هل يمكن التعريف بـ: إدوارد سعيد (1935-2003) مفكراً، منظّراً، ناقداً، وموسيقياً؟ ربما كان هناك أكثر من تعريف رباعيّ الأوجه، بالنسبة إلى هذا الرحالة بين الثقافات والفنون، مقيم الحِدَاد على الحياة، ومحتف بها في آن. يبقى كل تعريف مبسّط، أو مركّب، منطوياً على ضرب من العجز عن مكاشفة ما ليس يُسبَر فيه، أو ما يثير صخباً، يقلق نباهة المسطور إجمالاً.
وإذ أتوقف في هذا المقال عند ما أسمّيه بـ”الفاعل الموسيقي” في كتابات هذا الكبير شأناً فكراً، فنياً ونقدياً، فلعله كشّاف أثر جوانب حية في شخصيته المفهومية، وأنا أنطلق من المقال المعمَّق والشفاف، للباحث مارتن ميجفاند “إدوارد سعيد، طاقة حركية: الموسيقى والأدب”، بالفرنسية في مجلة “مجتمعات وتمثيلات”، ع: 37/ 2014، فهذا عائد إلى أهميته، كما قرأته، أهمية تتأكد من خلال الإشارة إلى الدور الكبير في حياة سعيد، فالنظر إليه موسيقياً، غيره مفكراً، غيره ناقد أدب…الخ.
يحاول ميجفاند ما وسعه جهده الاكتشافي، الإحاطة بمختلف المعالم الفكرية والنقدية التي تتميز معزّزات ذات مرجعية موسيقية لسعيد، وفي الوقت الذي يشير إلى كتاباته الموسيقية. يقول بهذا الصدد: “الاهتمام بسعيد، موسيقياً، يجب أولاً وقبل كل شيء أن يأمل في إيجاد توضيح للمفاهيم الأساسية والمتكررة لعمله: يستخدم سعيد المفردات الموسيقية على نطاق واسع في مقاربته للنصوص وللحقيقة الأدبية نفسها. ولكن ماذا عن النقد الشهير في المقابل الذي اخترعه بينما حذرنا من أنه ليس أسلوباً بقدر ما هو ممارسة للنصوص؟ ماذا عن استخدامه المكثف لمفاهيم تعدد الأصوات، والتضمين، والاختراع، والتفصيل؟”.
هذه المفاهيم مفتاحية في مواقع شتى من كتاباته، لا بل مع حميمية الرغبة في إنارة خفاياها واستنطاقها. يمكن أن يساعد سبْر كتابات سعيد عن الموسيقى في مجال ضبط الأدب في فهم خصوصية إيماءته النقدية بشكل أفضل، فالاهتمام بشاعرية الأشكال الأدبية والموسيقية يظل بالنسبة له الدافع الرئيس لنقد الثقافة وقواها.
والسؤال الذي يطرح نفسه، هو: ما الذي يريد ميجفاند التلويح به، من خلال تحرّيه القاعي هذا، إن جاز التعبير؟
طبعاً، من الصعب جداً الإتيان على مختلف النقاط التي تمثّل حوامل مقاله الطويل نسبياً، والدال على عمق ثقافي لكاتبه بالمقابل. ولهذا، فإن الذي يمكن التشديد عليه بالتوازي مع قراءة موسيقية لما ليس موسيقياً، ولجعل الموسيقى عينها، ذات نسب ثقافي، يصلها بمؤثّر قرابيّ لافت، جهة ما هو فكري، نقدي، وفني. فنحن موسيقيون، وإن كنا على مسافة قصية مما هو موسيقي عملياً، إنما تسمية ما يمكن أن يكون مجهولاً، كان في مقام اللامفكر فيه، لدى مفكرنا الشديد الدقة في اختيار مفرداته، وإنشائه القولي، وحتى بلاغة التعبير.
كيف يمكن إقامة علاقة من نوع موسيقي “طباقي”، العلامة الفارقة لكتاباته والمؤلّقة لها، بين ما سطَّره سعيد في مختلف كتبه، وهذه المأثرة الموسيقية “البيانوية” ذات الملامس التي لا يبدو أنها عصية على الحصر؟
هل من تناقض، أغفل عنه صاحب”البدايات”، “الاستشراق”، و”الثقافة والإمبريالية”، أم تراه من صُلب العمل البحثي، الفكري، النقدي، لمودِع النص – العالَم، الكثير من أثريات متخيله النقدية؟
يقول ميجفاند في مكان آخر من مقاله، ومن باب الاستفاضة وإنارة ساحة قول المفهوم: “عندما يتعلق الأمر بالموسيقى ، فإن كتابات سعيد يحركها بالفعل نوع من العاطفة ليس من نفس الترتيب الذي يغذي الإنسانية والديمقراطية أو الاستشراق. لم يعد المنبر هو الذي يعبر عن نفسه، بل هو دائمًا ممتد بسخاء نحو الجهد المبذول لجعل الناس يفهمون شخصاً لم يعد فجأة يكتب ضده فقط – حتى لو كان يستاء من الوقت بسعادة أسلوب جلين جولد، الذي يحتل مكانًا متميزًا في مقالاته – ولكن يبدو أنه يسمح لنفسه بسرور وثّاب للكتابة مع أو من أجل – لجعل مقالاته النقدية تمارين الإعجاب، والتي يأخذها أحياناً إلى المؤلفات، في بعض الأحيان إلى العروض”.
ثمة توصيف، وإنما تعريف بأصل المحرك البحثي للمفهوم، والمعنى الذي يثغثغ في ثنايا نص مقاله، إلى درجة، أو هكذا يومئ منطق القراءة التي أراهن عليها، أن هناك ما يشغل ذهنه، فيحاول تهدئة نفسه، وليس لفت نظر قارئه، أو منقوده بنبرة حقيقة معينة مجهولة الموقع. وكما في سؤال اللاسؤال في التقدير حرفياً: “كيف يمكن التوفيق بين صورة المفكر الراديكالي، مؤسس نظرية ما بعد الكولونيالية، مع الصورة المعتادة في المهرجانات وقاعات الحفلات الموسيقية، حيث غالبًا ما وجد نفسه بصحبة أولئك الذين حاربهم سياسيًا لولا ذلك”، حيث التباعد العلائقي بين الكلمة والصوت (الموسيقى) يحفّز على التساؤل عن عنصر غرابة فيه.
ليصل ببوصلته الذهنية وبرصيدها النفسي إلى حد ما، ما يشبه المحصّلة قائلاً: “بسبب الحديث عن الموسيقى، يشارك سعيد في مستوى مختلف عن السياسة. ما يصادفه في الملحنين هو شخصية أخرى من المثقف الذي يتعرف فيه على نفسه وهو نوع مختلف من الالتزام: الفنان الذي لم يعد التزامه على المستوى الاجتماعي أو سياسياً، لكن وجودياً أو ميتافيزيقياُ. يمكننا تسمية هذا الفنان أو المثقف المقاوم. يضاف إلى هذا الشكل للفنان والمفكر (مع سعيد، الحدود غير محددة بوضوح) شخصية أخرى تظهر تدريجياً على الصفحات المخصصة للأداء الموسيقي: شخصية المبدع الملخص”.
بات في المقدور التشديد على جانب الصدع النصي، غير المضاء داخلاً، بفضيلة هذه الموسيقى التي كان لسعيد شخصية من نوع آخر، شخصية موسيقار، شخصية تستقطب الأنظار والأسماع. هل من قول آخر يضاف إلى ما تقدم؟
ربما هناك نقاط أخرى تومض في مقال ناقدنا، أو ما يتطلب المزيد من المكاشفة النقدية، سوى أن الذي يغري بالمتابعة واستشراف اللامسمى في نصه ومن خلال نص سعيد المتعدد الطيات، أي النص المركَّب، هو الثراء القابل للحوار. كتابة سعيد، وإن كانت تستقر في سطور ذات بداية ونهاية، ولكنها أبعد من حدود المؤطر بمتن الكتاب، أو المسطور بعدد كلماته، نظراً لما ينطوي عليه من قراءات في ركْب قراءات، وما فيها من تماوجات صوتية.
أن يكون عالمياً، وبعيداً عما هو دعوي، أو مجرد إنشاء لفظي، فهذا يرتد إلى الرصيد الثقافي، والحمولة الدلالية التي تستغرق مساحة بحثية وقرائية تحفّز على مغامرة القراءة بالذات.
سعيد، ومن جانب الموسيقى، قد لا نجانب الصواب، لحظة التركيز على الفارق الكبير بين الشعور النفسي الذي يتبلور داخل أي منا، في متابعته في صحبة موسيقى، حيث اليدان بأناملهما تتنشطان، وتبرعان، كما لو أنهما تتحدثان بألسنة عشرة، هي مجموع الأنامل في اليدين، ولا حاجة إلى ترجمان مباشر، أو متابعة بصرية، وتركيز ذهني، حال المكتوب، فثمة امتلاء بنفَس الموسيقى، جسدياً وذلك في مجموعه، خلاف المحال عليه كتابياً.
وسعيد في اعتماد مفردات موسيقية، وهو يكتب نصاً فكرياً، نقدياً، أو حتى سياسياً، يقدّر ضمنياً أن هذا التطعيم، أو “مفهوم الهجنة”، ضامن بقاء لحيوية النص أكثر، وأنه في رحابة ما هو موسيقي يعيش انفجار الدلالات أكثر، خلاف ما يكون عليه وضعه، وهو يمارس اقتصاداً دقيقاً للكلمات، بصدد موضوع بحثي أو غيره .
كما هي القراءة السريعة “السكتشية”، يوحي التعامل مع كتابات إدوارد سعيد، بمثل هذا “الانزلاق” خارج المتوقع. سوى أنه، وانطلاقاً من كلّية الكتابة، وفي العمق، يصعب التفريق بين الكلمة وهي تتموسق، أو الموسيقى وهي تتكلم، بالحركات التي تتطلبها تهجئة كلمة ما، فيكون الفاعل الثقافي واحداً، وما تبقَّى يكون إجرائياً!