يجعل طريق القارئ إلى الكتاب معبَّداً أكثر: غلاف الكتاب وحمولته

إبراهيم محمود
حجم الخط
0

الكتاب، بقدْر ما يختلف أجناساً وأنواع أجناس، بقدر ما يكون ثراءُ فولكلورياته الظَّهْريَّة!
ولعل الذي يمكن قوله فيه هو انطواؤه على ما هو فولكلوري جهة التنوع الهائل في غلافه، وأن ظهره يفصح عن كثير من التقاطعات والإشارات ذات الصلة بالكتاب نوعاً وجنساً وتوصيفاً:
أي كتاب يكون، لمن يكون، عمّا تتمحور فكرته، كيف تتحدد صلة ما بينه وبين وجهه الآخر؟
يعني ذلك أن كلمة الغلاف تكون، من حيث البنية، على تماس مباشر بمحتوى الكتاب، وقد لا يكون هناك من علاقة فعلية، عندما يجري إسهاب في مدح الكتاب على وجه العموم.
ولعلها فضيلة الكتاب التي تقوم بمثل هذه المهمة بإيجاز، ليجري اقتناؤه سريعاً والإقبال عليه قراءة، وتلك نقطة في غاية الأهمية، أي ما يجعل الكتاب رحالة الزمن، وفي الوقت الذي تكون كلمة الغلاف مدركة لحيوية الأسلوب، وكذلك للمناخ النفسي القارىء وكيفية اجتذابه، إذ قد يكون المحتوى دون كلمة الغلاف، وهي خدعة، أو سمة باتت معتادة لدى المعنيين بنشر الكتب، لا سيما إذا كانت الجهة التي تولَّت نشْر الكتاب أهلية.
لنتوقف عند بعض الأمثلة ذات الدلالة والتنوع:
على الغلاف الخارجي لملحمة «جلجامش» السومرية، والتي ترتد إلى أكثر من خمسة آلاف عام من الآن، وهي مترجَمة من قبل طه باقر، والذي وضع تعريفاً تحت العنوان الرئيس «أوديسة العراق الخالدة»، أُشير في الصفحة الداخلية إلى وجود نماذج من التماثيل السومرية التي تمثّل الإلهة عشتار، حيث يسهل النظر فيها، وتبين المغزى فيها. وهي تملأ أكثر الغلاف الخارجي، إذ الربط سهل بين خلود الملحمة، وما تعنيه الإلهة عشتار السومرية هذه، كونها تعني من بين ما تعني «عيش الأرض»، أو «نجمة السماء»، و»إلهة الخصب والموت»…الخ، كما لو أن هذه النماذج تلخّص محتوى الملحمة الذائعة الصيط، وأن العراق عرِف من خلالها بالمقابل أيضاً.
صور التماثيل التي تعيدنا إلى ماض موغل في القدَم، تحمل خاصية التحدي كذلك، إلى جانب أنها وهي منحوتة من الحجر، تبرز فعل المقاومة للفناء، كما هو شأن الحجر في التوصيف. وكأن المترجم المعروف يقول: إن بلداً له مثل هذه العراقة لا يمكن أن يزول! وهي في فكرتها تفصح عن أن الماضي محتفى به ليس من أجله بالذات، وإنما لثراء مضمونه الجلي، ولا بد أن باقر في سعيه إلى إبراز هذه النماذج، إنما جمع بين الكلمة والصورة، لتفعيل الأثر أكثر هنا.
وفي الطبعة العربية المصرية لـ»إلياذة» هوميروس ذات الصيت، سنة 2014، والتي ترجع إلى خمسة وعشرين قرناً، وهي من القطع الكبير والعريض، يجري التذكير بأهمية هذه الملحمة ومدى تأثيرها في الحياة الثقافية المصرية والعربية بحفاوة منقطعة النظير، كما هو مسطور على الغلاف الخارجي.
إنها الكلمة التي تجمع بين البعدين الدعائي/ الإعلامي والثقافي، ومن ثم التركيز على مكانتها على الصعيد الدلالي، وما يمكن التوقف عنده إزاءها، ما يكمّل السالف، جهة المحتوى وطريقة الانتقال بها إلى اللغة العربية. (حياتنا الثقافية تتعطش بالفعل للكلاسيكيات، ولكل المترجمات المتخصصة والدقيقة ذات الصياغة الأدبية المستساغة، يضاف إلى ذلك أن ترجمة «الإلياذة» كانت تمثل تحدياً ثقافياً مزمناً في التراث العربي).
دون أن يُنسى أن الجهة التي تولَّت إصدارها حكومية (المركز القومي للترجمة)، وهذا خطاب له اعتباره الوظيفي، وما يجب التنبه إليه، أي ما يعزّز من فاعلية ترجمة من هذا القبيل.
لا شك أن تعريفاً مركَّباً كهذا لـ»الإلياذة» بخاصيتها الملحمية وترجمتها إلى العربية، يعني في بنيته ما هو شديد التأثير في كل من النفس والعقل، أي لحظة النظر في المحيط الهائل اجتماعياً وكيفية الاهتمام بها، إضافة إلى تعزيز مكانة الترجمة التي ترتد إلى إبراز فرادة المترجَم.
ذلك من شأنه الأخذ بنا بعيداً عن أنفسنا صوب أنفسنا، إلى هذا الأثر النفيس المعرَّف به، كما لو أنه، وإن تحدَّث باليونانية، ولكنه قادر على التحدث إلينا بكل اللغات التي نعهدها، وإلا لما كان هناك داع لترجمتها، أي ما يثبت عالمية محتواها، بوصفها تراثاً ملحمياً (إنه تراث مثقفين شجعت اليونان إحدى بداياته عندما قرنت القصائد الهوميروسية ببداية الخروج من الأمية وببدايات أعمال التأويل.. ومن ثم: إن الملحمة هي بالبداهة إحدى مناطق الذاكرة اليونانية التي يمتد سلطانها منذ السلالات المتسلسلة إلى حماسة الخطابة، عبر الحكم ومدح الأحياء والخرافات ومآثر الأموات وحكايات الخوارق أو سيرا الآلهة..) .
ولعل الذي يحفّز على التوجه إلى اقتناء الكتاب المعتَّق هذا على خلفية كتابة كهذه، هو إمكان قراءة أكثر من إشارة تعمّق هذا الدافع وإن لم تُسمَّ، وفي الواجهة ما تطرق إليه أفلاطون في كتابه العمدة، كما يقال «الجمهورية»، وهو يسعى جاهداً على لسان سقراط إلى إقصاء الشعراء، ممن يلفقون الأكاذيب عن جمهوريته، وإخضاعهم لدولته المنشودة. وهذا لم يؤد إلى وجوب اتخاذ موقف صارم من الشعر والمصادقة على قول/ حكم أفلاطون، إنما الدخول معه على أرضية فلسفية ونقدية في حوار مستمر يظهر أنه لم يتوقف إلى الآن ولن يتوقف تالياً، وهذا بدوره يقرّبنا من المسطور على الغلاف الخارجي، أي بالنسبة إلى «كلمة الغلاف».
ومن اللافت أن قراءة الكلمة لا تتوقف عند حدود بضع مئات من الكلمات، أو بعض التقييمات، إنما تبرز في إطار مدى قدرة كاتب الكلمة على إظهار ما هو أكثر إثارة، أو دافعية لإيقاظ تلك الطاقة الكامنة لدى القارىء، والتوجه إلى أعماق الكتاب. وتلك سياسة خاصة، بكثافتها، ودقة المختار من الكلمات، وكيفية المراعاة بين الخاص فيها إلى جانب العام. وحسبي القول هنا أيضاً أن لكلمة الغلاف الدور الكبير على مستوى «الإقلاع» بالكتاب، وتحديداً حين يُطرَح للمرة الأولى، وفي وسط لا يُعرَف نوع توجهاته، ومدى حاجة هذا الوسط إلى خبير بشئونه، كي يحسن انتقاء تلك الكلمات التي تروّج للكتاب، بوصفه سلعة كأي سلعة، بما أنه يسهل الحديث عن المنتَج: الكتاب، وعن المروّج، والسوق، والمستهلك، ومكان التفاوض، أو الحديث عنه، مهما أعطي الكتاب من قيمة، حتى لو كانت الدولة هي التي تتولى أمر طبع الكتاب ونشره.
بمعنى آخر، الكتاب نظير النص المسرحي، لا تتأكد قيمته أو أهميته، واعتباره نصاً حياً، إلا بعد تجلّيه تمثيلياً على الخشبة، وربما أبعد من ذلك، وهو أن الكتاب لا يمكن أن يكون كتاباً إن لم يُقرأ. وهذا يعني أن ليس من كتاب مؤلَّف، أو يتم الاشتغال عليه دون التفكير في اللحظة التي يخرج بها إلى النور من جهة، والوقوع بين يدي قارىء ما، أو الإقبال عليه من خلال موقع الكتروني أو خلافه. وهذا يتطلب التفكير في الطريقة التي ينال فيها الكتاب حقوقه، أي ما يجب القيام به من قبل الجهة التي تهتم به، وإلا فإن هناك خللاً في بنية التعامل معه.
لنحاول التوقف عند كلمة كتاب آخر، ينتمي إلى القرون الوسطى، وذائع الصيت إلى أبعد حد « الكوميديا الإلهية « لدانتي، ابن القرن الثالث عشر والربع الأول من التالي عليه.
ماذا جاء في كلمة الغلاف بالنسبة للجزء الأول منه، وتحت عنوان «هذا الكتاب»، حيث لا يُشك من أن الكلمة من لدن المترجم المعروف وقتذاك حسن عثمان، عدد الكلمات محدود، ربما يستغرق ربع الصفحة من الأعلى، ولدينا علاقة بالنصف الأول منها تعزيزاً لمردودها الثقافي والدلالي: «الجحيم هي الجزء الأول من «الكوميديا الإلهية» للشاعر الإيطالي العظيم اليجييري دانتي، وهي الشباب الحر الطليق الثائر، والفطرة الإنسانية، وعالم الخطيئة والعذاب والمأساة، وقد أبرز دانتي فيها عيوب البشر التي تنحرف بهم عن سواء السبيل، وحاول إصلاح البشرية، وإحلال العدل والسلام والوحدة والحرية في المجتمع الإنساني».
إن أول ما يتشكل من انطباعات وتصورات ثقافية عند قراءة هذه الكلمة، هو الآتي:
الإشارة إلى خاصية مناقبية لدانتي «العظيم»، وهي ذات دور فاعل في توجيه الأنظار.
إطلاق عدة توصيفات في الهواء الطلق للكتاب بشأنه، ناحية الشباب الذي لا بد أنه يعنيه، وما في التوصيف من تعزيز للتوق إلى الحرية عموماً، واستنهاض الهمة في ذات قارئه.
تعميم القول بدءاً من مفهوم « الفطرة الإنسانية «، وما في ذلك من تحرير الكتاب من كل خاصية معتقدية أو اعتبارية ثقافية خاصة، وما في ذلك من شحذ الهمم لدى قارئه أكثر من ذي قبل.
تأكيد البعد الإنساني العميق المجرد من أي هوى أو توجه معتقدي أو خلافه، وهو ما يجعل طريق القارىء إلى الكتاب معبَّداً أكثر، أي باعتبار الكتاب مخاطِباً بمحتواه البشرية جمعاء.
ليس للغلاف لسان ليجهر بحقيقة متضمنه، إنما حمّال أسماء لا تعنيه في شيء، حتى اسمه نفسه، لا يعدو أن يكون اصطلاحاً ما، ربما يأتي كي يحرَّر من وزر حمولته المزمن!

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية