لماذا يفشل كل مشروع للسلام في الشرق الأوسط تُشرف عليه الولايات المتحدة، خصوصا عندما يصل خواتيمه، حتى عندما يقود دفة أمريكا رئيس ووزير خارجية لديهما الاستعداد للمضي في هذا المشروع حتى نهايته وإنجاحه؟
هذا ما يطرحه نائب وزير الخارجية الأمريكي السابق ويليام. ج. بيرنز في كتابه “القناة الخلفية” الذي صدر هذا العام وشمل اختباراته ومفاوضاته العلنية والسرية في هذا المنصب وفي مناصب دبلوماسية أخرى تحت قيادة رؤساء ووزراء خارجية مختلفين منذ ثمانينيات القرن الماضي وحتى المراحل الأخيرة من ولاية الرئيس باراك أوباما وتوقيع الاتفاقية النووية (P5+1) مع إيران.

يؤكد بيرنز انه شاهد الدبلوماسية الفعالة خلال خبرته في هذا المنصب لدى إشراف وزير الخارجية الأمريكي السابق جيمس بيكر خلال قيادة الرئيس جورج بوش الاب للبلد وخصوصا خلال مؤتمر مدريد للسلام عام 1991 الذي أطلق عملية التفاوض العربي ـ الإسرائيلي حول استعادة الأراضي الفلسطينية والعربية التي احتلتها إسرائيل في حرب 1967.
ويعتبر بيرنز انه لو لم يخسر بوش الأب الانتخابات الرئاسية عام 1992 أمام بيل كلينتون لربما نجح بيكر في تحقيق سلام عادل لفلسطين وسوريا والدول العربية عموماً، ولكن ما حصل لبوش الأب حصل لغيره من الرؤساء الأمريكيين في نهاية ولاياتهم، وما يحصل حالياً، بعد انتهاء ولاية الرئيس باراك أوباما الثانية وتراجع الرئيس دونالد ترامب عن الاتفاقية النووية (P5+1) مع إيران.
ويقول في التمهيد لكتابه إن أمريكا في عهد بوش الأب وجيمس بيكر كانت في قمة نفوذها، وأن الدبلوماسية التي هي مفتاح حلول الأزمات كانت في أوجها. أما الآن، فقدرة الدبلوماسية الأمريكية على تحقيق الحلول تراجعت بنسبة كبيرة كما تراجع نفوذ الولايات المتحدة في الشرق الأوسط والعالم، وتصاعد نفوذ روسيا والصين إلى درجة لم يكن بالإمكان تصورها لدى انعقاد مؤتمر مدريد في خريف عام 1991. ويُعزي المؤلف ذلك إلى سياسة توتير الأجواء واستقطاب العداوات المعتمدة حاليا بالإضافة إلى محاولات تذويب التحالفات العالمية والأوروبية وإلغاء الاتفاقات الدولية الموقعة سابقا.
وفي أكثر من مكان في الكتاب، يشير بيرنز إلى ان المعرقل الأساسي لمؤتمر مدريد وغيره من مفاوضات القضية الفلسطينية أو في قضية التعامل المفاعل مع سوريا وإيران (وخصوصا في الاتفاق النووي) كانت إسرائيل تحت قيادة الأحزاب المتطرفة (اسحق شامير وبنيامين نتنياهو وأمثالهما) التي لا ترغب بالفعل في التخلي عن الأراضي الفلسطينية المحتلة في حرب عام 1967 حسب قرارات الأمم المتحدة، ولا بنشوء دولة فلسطينية. كما تخشى أي تقارب وتعاون بين قيادة الولايات المتحدة من جهة، وإيران من جهة أخرى.
الشعب الأمريكي، في رأيه، شبع من حروب أمريكا الخارجية غير المبررة والمكلفة، ولكن بعض القيادات لا تأبه لذلك ما أحدث شرخاً بين رغبات الأمريكيين، ورغبة القادة الداعين إلى الحروب. ويعتبر الكاتب ان أمريكا حالياً تحتاج إلى دبلوماسية فاعلة بدلاً من الخطابات الشعبوية الرنانة لكي تستعيد دورها الرئيسي، وأن هذا ما حاول فعله الرئيس السابق باراك أوباما في إشرافه على المفاوضات النووية مع إيران عبر القنوات المباشرة والخلفية وعن طريق التعاون مع أوروبا الموحدة (بدلاً من تقسيمها) ومع روسيا والصين.
الفصل التاسع هو الأهم بالنسبة لدور المؤلف في المفاوضات بين أمريكا وإيران التي بدأت سرية عام 2012 في سلطنة عُمان واستمرت حتى عام 2015 عندما وقّعت اتفاقية (P5+1) في جنيف سويسرا قبل ان يتراجع عنها ترامب بعد انتخابه رئيساً، علماً ان محادثات بين الاتحاد الأوروبي وإيران كانت قد بدأت علناً في جنيف منذ عام 2008 وطرح الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن إمكان مشاركة أمريكا فيها ولكن زعيم المحافظين الجدد نائب رئيسه ديك تشيني رفض هذا الأمر معتبراً انه يشكل مكافأة لإيران، كما يفعل المحافظون الجدد في إدارة ترامب (ص 343).
غير أن بوش الابن وفي نهاية ولايته الثانية قرر إرسال بيرنز للمشاركة في المباحثات العلنية الأوروبية مع إيران (عام 2008) في جنيف كمراقب في المفاوضات التي كان يقودها المسؤول السابق للشؤون الخارجية في الاتحاد الأوروبي خافيير سولانا. غير ان بيرنز تكلم وقال جملة وجيزة ربما مهدت للقاءات السرية في سلطنة عُمان لاحقا. وهذه الجملة التي وجهها للمندوب الإيراني كانت “أتمنى ان تقدر إيران الرسالة الموجهة إليها عبر وجودي هنا كممثل لأمريكا”.
وفي نهاية ولاية بوش الابن لعب وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف دوراً في إبلاغ مستشار المرشد الإيراني خامنئي (علي أكبر ولايتي) اهتمام أمريكا بفتح قناة مع إيران (ص 345) ما مهد للقاءات والمفاوضات التي جرت لاحقاً تحت قيادة الرئيس باراك أوباما. هكذا كان الرؤساء الأمريكيون يمهدون الأمور لكي تنجح الدبلوماسية رغم اختلاف توجهاتهم السياسية بدلاً من تعطيل أي تقدم دبلوماسي مفيد لمصلحة بلدهم، حسب الكاتب.
أما المبدأ الذي ارتكز عليه أوباما في إطلاق مفاوضاته مع إيران فكان ان تجري هذه المفاوضات ليس لقلب النظام الإيراني بل لتبديل سياسته النووية التي قد تؤدي لصناعة قنبلة نووية. أما الإيرانيون فأكدوا ان تخصيب اليورانيوم لديهم لا يهدف إلى صناعة أسلحة نووية بل لأهداف تنموية في مجال تطوير الطاقة وتعزيز التكنولوجيا في العمليات الصناعية.
ويقول بيرنز انه نبه أوباما إلى أن حلفاء أمريكا العرب الخليجيين سيشعرون بالقلق إذا جرت مفاوضات أمريكية ـ إيرانية نووية من دون معرفتهم أو مشاركتهم فيها. كما نصحه بالتشاور المستمر مع الكونغرس الأمريكي حتى لا تنطلق معارضة هناك تدفن العملية في المهد. ولكن، لحسن الحظ، كان منصب رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ يحتله الديمقراطي جون كيري الذي كان منفتحا نسبياً في الموضوع وأصبح لاحقاً (في ولاية أوباما الرئاسية الثانية) وزيراً للخارجية في مكان هيلاري كلينتون.
وبدأ أوباما رئاسته عام 2009 بإرسال رسالة فيديو لتهنئة القيادة الإيرانية بعيد “النوروز”. كما وجّه رسالة سرية إلى المرشد علي خامنئي مبلغا إياه استعداد الولايات المتحدة للتفاوض. وحصل على رد إيجابي على الرسالة.
وتوقفت هذه المبادرات الإيجابية بعد الانتخابات الرئاسية الإيرانية لعام 2009 التي أدت إلى قمع النظام الدموي لتظاهرات شعبية لحركة معارضة لانتخاب محمود أحمدي نجاد رئيسا على حساب مرشح “حركة الخضر” المعارضة واتهم النظام بالقمع والتزوير. وحدث العكس تماماً لدى انتخاب الرئيس حسن روحاني بأغلبية ساحقة في حزيران (يونيو) 2013 وعادت المفاوضات الإيرانية الأمريكية إلى الانطلاق بزخم لكون روحاني من الضالعين بالمفاوضات النووية والسياسية ولتوجهه السياسي والاقتصادي المعتدل نسبيا. (ص 368).
ولعل بيرنز من المسؤولين الأمريكيين السابقين الواضحين والصريحين في مواقفهم إزاء إسرائيل وتطرفها، حيث يقول في الصفحة (355) إن إسرائيل “كانت الدولة الأكثر قلقاً إزاء مبادرات الرئيس أوباما نحو إيران وخصوصا بنيامين نتنياهو الذي كان يردد بأن العقوبات الاقتصادية والتعامل الدبلوماسي الأمريكي مع إيران غير كافٍ لضبط ولإيقاف طموحات إيران بالنسبة إلى التسلح النووي، والمطلوب عمل عسكري أمريكي ضد مواقع التخصيب الإيرانية”. ويضيف في الصفحة نفسها أن أوباما لم يكن مقتنعاً باستخدام العمل العسكري ضد إيران وانتقد مواقف نتنياهو الفظة ومحاولات رئيس الحكومة الإسرائيلية التأثير سلباً على حظوظ أوباما في الفوز بولاية رئاسية ثانية عام 2012. ورأى أوباما آنذاك ان العمل العسكري سيعيد الأمور أكثر من ثلاث سنوات إلى الوراء في العلاقة مع إيران (ص 355).
ولعل هذا ما حدث مع وزير الخارجية الأمريكي السابق جيمس بيكر أثناء تحضيره لمؤتمر مدريد للسلام عام 1991 إذ يشكل قسما من الرد على السؤال المطروح في مطلع هذه المراجعة.
يقول بيرنز في الفصل الثاني (ص 66) ان جيمس بيكر واجه صعوبة كبيرة في إقناع رئيس الوزراء الإسرائيلي عام 1991 (اسحق شامير) بحضور مؤتمر مدريد للسلام، فقد كان شامير قومياً متعصبا وليس مستعداً للتخلي عن استمرار فرض قبضة احتلال إسرائيل للضفة الغربية وغزة، وكان بيكر قد انتقد في مؤتمر لمنظمة “ايباك” الصهيونية في واشنطن “حلم إسرائيل غير الواقعي بإنشاء إسرائيل الكبرى”. وفي لقاء مع شامير ومستشاره آنذاك نائب وزير الخارجية بنيامين نتنياهو في واشنطن عام 1989 اتهم نتنياهو إدارة بوش الاب وبيكر بالكذب وتزوير الحقائق. وقد غضب جيمس بيكر إلى درجة قرر بعدها منع نتنياهو من زيارة وزارة الخارجية الأمريكية لمدة 18 شهرا (ص 66).
ولعل قصة “القناة الخلفية” في عُمان التي ساهم فيها السلطان العُماني ورئيس مخابراته وديوانه الملكي آنذاك سالم اسماعيلي (حسب بيرنز) تتكرر حاليا عبر الوساطة العُمانية مع إيران نظراً لأن السلطان قابوس يتمتع بعلاقة وثيقة بالمرشد الأعلى علي خامنئي ومستشاره الأساسي للشؤون الخارجية علي أكبر ولايتي والرئيس روحاني ووزير الخارجية محمد جواد ظريف.
والسلطان قابوس على علاقة جيدة بمعظم جيرانه، وهو استقبل في الأشهر الماضية بنيامين نتنياهو في عُمان. ولذلك تُطرح الأسئلة حول موقف نتنياهو من الوضع المتأزم بين إيران والولايات المتحدة في المرحلة الحالية.
كتاب بيرنز قيّم جداً، ومن المفيد أن يقرأه كل الذين يرغبون في فهم ما جرى ويجري في الشرق الأوسط. ففيه فصل كامل (الفصل الثامن) عن ثورات “الربيع العربي” في مصر وليبيا وسوريا، وفصول أخرى هامة عن روسيا والأردن حيث خدم بيرنز كسفير قبل انتقاله إلى وزارة الخارجية، وعن الإرهاب عموماً. ويبقى بيرنز من المسؤولين الكبار القادرين على الدفاع عن سياسات بلده وانتقادها في الوقت عينه بدبلوماسية وفاعلية.
William J. Burns: “The Back Channel”
Random House, New York 2019
501 pages.