إلى أي مدى ينخرط أي شخص في حقل التجسس ضد مجموعة اجتماعية ينتمي إليها بسبب المال، أو لأسباب عقائدية أخرى؟
هذا سؤال يُطرح في أي مكان من العالم نُفذت فيه عمليات تجسسية بعضها ربما بدّل مجرى التاريخ، بما في ذلك الشرق الأوسط وأوروبا وآسيا ودول ومناطق أخرى في الماضي والحاضر.
كتاب «جاسوس ثاتشر» لمؤلفه ويلي كارلن، يندرج في هذا السياق، وقد يجيب على كثير من الأسئلة حول الدوافع والعوامل النفسية والأخلاقية التي يمر بها الجواسيس بالإضافة إلى طمعهم للمال والثروة.
ويلي كارلن، ينتمي إلى عائلة كاثوليكية تسكن مدينة ديري، ثاني مدن مقاطعة إيرلندا الشمالية بعد بلفاست من حيث الأهمية وعدد السكان، عاد إلى مسقط رأسه عام 1974 بعد خدمته العسكرية في إحدى الثكنات التابعة لجيش المملكة المتحدة في أوروبا. ثم قرر الانضمام إلى حركة اجتماعية ـ سياسية تسعى إلى تحسين أوضاع الجالية الكاثوليكية في إيرلندا الشمالية ومركزها مدينة ديري.
غير ان هذه الحركة ما كانت سوى واجهة لحزب «شن فين» المرتبط بـ«الجيش الجمهوري الإيرلندي» (IRA) الذي كان ينفّد عمليات ميدانية عسكرية ضد الوجود البريطاني السياسي والعسكري في إيرلندا الشمالية (تفجيرات واغتيالات) ويدّعي أنه يسعى إلى وحدة شطري إيرلندا الشمالي والجنوبي في دولة واحدة. غير ان هذا الانتماء لم يكن سوى غطاء لممارسته عملاً تجسسياً للحكومة والاستخبارات البريطانية ولنقل خطط وبرامج عمليات قادة كبار في «شن فين» و«الجيش الجمهوري الإيرلندي» إلى القيادة البريطانية.
وقام كارلن بهذا العمل بين عامي 1974 و1985 (أي 11 عاماً) قبل ان ينكشف أمره.
يقول المؤلف انه لم يدرك أهمية العمل الذي كان يقوم به إلى ان أبلغه رجال الاستخبارات البريطانية يوم اكتشاف أمره ان رئيسة الوزراء البريطانية مارغريت ثاتشر كانت على إطّلاع مستمر على عمله، وأن طائرتها الخاصة ستنقله مع عائلته من بلفاست إلى قاعدة نورثهولت في إحدى ضواحي العاصمة لندن كي لا تصل إليه مجموعة «الجيش الجمهوري الإيرلندي» الموكل إليها تصفيته جسدياً عبر إعدامه.
لماذا كان كارلن بهذه الأهمية بالنسبة إلى الحكومة البريطانية بقيادة ثاتشر لكي تبذل هذا المجهود لانقاذه؟
يسردُ الكتاب ان السبب الرئيسي في ذلك عاد إلى علاقة كارلن الوثيقة وصداقته مع قائد حركة «شن فين» مارتن ماكغينيز الذي أبلغه بعض المواقف التي أدت إلى تعديل عمليات أمنية وسياسية بريطانية ضد قادة المجموعات الإيرلندية المسلحة في بريطانيا خصوصاً بعدما نقلها كارلن إلى المشرفين الاستخباراتيين البريطانيين على عمله التجسسي.
ومن هذه الأمور ان ماكغينيز وحليفه الرئيسي جيري آدامز، القائد البارز سياسياً وعسكرياً في هذه المجموعات، كانا يمثلان التوجه المعتدل نسبياً في «الجيش الجمهوري الإيرلندي» والذي بامكان حكومة بريطانيا التفاوض معه، وهذا الأمر تم تنفيذه لاحقاً في «اتفاق الجمعة العظيمة» الذي أدى إلى هدنة بين الجانبين استمرت في العقود الثلاثة الأخيرة ونتج عنها تحول حزب «شين فين» إلى حزب سياسي فاز مؤخراً بأعلى نسبة من الأصوات في انتخابات إيرلندا الشمالية.
كما سرّب ويلي كارلن معلومة أخرى شديدة الأهمية أبلغها إليه ماكغينيز في إحدى جلساتهما الخاصة وهي ان «الجيش الجمهوري الإيرلندي» (الجناح العسكري الرئيسي فيه) قرر أن يمتنع عن تنفيذ عمليات تفجيرية في اسكتلندا لأن قيادته تعتبر ان الشعب الاسكتلندي والإيرلندي ينتميان إلى جذور حضارية واحدة مرتبطة بإثنية «السلتز» (CELTS) وليست بينهما نفس الخصومة كتلك الموجودة بين الإيرلنديين والبريطانيين الذين تعتبرهم القيادة مستعمرين لإيرلندا الشمالية.
وهذه المعلومة أدت إلى تغيير السياسة الأمنية البريطانية في مواجهة «الجيش الجمهوري الإيرلندي» في اسكتلندا وتخفيف تشددها وصرامتها ومراقبتها له في تلك المقاطعة.
في كل مراحل الكتاب يحاول كارلن معرفة هوية الشخص الذي فضح دوره كجاسوس والشخص الآخر الذي أنقذه من الاغتيال.
ويتبين له حسب الفصول الأخيرة ان الشخص الذي فضحه كان أحد المشرفين البريطانيين على التعامل معه وعلى تسلّم التقارير منه والذي كُشِف لاحقاً بانه جاسوس سوفييتي وتم سجنه. وهناك (في سجنه) أدلى بمعلوماته حول كارلن إلى سجين آخر مررها إلى قيادة «الجيش الجمهوري الإيرلندي». أما الشخص الذي أنقذه من التصفية الجسدية والإعدام فكان أحد عملاء الاستخبارات البريطانية في بلفاست المنخرط في مجموعة تصفية العملاء التابعة لـ«الجيش الجمهوري الإيرلندي» والذي كان يرتكب بنفسه جرائم أو يُغطي عليها لكي لا تنكشف هويته المزدوجة. إلا انه أدرك أهمية دور كارلن وجازف بإبلاغه مُحركيه البريطانيين بان سر كارلن قد انكشف وأن مجموعة عسكرية إيرلندية تابعة للجيش الجمهوري ستلاحقه وتقتله.
ولعل أهم الفصول في مجال الإجابة على سؤال دوافع الجواسيس عموماً هي الأخيرة ابتداء من الثامن وعنوانه: «غطائي انكشف» وحتى الخاتمة.
يقول في بداية الفصل الثامن: «أبلغني المشرفون البريطانيون الأمنيون على عملي بان عليّ أن أغادر إيرلندا الشمالية خلال 24 ساعة بعد انكشاف أمري، وانه عليّ أيضا أن أفعل ما يقولونه لي بحذافيره».
ولدى سؤال كارلن عن اسم الشخص الذي فضحه، أبلغوه بانه الضابط السابق في الاستخبارات البريطانية مايكل بيتاني، الذي أبلغ هذه المعلومات عن كارلن إلى سجين إيرلندي كان معتقلا معه في سجن في انكلترا. والسجين أبلغ «الجيش الجمهوري الإيرلندي» بهذه الوقائع، وبالتالي تم تحضير وحدة لاغتياله.
وعندما سأل كارلن عن هوية أعضاء هذه المجموعة وإذا كانت الاستخبارات البريطانية تعرفهم، أبلغه المسؤول البريطاني ان أحد قادتها هو «عميل لجهتنا كُلف بعمليات تصفية أخرى ونفذها» (ص 181). وعندها طرح على كارلن اختيار اصطحاب زوجته وعائلته معه إلى المهجر (انكلترا أو كندا أو غيرهما) أو إبقاءهم في إيرلندا مع عائلة زوجته ماري، اختار اصطحابهم.
ولدى شعور كارلن بالاضطراب وصعوبة اتخاذ القرار أبلغه مُحركُه بان «ثاتشر على اطلاع كامل على كل ما يتعرض له وهي قلقة على مصيره وتفضل ان يستمع إلى إرشادات مُحركيه وعدم الفرار بمفرده، وانها (أي ثاتشر) ستستمر بمتابعة مصيره ولن تتخلى عنه، بسبب أهمية المعلومات التي وفرها للسلطة البريطانية. واتصلت ثاتشر بمديرة الاستخبارات البريطانية آنذاك ستيلا ريمنغتون، وأكدت لها اهتمامها الشخصي بالقضية. ويشير كارلن إلى غرابة الأمور في عالم الاستخبارات إذ ان الشخص الذي كان مكلفاً قتله هو الذي أنقذه من الاغتيال!
أولى المناطق التي نُقل إليها كارلن وعائلته كانت برايتون في جنوب بريطانيا، حيث مكثوا لفترة إلى ان فضحت زوجته ماري موقعهم عن غير قصد عندما أبلغت والدتها المقيمة في ديري هاتفياً بأن: «كل شيء على ما يرام وخصوصاً التبضع بالحاجيات في برايتون». وبالتالي نقلت الاستخبارات البريطانية العائلة إلى منطقة كنت خشية من ان «الجيش الجمهوري الإيرلندي» يكون قد استمع إلى المكالمة.
وفي رحلة سرية قام بها ويلي كارلن وزوجته إلى دائرة الجوازات في وزارة الداخلية البريطانية في لندن فوجئا بدخول ثاتشر إلى غرفة الانتظار التي كانا فيها حيث أجرت حديثاً ودياً معهما وأبلغتهما «انهما في رعايتها لأنها فخورة بما قام به ويلي لخدمة بلده المملكة المتحدة». واعتذرت ثاتشر عن بعض الممارسات التي قامت بها أجهزة الاستخبارات البريطانية تجاهه أثناء إقامته في بريطانيا (التجسس عليه للتأكد من عدم امتلاكه أي ولاء مزدوج). وأكدت بأن حياتهما ستكون طبيعية (ص 203).
وبعد منطقة كنت نقل الزوجان والعائلة إلى مقاطعة ويلز على مقربة من مدينة كارديف وتم تغيير اسمهما وأصبحا عائلة غالاهار بدلاً من كارلن. واعطيا المنزل الذي أقاما فيه كهبة من الحكومة البريطانية على خدمات ويلي، بالإضافة إلى تخصيص مبلغ مالي يكفيه للعيش وتحمل تكاليف العائلة. وقد أتاح هذا الأمر لويلي شراء مطعم في كارديف والإشراف عليه (ص 206 ـ 207).
وفي عام 1991 انهار زواج ويلي وماري وانفصلا وانتقلت ماري إلى اسكتلندا، وعاد حنين ويلي إلى العمل السياسي ولكن هذه المرة عَبْر لقاءات مع سياسيين وإعلاميين لتوضيح الأمور بالنسبة إلى تحقيقات كانت تجري إزاء عمليات تفجيرية في السبعينيات والثمانينيات نُفذّت في إيرلندا الشمالية وبريطانيا، كما بالنسبة إلى عمليات نقل متفجرات لمصلحة «الجيش الجمهوري الإيرلندي» من جانب ليبيا وصلت إلى إيرلندا الجنوبية حيث جُمدّت.
وطَرحَت بعض الجهات أسئلة حول ازدواجية ولاء مارتن ماكغينيز للقضية الإيرلندية وبانه كان عميلاً مزدوجاً هدفه تحقيق سلام متسرع مع بريطانيا. وغضب ويلي كارلن من الاتهامات وانبرى للدفاع عن ماكغينيز مؤكداً ان السلطات البريطانية تفاوضت مع مارتن لانه كان شخصاً بالامكان التعامل السياسي معه، هو وحليفه جيري آدامز، وانهما مثّلا جناحاً معتدلاً في الحركة الإيرلندية (شن فين والجيش الإيرلندي) وانه هو شخصياً تعاون معهما، ليس فقط لتنفيذ مهمة جاسوسية وللحصول على المال بل لانه شعر بانهما أفضل من غيرهما بالنسبة إلى مستقبل إيرلندا الشمالية وإيرلندا عموماً والمجموعة الاجتماعية الكاثوليكية التي ينتمي إليها (ص 213 و214). ويؤكد كارلن ان خصمهما في «الجيش الجمهوري الإيرلندي» آيفور بيل كان سيقود إيرلندا الشمالية والجنوبية وانكلترا إلى المزيد من التفجيرات والمذابح لو رجحت كفته عليهما في القيادة.
وفي هذا المجال يذكر كارلن ان اكتشاف عملية الأسلحة الواردة إلى إيرلندا الجنوبية من ليبيا تندرج في هذا السياق، لأن حصول آيفور بيل وأمثاله عليها (بدلا من تجميدها، كما حدث بالفعل) لم يعتبره كارلن أمراً في مصلحة الشعب الإيرلندي بل عكس ذلك. وبالتالي فان ماكغينيز (توفي في السنوات الأخيرة بسبب إصابته بالسرطان) وآدامز كانا يقودان إيرلندا (برأي كارلن) نحو سياسات واقعية باتجاه السلام.
ولو تم القبض على كارلن والتحقيق معه تحت التعذيب، فإن آيفور بيل كان «سيستخدم اعترافاتي للطعن بالحركة القومية الإيرلندية وبخلق المزيد من الخلافات بين شن فين والجهات المتطرفة في الجيش الجمهوري الإيرلندي». وقد طُردَ بيل من الجيش في عام 1984 عوضاً عن ذلك.
وفي المرحلة الحالية فإن حياة ويلي كارلن ليست في أفضل أوضاعها وأحوالها. فهو خسر زواجه وفقد اثنين من أولاده اللذين توفيا بسبب حوادث ليس لها علاقة بالسياسة، وما زال يتحفظ في العودة إلى مسقط رأسه ديري. ولكنه يعتبر بان ضميره مرتاح لما فعله لخير شعبه وبلده وليس للحصول على المال فحسب.
Willi Carlin:
«The Tatcher`s Spy»
Merrion Press, Newbridge 2021
240b pages.