لن نتركه يفر بجلده. فبعد قرار النائب العام في مصر، بإخلاء سبيل كل المتهمين الأجانب بالمشاركة في المظاهرات التي تستهدف اسقاط الدولة المصرية، وبتحريض من الجماعة الإرهابية إياها، انتظرت العودة الميمونة لعمرو أديب، ليطلعنا على موقفه، وهو الذي جرى توظيفه أمنياً لتفجير هذا الموضوع، فأدى المهمة بإتقان، لامتلاكه القدرة على التمثيل، لكنه وجد في أزمة سد النهضة، وفشل المفاوضات، مادة للهروب، ثم جاء حدث كبير شغل الأذرع الإعلامية كلها، وهو إعلان تركيا الحرب في الشمال السوري، والقوم في القاهرة يرون أن الهجوم على أردوغان هو من حسن وطنية المرء، حتى وإن كانوا في هجومهم عليه يبدون كما لو كانوا يتحدثون عن السيسي.
وكان أبلغ مثال على ذلك، هو تامر أمين، الذي قال إن أردوغان يضرب ملف حقوق الإنسان عرض الحائط، فيعتقل الصحافيين ويغلق القنوات، فبدا كلامه اسقاطا على الجنرال، فهو صاحب الملف الأسود في مجال حقوق الإنسان، وقضية المتهمين الأجانب هي دليل على ذلك، ولا يسايره في هذه الانتهاكات أي حاكم آخر في المنطقة، بمن في ذلك أردوغان مع أنه واجه انقلابا عسكرياً. فالمتهمون الأجانب، تم بث اعترافات لهم على الشاشة وعبر برنامج عمرو أديب على قناة «أم بي سي مصر»، وتم حبسهم حبساً احتياطيا بقرار من نيابة أمن الدولة، قبل أن تخلي سبيلهم بعد تدخل سفاراتهم، وغادروا إلى بلادهم تصحبهم السلامة.
وكان عمرو أديب قد وجه لهم الاتهام بالجاسوسية، ولا نعرف إن كان هذا الاتهام قضائيا أطلقته جهات التحقيق، أم أنه اتهام إعلامي، أطلقه عمرو أديب؟! وفي الحالتين فإننا أمام انتهاك فاضح لحقوق الإنسان يُعرف العالم بالسجل الأسود للحاكم العسكري في القاهرة، فهل كان «تامر أمين» يعني أردوغان وهو يتحدث بالضرب بملف حقوق الإنسان عرض الحائط، أم يعني الجنرال عبد الفتاح سعيد حسين خليل السيسي المولود في 19 نوفمبر/ تشرين الثاني سنة 1954؟!
وعند الحديث عن الصحافيين الذين يعتقلهم أردوغان، ينبغي تذكير تامر المذكور بما فعلت يداه، عندما تحول إلى «كمين أمني»، ومرشد للمباحث، استغلته في استدراج أحد الصحافيين، وهو الزميل إبراهيم الدراوي، الذي كان في بيروت وقت اتصال «تامر» به، ليعرض عليه بإلحاح المشاركة في برنامجه، الذي يقدمه على القناة السعودية «أم بي سي مصر»، وهي القناة ذاتها التي يعمل بها عمرو أديب الآن، وكان البرنامج يقوم على أربعة ضيوف، ويُقدم يومياً. إثنان من الإسلاميين، ومثلهم من التيار المدني، الثابت فيهما عبد الحليم قنديل، وقد انسحب طارق الزمر وهاني صلاح الدين في وقت سابق، بسبب تطاول قنديل على الرئيس محمد مرسي، ليحل محلهما واحد من السلفيين والصحافي جمال نصار، والذي كان قد غادر بعد الانقلاب للدوحة ليحل ضيفاً على قناة «الجزيرة».
وجمال نصار كان منتمياً لجماعة الإخوان، وقد استقال منها قبل الثورة، وكان حريصاً كلما قدموه في «الجزيرة» على أنه ممثل جماعة الإخوان، أن يعلن أن علاقته التنظيمية انقطعت بالجماعة.
من أهل الخطوة
ولأنه لا يغني حذر عن قدر، فقد أدين بتهمة الانتماء لجماعة الإخوان المسلمين، وليس هذا فحسب، فقد اتهموه بقطع طريق قليوب، مع المرشد العام للجماعة وغيره من القيادات، وهي الحادثة التي وقعت في وقت كان فيه جمال يطل عبر شاشة «الجزيرة»، ومن استوديوهاتها في الدوحة، فأيقنت حينئذ أنه من أهل الخطوة، حيث يرتكب حادثاً في قليوب، بينما هو في الدوحة، فعاملته معاملة كبار المتصوفة، فمن المؤكد أنه ذاق، ومن ذاق عرف، ومن عرف وصل، ومن وصل اتصل. بدون أن يكون معه هاتف نقال!
وإذ كنت غير مطلع على ملف اضطهاد الصحافيين في تركيا، فإني أود من «تامر هذا»، أن يحيطنا علما بصحافي تركي جرى معه ما جرى مع الصحافي المصري جمال نصار، وأيضاً مع زميله إبراهيم الدراوي، الذي يعرفه تامر جيداً.
لقد خرج الدراوي من الأستوديو، وقبل أن يغادر مدينة الإنتاج الإعلامي وجد نفسه محاطا بقوة أمنية ألقت القبض عليه، ووجهوا له الاتهام في البداية بسرقة شقة، قبل أن يعدلوا الاتهام إلى التخابر مع منظمة أجنبية هي حركة حماس، وكان دليل الادانة يتمثل في مقابلات صحافية منشورة مع قادة الحركة، وعندما عرف القاصي والداني بهذا الكمين الأمني، صاح تامر أمين في البرية، نعم أنا مخبر من أجل مصر، تماما كما اعترف السيسي، في الرد على ما أثاره الفنان والمقاول محمد علي من بنائه سلسلة من القصور الرئاسية: لقد بنيت وسأبني. يبدو أنه سلوك المرحلة!
وفي أي بلد حر، فإن ما فعله المذيع في القناة السعودية، كفيل بأن يُنهي وجوده إعلامياً، بهذا الاعتراف الجريمة، والذي فاته أن مصر لا تحتاج إلى مزيد من المخبرين، ولكنها في حاجة ماسة إلى إعلاميين جادين يمارسون عملهم وفق المعايير المهنية وقيم المهنة المتعارف عليها، وليس في أن يقوم بعمل، لا يحتاج إلى مذيع!
ومن المناسب تذكير الكمين الأمني، أن «الدراوي» وبعد ست سنوات قضاها في السجن، حصل على البراءة بعد إعادة محاكمته بحكم من محكمة النقض، وقد أخلي سبيله في الأسبوع الماضي، فهل حصل مع صحافي في تركيا ما حصل مع الصحافي المصري ابراهيم الدراوي الذي أتهم بالجاسوسية، تماما كما تم اتهام عدد من الأجانب بأنهم جواسيس يعملون لصالح الجماعة الإرهابية من أجل إسقاط الدولة المصرية، والذين هم أفضل حالاً من الدراوي، فقد سجنوا لأيام قبل أن يغادروا لبلادهم في حين أن صاحبنا سجن ست سنوات وشهرين!
لا أعرف في أي قناة يعمل تامر أمين، وهل ما زال في القناة السعودية زميلا لعمرو أديب، أم أنه غادرها، وهل ما زال مذيعاً، أم أنه يقوم بدور الضيف مثل يوسف الحسيني، الذي أعادوه للشاشة بعد عزله من باب الضيوف. فالمنشور على لسان المذكور نشرته جريدة «الشروق»، ولولا الـ«سوشيال ميديا»، لما علمنا أن كثيرين لا يزالون يعملون بالمهنة، فقد انصرف المشاهد عن القنوات المصرية، فلم يعد هناك من يشاهدهم!
لقد قال تامر، إن أردوغان يعتقل الصحافيين ويغلق الفضائيات، ولو حذف من العنوان الاسم لاعتقدنا أنه يقصد السيسي، الذي أغلق كثيرا من القنوات التلفزيونية منذ اليوم الأول لاستيلائه على السلطة، وقد توقف الآن لأنه لم تعد هناك قنوات أخرى قابلة للاغلاق، فقد استحوذ على عموم القنوات، ولم تبق سوى «صدى البلد» في يد رجل الأعمال محمد أبو العينين، الوكيل الحصري للمنتج المسمى أحمد موسى!
الهروب من الفضيحة
ومهما يكن، فقد جاء قرار أردوغان ببدء العمليات العسكرية، رمية للأبواق الإعلامية في القاهرة للهروب من فضيحة المتهمين الأجانب، لا سيما عمرو أديب الذي أوكلت له هذه المهمة بالإسناد المباشر، فاذا به يصول ويجول، في نشر اعترافات تمت تحت التعذيب، لمجموعة من الأجانب، وفي شبكة تضم سودانيا، واثنين من الفلسطينيين، وهولندي، وتركي، وأخرين! كما لو كانت الدول الأعضاء في الأمم المتحدة وحلف الناتو قررت إسقاط الدولة المصرية، فأرسلت ممثلين من دول عدة ليتوزع دمها بين القبائل!
لقد أجرت أكثر من قناة تلفزيونية مقابلات مع الشاب وليد، والذي أثار تعاطفاً واسعاً بين المشاهدين، الذين شاهدوا الجريمة التي تمت عبر قناة «أم بي سي» السعودية، ومثلت سقطة وجريمة مهنية لكل من شاركوا فيها ولو بشطر كلمة. وقد نُشر أن هناك اتفاقاً بين السلطة السودانية والجناة في القاهرة، على ألا يذكر وليد ما حدث معه من تعذيب وإجبار على الاعتراف!
وظل وليد ملتزما بذلك في مقابلته مع «الجزيرة» مباشر، بينما أحمد طه يحشد كل قدراته على الحوار، فقد كان جاهزاً بأسئلته على هذه الأجوبة المقتضبة من جانب وليد، والذي بدا أنه يفكر ليعرف مكان حروفه، فالفتى قال إنه ذهب للقاهرة لتعلم اللغة الألمانية، لكي يلتحق بإحدى الجامعات الألمانية ليكمل تعليمه فيها، ولم يكن يعلم أن مصر صارت منطقة خطرة ومن مناطق العمليات العسكرية، يُمنع الاقتراب والتصوير، فتم اعتقاله دون أن يشارك في مظاهرة أو يعمل على إسقاط الدولة المصرية!
سأله أحمد طه، كيف وهو السوداني يتحدث باللهجة المصرية في الاعترافات المذاعة عبر القناة السعودية؟ وأجاب وليد: إنهم من كتبوا له هذه الاعترافات. لنقف على الخيبة الثقيلة لمن أشرفوا على عملية التلفيق، فلم ينتبهوا لموضوع اللهجة عند كتابة الاعتراف، وهو أداء مرتبط بالفهلوة المصرية المعروفة، ونتيجة الاختيارات الخاطئة لغير المحترفين للقيام بمهام أمنية، فدولة يتم فيها استخدام تامر أمين مخبراً ومرشدا أمنيا من الطبيعي أن تنهار قدراتها على التلفيق على هذا النحو المريع!
لأن عمرو أديب ميسر لا مخير، فلم تعز عليه كرامته المهنية، ويغضب ممن قاموا باستغلاله لتمرير هذه السقطة، بل الجريمة المهنية، ولكنه رد سريعاً بأن القضية ما تزال مستمرة، فأضحك بدفاعه الثكالى (فمصر الدولة الوحيدة في العالم التي تفرج عن الجواسيس لتدخل سفاراتهم) قبل أن يهرب إلى أزمة سد النهضة، والهجوم على أردوغان!
إنه هروب مؤقت، لكنها جريمة مستمرة، بمعنى أنها قابلة للاستدعاء لكشف حقيقة النظام العسكري الذي يحكم مصر.
فلن نترك النظام الانقلابي يفر بجلده.
صحافي من مصر