تلقيت دعوة لحضور فاعليات معرض الشارقة للكتاب. خيرني من أرسل الدعوة وهو المصري سعيد هاشم الذي يعمل مع أحمد العامري رئيس هيئة الشارقة للكتاب، أن أختار الوقت ما بين يوم الإثنين الرابع من هذا الشهر نوفمبر/تشرين الثاني حتى نهاية المعرض. كانت الندوة التي سأشارك بها يوم الأربعاء السادس من الشهر. كعادتي أخجل أن أحمِّل أحدا أيا من مطالبي، اخترت السفر يوم الإثنين والعودة يوم الخميس. لم أكن أدري أن المعرض سيبدأ رسميا يوم الأربعاء، وأنني بعودتي يوم الخميس حرمت نفسي من حضور لقاءات كثيرة سأرى فيها الكثيرين ممن اشتقت إليهم من مصر وخارجها. وصلت يوم الإثنين في المساء إلى الفندق ومعي زوجتي سندي في المشي والحركة والحياة، ولم يكن أمامي غير البقاء في الفندق، الذي لم يكن قد وصل إليه غير المفكر وأستاذ التاريخ الحديث ووزير الثقافة الأسبق الدكتور محمد صابر عرب، فالقادمون سيتوزعون على أكثر من فندق في الأيام التالية، اتساقا مع مواعيد حضورهم. طبعا الناشرون الذين تجاوزوا الألفي ناشر سيقيم أكثرهم في فنادق أخرى، فلا سبيل لي لمقابلة بعضهم إلا في المعرض نفسه. الأمر نفسه حدث يوم الثلاثاء، فالمعرض لم يتم افتتاحه بعد، ولم يضف إلى محمد صابر عرب غير عبد الواحد محمد النبوي أستاذ التاريخ المعاصر ووزير الثقافة الأسبق أيضا، اللذين لهما في الشارقة حضور كبير بتعاونهما الثقافي وأعمالهما.
كانت جلستنا في بهو الفندق وأحاديثنا لا تنقطع عن الحالة الثقافية المصرية وغيرها. كان لا بد من الخروج الذي لا أعرف إلى أين أذهب فيه. أنقذتني الشاعرة والباحثة والمترجمة ظبية خميس صديقة أجمل أيام العمر في القاهرة، التي جاءتنا في المساء لتصحبنا في جولة في المدينة المزدحمة شوارعها في النهار كثيرا. دعتنا إلى جلسة في أحد الكافتيريات في حي القصباء وعشاء فاخر، ثم أخذتنا في سيارتها في جولة رائعة. كنت قد غبت عن الشارقة لعشر سنوات لم تتم دعوتي، لكني أتابع ما يفعله حاكمها الشيخ سلطان بن محمد القاسمي الكاتب والمؤرخ والمترجم، وابنته الشيخة بدور، وزوجته الشيخة جواهر في الثقافة العربية، وما يقدمه الشيخ القاسمي من أعمال إنسانية عبر البلاد، واعتبره أهم تجليات الثقافة العربية والإنسانية. ركبنا سيارة ظبية خميس ودارت بنا لساعتين وأكثر في كثير من أحياء المدينة تشرح لنا ما فيها، ونطل على العمارة الحديثة والقديمة في سعادة، لكن حين رأيت كثيرا جدا من البنايات القديمة الصغيرة التي مضى علي بعضها أربعمئة عام، وظلت ببنائها المميز عابر الزمن، وكيف تحولت إلى قاعات للأدب وللفن التشكيلي أو الموسيقي، وغير ذلك، تذكرت عمليات الهدم التي تتم في القاهرة، سواء للمقابر الأثرية، أو غيرها، مثل متحف الفنان نبيل درويش للخزف والصناعات الشعبية.
قررت أن أنسى ما يحدث في مصر ولا أفسد الليلة. في صباح اليوم التالي ذهبت إلى حفل افتتاح المعرض الذي سيحضره السلطان القاسمي والشيخة بدور وغيرهما من الضيوف. كان الحفل باهرا سواء في تكوينه في الصالة الكبيرة التي تحيط بنا، وعلى جدرانها صور متحركة لبعض الإنجازات الثقافية، خاصة معجم اللغة العربية المكون من مئة وسبعة وعشرين جزءا. كيف تم إعداد هذا المعجم الاستثنائي وتاريخ المسألة، ثم تكريم شخصيات بارزة من مجامع اللغة العربية في كثير من البلاد العربية مثل، مصر والجزائر والمغرب وليبيا وغيرها، ممن أسهموا في هذا العمل العظيم، والإعلان عن مشروع مقبل وهو، معجم العلوم العربية. مشروعان فائقا الروعة يسجلان في التاريخ عملا إعجازيا. كذلك تكريم الكاتبة أحلام مستغانمي التي اختيرت شخصية العام. بعد الحفل كان مقررا أن يتم افتتاح المعرض رسميا في الساعة الرابعة، فأخذت طريقي إلى الفندق لأعود في المساء إلى ندوتي عن «الأدب والحرية» التي سأشارك فيها، لكنني لم استطع البقاء لأكثر من ساعتين، وأخذت طريقي إلى المعرض في الساعة الخامسة.
قابلت في بهو الفندق قبل الانصراف شخصيات أحبها من بينهم إيزابيلا كاميرا دا فليتو المستشرقة والمترجمة الإيطالية، والمستشرق الإسباني لويس ميغيل كينيادا مدير مدرسة طليطلة للترجمة، والناقد والمترجم التركي محمد حقي صوتشين. تحدثنا سعداء عن لقاءاتنا السابقة. كانت إيزابيلا كاميرا وراء ترجمة روايتي «بيت الياسمين» للإيطالية، ولويس كينيادا وراء ترجمة روايتي «لا أحد ينام في الإسكندرية» إلى الإسبانية. بدأت أشعر بما أضعته على نفسي من لقاءات باختيار أيام قليلة، فقد وضح لي أن المعرض سيشتعل باللقاءات. كيف لم أدرك ذلك وأختار أياما أكثر! هو الخجل كما قلت من أي طلبات. ذهبت إلى المعرض والتقيت بناشرين وأصدقاء مثل الباحث والناقد السوري إسماعيل مروة، والكاتب المصري إيهاب أبوزيد نائب رئيس قضايا الدولة، ومن الناشرين الفنان والشاعر خالد سليمان الناصري صاحب دار المتوسط، الذي اتفاءل برؤياه دائما، وناشر أعمالي في السنوات الخمس الأخيرة، وابني زياد صاحب بيت الياسمين للنشر، الذي نشرت أيضا عنده أربعة كتب، ومحمود عبد النبي ممثل دار أبيدي في مصر، الذي أيضا نشرت عنده كتابين، وإسلام عبد المعطي صاحب دار روافد، ومحمود مدبولي صاحب دار مدبولي، وفريد زهران صاحب دار المحروسة، ومن الدار المصرية اللبنانية ودار الشروق وبهما الكثير مما نشرت، العزيزان على القلب دائما نورا رشاد وأحمد رشاد، والصديق أحمد بدير الذي سبق من يومين قبل وصولي أن فاز بجائزة حقوق المؤلف، وأنا شاهد على حمايته لحقوق المؤلف وجدارته بالجائزة، وكذلك العزيزة نانسي حبيب.
طبعا قابلت كثيرا من الأحباء من العالم العربي يضيق المقال عن أسمائهم، وكذلك أجريت حديثا تلفزيونيا سريعا مع قناة «إم بي سي مصر» عن الشارقة والثقافة، ثم بدأت الندوة في السابعة عن الأدب والحرية. كان الموعد المقرر للندوة ساعة واحدة ونحن خمسة من الكتاب، فمعي العراقي علي بدر والكاتبة الإماراتية إيمان اليوسف والروائي والكاتب الإسباني خافيير سيركاس والناقد والباحث المغربي عبد الإله بنعرفة، غير مقدمة الندوة المحاورة لنا، لذلك لم يتحدث كل منا غير مرتين في دقائق محددة اتساقا مع موعد الندوة. أخذنا الحديث إلى الأدب والسلطة، والأدب ووسائل التواصل الاجتماعي وسلطتها الجديدة، ولضيق الوقت فكرت أن أكتب هنا رأيي في هذه المسألة باتساع، لكنني كثيرا ما كتبت في ذلك.
الآن فقط أتذكر يوم أن اقتنيت كتاب «موسوعة العذاب « للعراقي عبود الشالجي، وكيف قرأت الجزء الأول وتوقفت، وزارني صديق أراد أن يستعيره مني فأعطيته له، وحين أراد إعادته قلت له، «دعه هدية لك. لا أريد أن أعيش مع ضحايا السلطات في العهود الإسلامية من أمراء وبشر وكتاب. هذه جروح لا تلتئم». وأتذكر الآن الفترة بعد يوليو/تموز 1952 وكيف امتلأت المعتقلات بالكتاب والمفكرين، ثم ما جرى مع أنور السادات وصعود التيارات الوهابية، وكيف انتهى الأمر إلى اغتياله هو، ثم اغتيالات لشخصيات مثل فرج فودة، ومحاولة اغتيال نجيب محفوظ، والحكم على نصر حامد أبو زيد بالتفريق من زوجته، وغير ذلك الكثير.
صحيح أن الرئيس مبارك تدخل وأوقف بعض الأحكام لكن اعتقال المفكرين في مصر لم ينته، وها نحن نرى من يتقدم ببلاغ في ناشط سياسي وشاعر هو أحمد دومة عن ديوانه الشعري « كيرلي « لأن فيه عتابا إلى الله، وكيف يترك القتلة ولا يحمي الضعفاء. عتاب يمكن أن يقوله أي شخص في لحظات ضعف، والقضية مفتوحة وقرأت أنها تحركت الآن. لم يتسع الوقت للحديث عما جرى لكثير من المفكرين، لكنني بعد أن انتهت الندوة قلت الحمد لله، هذه الذكريات صارت أصعب على قلبي من زمن فات، كنت فيه أقوى روحيا وجسديا، وأخذت طريقي في الصباح إلى مصر، وظلت ليلة جولتنا الرائعة مع ظبية خميس، وحواراتي القليلة مع من قابلت في الفندق أو في المعرض، بلسما لروحي في زمن عزَّ فيه البلسم.
كاتب مصري