حد أنها يمكن أن تكون حلقة من حلقات مسلسل «بكار»، لذا نشاهد ممارسة بدائية لفن المناورة، فعندما بدا أن أوباما يضع حاجزاً بينه وبين قائد الانقلاب العسكري، ويجعل التعامل معه من مهام وزير دفاعه، ذهب شرقاً للقاء خالد الذكر بوتين، وسط حالة حنين سكبها الإخوة الناصريون، فقد ذكرهم «القائد الضرورة» بعظم التربة!
العلاقات المصرية السعودية:
لا تبدو العلاقات مع السعودية على ما يرام، فمنذ مرحلة ترامب، لم يعد لدى المملكة ما تدفعه وتسكبه في بئر ليس له من قرار، وقديما قيل: «خذ من التل يختل»، فضلا عن أن موفدها الدائم في القاهرة آل الشيخ، صفى أعماله في القاهرة وغادر غاضباً، وإذا كان قد غيب مطلقته عن المشهد، فقد ردت الشركة المتحدة ذاتها عليه بإقامة حفلتين لها، على قواعد كيد الضرائر، ثم إنه من الخارج ظل يهين كثيرا من المؤسسات المصرية التي قام بتمويلها وقدم الهدايا لها، ويطالب باستردادها في تصرف غير مسبوق في تاريخ التمويل، للأفراد والمؤسسات وللمسؤولين والدول!
ويحضرني في هذا الصدد أن النظام العراقي كان قد عُرف بتمويل كتاب، وسياسيين، وصحف، بل وأحزاب، وإذ فوجئ بالتحول الكبير بعد غزو الكويت، فلم يعد يوصف بأقلام كبار الكتاب بأنه «حامي البوابة الشرقية»، فهؤلاء أنفسهم من وصفوه الآن بأنه «لص بغداد»، و«الحرامي بالصوت والصورة»!
والحال كذلك، فقد صرح أحد المسؤولين العراقيين بأنهم سيعلنون قائمة بمن قام النظام بتمويلهم وانقلبوا عليه، وانتظرنا على أحر من الجمر أياماً في انتظار هذه القائمة، لكن الرئيس صدام حسين بنفسه خذلنا عندما نفى أن يكون قد دفع شيئاً لأحد، ولا شك أنه بما فعل أثبت وعياً سياسياً لأنه إذا فضح الآن، فلن يجرؤ أحد على الثقة فيه مستقبلاً.
ما علينا، فمن الواضح أن هدف آل الشيخ هو النيل المباشر من قيمة مؤسسات وأشخاص في مصر في حديث الساعات، التي قدمها هدايا، وهو ضرب في مقتل، ولا يمكن بعد كل هذا، وفي ظل هذه الأجواء قبول أن يكون الممول للقناتين هي السعودية، فمن سيفعلها هذه المرة؟!
ثقافة المباهاة:
نعلم أن أهل الحكم في مصر تشغلهم «المنظرة»، وإذا كان لديهم أكبر مسجد في إفريقيا، تكلف قرابة المليار جنيه وقد بنوه في قلب الصحراء، وأوسع كنيسة في العالم، وأكبر سلسلة قصور رئاسية، وأطول ساري، وأطول كوبري، وأكبر سلسلة سجون، فلماذا لا تكون عندهم أهم قناة دولية، وأخرى محلية؟!
إنه إن فعلها فسيكون قد ارتقى مرتقاً صعباً، ذلك بأن الانفاق وحده ليس كافياً لنجاح الإعلام على ضرورته، ولو أنه أخذ الجزيرة مثلاً، بكل طواقهما، وباستوديوهاتها، ومبناها، وعمال البوفيه فيها، إلى القاهرة، فسيكون فشلا مضافاً إلى الفشل الإعلامي الحالي!
فالإعلام لا ينجح الا في أجواء الحرية، وهو يضن بها على المصريين، ويرى أنها مؤذن بخراب العمران وهلاك الدول، وزوال الأنظمة، وبدون الحرية ولو بهامش معقول، فالمقرر أن أي مال ينفق هو نزيف دماء تضيع هدراً!
والموضوع لا يحتاج إلى إعادة اختراع العجلة، فالإمارات كانت لها تجارب واعدة قبل الثورة، لكن عمرها كان قصيراً، واحدى القنوات الإماراتية قدمت برنامج حمدي قنديل الممنوع في مصر، ورغم أن القنوات الخاصة المصرية كانت تحت السيطرة، إلا أنها كانت سيطرة تسمح بهامش سمح باستضافة البرادعي، ثم جاءت ثورة يناير لتكون الحرية بلا سقف، فأثرت القنوات المصرية على مشاهدي الجزيرة، لولا أنها زاحمت بالجزيرة مباشر مصر، وعندما صارت هذه القنوات هي لصوت واحد، انصرفت الأنظار تلقاء مباشر مصر لتنوعها وعرضها الصوت الذي تم اسكاته!
ثم إن الإعلاميين الذين يعملون في الاقطاعيات الإعلامية الحالية، هم من مخلفات زمن مبارك، والذين ظلوا في مواقعهم بعد الثورة، التي فشلت في معركة الإعلام، ومع ذلك لم ينجحوا، وقد أعاد تدويرهم بلا فائدة، ويبشر بعودة توفيق عكاشة، والذي عاد في السابق بعد منع ولم يسمع بعودته أحد!
لقد قال لأبواقه الإعلامية إن عليهم أن يردوا على معارضيهم ويسخروا منهم، ومن هنا يمكن أن نعرف الهدف من إطلاق قناتين، لا قناة واحدة، وهو ما يؤكد قوة تأثير الإعلام المعارض، والأصوات المعارضة عبر الإعلام الجديد، فمن أين يأتي بإعلاميين جدد؟ من المريخ؟! وإذا كان سيستعين بذات الإعلاميين، فهل نجحوا في منابرهم؟!
إن الإعلام هو أزمة تؤرق الجنرال، فلم يفشل الإخوان وحدهم في معركة الإعلام، فالجميع فشل، لكن المعارضة انتبهت بعد الانقلاب لأهمية الإعلام، فنجحت نجاحات قليلة، ولكنها مؤثرة، نفس نجاح الثورة المضادة في فترة حكم الرئيس محمد مرسي، لكن السيسي الآن يعيش تجربة من الفشل يحاول الخروج منها، لكننا نحيطه علماً بأنه لا فائدة!
عندما عشت في الخليج، وكنت اسمع كثيراً كلمة «أبشر»، سألت سابقاً بالإقامة عن مدلول الكلمة فقال لها مدلولان. واحد معلن وهو التبشير، والثاني مستتر ويقابله في المصري «ابقى تعالى قابلني»!
ويا أيها الجنرال… أبشر!
صحافي من مصر