‮«‬الرحلة‮»‬‭ ‬نوع‭ ‬أدبي

تتخذ‭ ‬نظم‭ ‬الأجناس‭ ‬الأدبية‭ ‬موقعا‭ ‬مهما،‭ ‬وأساسيا‭ ‬في‭ (‬نظرية‭ ‬الأدب‭)‬؛‭ ‬ولهذا‭ ‬تُعد‭ ‬منجزا‭ ‬أمميا‭ ‬يشكل‭ ‬خطابه‭ ‬وجها‭ ‬متقدما‭ ‬من‭ ‬وجوه‭ ‬النتاج‭ ‬الحضاري‭ ‬الذي‭ ‬تتفرع‭ ‬منه‭ ‬شجرة‭ ‬إبداع‭ ‬الحياة‭ ‬الممثلة‭ ‬في‭ ‬الأدب،‭ ‬وأجناسه،‭ ‬والفن‭ ‬وأنماطه‭.‬

ومع‭ ‬صعوبة‭ ‬الاقتناع‭ ‬بوجود‭ ‬تعريف‭ ‬واحد‭ ‬للأجناس‭ ‬الأدبية؛‭ ‬لأن‭ ‬فكرة‭ ‬الكتابة‭ ‬الأدبية‭ ‬متنوعة‭ ‬يسودها‭ ‬الاختلاف‭ ‬في‭ ‬الأساس،‭ ‬فإن‭ ‬هذه‭ ‬المقالة‭ ‬ترى‭ ‬أن‭ ‬أجناس‭ ‬الأدب‭ ‬اختزال‭ ‬منظم‭ ‬لشكل‭ ‬الكتابة‭ ‬الأدبية‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬عصورها،‭ ‬يفضي‭ ‬إلى‭ ‬تبين‭ ‬المزايا‭ ‬الخاصة‭ ‬باللغة‭ ‬الأدبية،‭ ‬والحدود‭ ‬الفاصلة‭ ‬بين‭ ‬أنواعها‭ ‬وأشكالها‭ ‬وأنماطها،‭ ‬فالجنس‭ ‬الأدبي‭ ‬اصطلاح‭ ‬مهمته‭ ‬تصنيفية‭ ‬في‭ ‬الأساس‭ ‬تحيل‭ ‬على‭ ‬خريطة‭ ‬الأنواع،‭ ‬والأشكال،‭ ‬والأنماط،‭ ‬وهي‭ ‬تتقاسم‭ ‬سلطة‭ ‬الفصل‭ ‬بين‭ ‬النصوص‭ ‬آخذة‭ ‬بنظر‭ ‬الاعتبار‭ ‬أن‭ ‬الفصل‭ ‬لن‭ ‬يكون‭ (‬ميكانيكيا‭) ‬يفضي‭ ‬إلى‭ ‬العزلة‭ ‬التامة‭ ‬المفارقة‭ ‬لمحيطها،‭ ‬وإنما‭ ‬هو‭ ‬فصل‭ ‬جمالي‭ ‬بين‭ ‬مدخرات‭ ‬لسانية‭ ‬تتسم‭ ‬بالتداخل،‭ ‬والاختلاف،‭ ‬ولكنها‭ ‬في‭ ‬النهاية‭ ‬تمثل‭ ‬موقف‭ ‬الإنسان‭ ‬من‭ ‬طبيعة‭ ‬الحياة‭ ‬وإشكالاتها‭. ‬

لا‭ ‬شك‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬العقل‭ ‬النقدي‭ ‬العربي‭ ‬القديم‭ ‬بمدياته‭ ‬الزمنية‭ ‬المتوالية،‭ ‬استوقفته‭ ‬فكرة‭ ‬تجنيس‭ ‬الأدب،‭ ‬وتنويعه‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬قطع‭ ‬الأدب‭ ‬نفسه‭ ‬شوطا‭ ‬بعيدا‭ ‬في‭ ‬تأكيد‭ ‬وجوده،‭ ‬وتمثيل‭ ‬مواقف‭ ‬الحياة‭ ‬غير‭ ‬المحددة،‭ ‬وهذا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬فكرة‭ ‬التجنيس‭ ‬كانت‭ ‬لاحقة‭ ‬لوجود‭ ‬الأدب،‭ ‬وانتشاره؛‭ ‬لأنها‭ ‬ببساطة‭ ‬فكرة‭ (‬نقدية‭) ‬منظمة‭ ‬قامت‭ ‬على‭ ‬تأمل‭ ‬شكل‭ ‬الأدب،‭ ‬والبحث‭ ‬في‭ ‬هويته‭ ‬الأجناسية‭ ‬من‭ ‬خارج‭ ‬حقوله،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬جرى‭ ‬للنقد‭ ‬العربي‭ ‬القديم‭ ‬خلال‭ ‬قرون‭ ‬تفجره‭ ‬المعرفي،‭ ‬والإجرائي‭ ‬الذي‭ ‬قال‭ ‬بمقولات‭ ‬أجناسية‭ ‬هي‭ ‬في‭ ‬حقيقة‭ ‬أمرها‭ ‬استجابة‭ ‬لطبيعة‭ ‬الحاجة‭ ‬النقدية‭ ‬التي‭ ‬فرضت‭ ‬نفسها‭ ‬يوم‭ ‬ذاك‭ ‬من‭ ‬زاويتين‭ ‬متقاربتين‭:‬

الأولى‭: ‬استحضر‭ ‬فيها‭ ‬الناقدُ‭ ‬القديمُ‭ ‬فكرة‭ ‬الأجناس‭ ‬الأدبية،‭ ‬وهو‭ ‬يعاين‭ ‬لغة‭ ‬النص‭ ‬القرآني‭ ‬الكريم،‭ ‬ويحاول‭ ‬تحديد‭ ‬لغته،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬قراءة‭ ‬الأجناس‭ ‬الأدبية‭ ‬المعروفة‭ ‬يوم‭ ‬ذاك،‭ ‬لكي‭ ‬يثبت‭ ‬أن‭ ‬جنسية‭ ‬القرآن‭ ‬لا‭ ‬علاقة‭ ‬لها‭ ‬بالأجناس‭ ‬الأدبية‭ ‬السائدة،‭ ‬وقد‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الزاوية‭ ‬خير‭ ‬تمثيل‭ ‬الجاحظ‭ (‬255هـ‭) ‬في‭ ‬‮«‬البيان‭ ‬والتبيين‮»‬،‭ ‬والباقلاني‭ (‬403هـ‭) ‬في‭ ‬كتابه‭ ‬‮«‬إعجاز‭ ‬القرآن‮»‬‭ ‬وغيرهما‭.‬

الأخرى‭: ‬استحضر‭ ‬فيها‭ ‬الناقد‭ ‬القديم‭ ‬فكرة‭ ‬الأجناس‭ ‬الأدبية‭ ‬من‭ ‬فضاء‭ ‬الحاجة‭ ‬النقدية‭ ‬للأجناس‭ ‬نفسها،‭ ‬وقد‭ ‬مثلها‭ ‬ابن‭ ‬وهب‭ ‬الكاتب‭ (‬335هـ‭) ‬في‭ ‬كتابه‭ ‬المهم‭ ‬‮«‬البرهان‭ ‬في‭ ‬وجوه‭ ‬البيان‮»‬،‭ ‬وأبو‭ ‬هلال‭ ‬العسكري‭ (‬395هـ‭) ‬في‭ ‬كتابه‭ ‬المهم‭ ‬‮«‬كتاب‭ ‬الصناعتين‭: ‬الكتابة‭ ‬والشعر‮»‬‭ ‬وغيرهما‭. ‬

‭ ‬مناسبة‭ ‬هذه‭ ‬المقدمة‭ ‬الوقوف‭ ‬على‭ ‬فكرة‭ ‬تجنيس‭(‬الرحلة‭) ‬لغرض‭ ‬تحديد‭ ‬مصطلحها‭ ‬الأجناسي‭ ‬الحديث،‭ ‬ومعرفة‭ ‬موقعها‭ ‬في‭ ‬سلسلة‭ ‬التصنيفات‭ ‬الأجناسية‭ ‬المتعددة‭ ‬التي‭ ‬لاحقت‭ ‬متون‭ ‬الأدب‭ ‬العربي‭ ‬الحديث،‭ ‬وهذا‭ ‬يستوجب‭ ‬البحث‭ ‬في‭ ‬طبيعة‭ (‬الرحلة‭)‬،‭ ‬وتحليل‭ ‬طبيعة‭ ‬خطابها‭ ‬الأدبي،‭ ‬واسترجاع‭ ‬الطبيعة‭ ‬الأولى‭ ‬لأصولها،‭ ‬وتحديد‭ ‬أبرز‭ ‬تشاكلاتها‭ ‬النصية،‭ ‬والاختلافية،‭ ‬والمهادية،‭ ‬وصولا‭ ‬إلى‭ ‬تجاوز‭ ‬الإشكالية‭ ‬الأساسية‭ ‬التي‭ ‬تقابل‭ ‬الباحثين،‭ ‬والدارسين‭ ‬في‭ ‬حقل‭ ‬الأجناس‭ ‬الأدبية‭ ‬التي‭ ‬تتمثل‭ ‬في‭ ‬معرفة‭ ‬الكيفية‭ ‬التي‭ ‬تتشكل‭ ‬فيها‭ ‬الأنواع‭ ‬الأدبية،‭ ‬فضلا‭ ‬عن‭ ‬معرفة‭ ‬الحدود‭ ‬الفاصلة‭ ‬بين‭ ‬نوع‭ ‬وآخر،‭ ‬وتقدير‭ ‬قوة‭ ‬تلك‭ ‬الحدود‭.‬

من‭ ‬الحقائق‭ ‬الثابتة‭ ‬في‭ ‬تأريخ‭ ‬الأدب‭ ‬العربي‭ ‬أن‭ ‬أدب‭ ‬الرحلات‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬جديدا‭ ‬على‭ ‬العرب،‭ ‬فقد‭ ‬قُدر‭ ‬لابن‭ ‬فضلان‭ ‬أن‭ ‬غادر‭ ‬بغداد‭ ‬عام‭ (‬309هـ‭) ‬إبان‭ ‬القرن‭ ‬الرابع‭ ‬الهجري،‭ ‬متوجها‭ ‬إلى‭ ‬بلاد‭ ‬الترك،‭ ‬والخزر،‭ ‬والروس،‭ ‬والصقالبة،‭ ‬وبعد‭ ‬عودته‭ ‬كتب‭ ‬رحلته‭ ‬الشهيرة‭ ‬في‭ ‬وصف‭ ‬تلك‭ ‬البلدان‭ ‬لتكون‭ ‬إيذانا‭ ‬بظهور‭ ‬أدب‭ ‬جديد‭ ‬في‭ ‬الثقافة‭ ‬العربية‭ ‬الإسلامية‭ ‬سُمي‭ ‬بـ‭(‬أدب‭ ‬الرحلات‭)‬الذي‭ ‬عرفه‭ ‬الناقد‭ ‬محمد‭ ‬صابر‭ ‬عبيد‭ ‬بأنه‭ ‬‮«‬سرد‭ ‬نثري‭ ‬يعتمد‭ ‬آلية‭ ‬الوصف‭ ‬المشهدي،‭ ‬ويقوم‭ ‬الراوي‭ ‬المرتحل‭ ‬الذي‭ ‬ينتقل‭ ‬بين‭ ‬المدن‭ ‬والأماكن‭ ‬بوصف‭ ‬مشاهداته،‭ ‬وهو‭ ‬يسخر‭ ‬حواسه‭ ‬كافة،‭ ‬ويشحذ‭ ‬إمكاناته‭ ‬لتعمل‭ ‬بأقصى‭ ‬طاقاتها‭ ‬في‭ ‬الملاحظة،‭ ‬والتصوير،‭ ‬والسماع،‭ ‬والمشاهدة،‭ ‬والتحسس‭ ‬والتذوق‭ ‬ليعكس‭ ‬نتائج‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬مدونات‭ ‬أدبية‭ ‬تصف‭ ‬وتصور‭ ‬المشهد‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والإنساني‭ ‬في‭ ‬حدود‭ ‬زمكانية‭ ‬الرحلة‮»‬‭.‬

من‭ ‬الحقائق‭ ‬الثابتة‭ ‬في‭ ‬تأريخ‭ ‬الأدب‭ ‬العربي‭ ‬أن‭ ‬أدب‭ ‬الرحلات‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬جديدا‭ ‬على‭ ‬العرب

ويبدو‭ ‬لهذه‭ (‬المقالة‭) ‬أن‭ ‬ابن‭ ‬فضلان‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬أوائل‭ ‬من‭ ‬استوقفته‭ ‬إشكالية‭ ‬تجنيس‭ ‬الرحلة‭ ‬بوصفها‭ ‬أدبا،‭ ‬فقد‭ ‬احتار‭ ‬في‭ ‬تحديد‭ ‬نوع‭ ‬ما‭ ‬كتب‭ ‬من‭ ‬نثر‭ ‬بدا‭ ‬جديدا‭ ‬على‭ ‬طبيعة‭ ‬الأدب‭ ‬يوم‭ ‬ذاك،‭ ‬وربما‭ ‬سأل‭ ‬نفسه‭: ‬أين‭ ‬يضع‭ ‬نصه‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬عُرف‭ ‬من‭ ‬أنواع‭ ‬أدبية‭ ‬نثرية‭ ‬لم‭ ‬تتجاوز‭ ‬حدود‭ ‬الخطبة،‭ ‬والرسائل‭ ‬بأنواعها،‭ ‬والمقامة،‭ ‬والوصايا،‭ ‬والخبر،‭ ‬والنوادر‭ ‬والمُلح،‭ ‬وغيرها؟‭ ‬وحين‭ ‬حانت‭ ‬لحظة‭ ‬اكتمال‭ ‬الرحلة‭ ‬بوصفها‭ ‬متنا‭ ‬لم‭ ‬يجد‭ ‬حرجا‭ ‬من‭ ‬إطلاق‭ ‬مصطلح‭ (‬الرسالة‭) ‬عليها،‭ ‬فسماها‭ ‬‮«‬رسالة‭ ‬ابن‭ ‬فضلان‮»‬،‭ ‬والرسالة‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬الكتابة‭ ‬التي‭ ‬تتشكل‭ ‬وفق‭ ‬حاجات‭ ‬مختلفة‭ ‬تصنعها‭ ‬رغبة‭ ‬المرسل‭ ‬في‭ ‬الإخبار،‭ ‬أو‭ ‬الحكي،‭ ‬أو‭ ‬تمثيل‭ ‬واقع‭ ‬ما،‭ ‬لكن‭ ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬الأدب‭ ‬خرج‭ ‬في‭ ‬العصر‭ ‬العباسي‭ ‬عن‭ ‬شكله‭ ‬التقليدي‭ ‬الإخباري‭ ‬الاتصالي‭ ‬إلى‭ ‬نمط‭ ‬من‭ ‬الكتابة‭ ‬السردية‭ ‬التي‭ ‬تُعنى‭ ‬بتمثل‭ ‬حالات‭ ‬مختلفة‭ ‬مثل‭: ‬‮«‬رسالة‭ ‬الغفران‮»‬‭ ‬لأبي‭ ‬العلاء‭ ‬المعري‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬رحلة‭ ‬تخيلية‭ ‬إلى‭ ‬العالم‭ ‬الآخر،‭ ‬و«رسالة‭ ‬الزوابع‭ ‬والتوابع‮»‬‭ ‬لابن‭ ‬شهيد‭ ‬التي‭ ‬نحت‭ ‬المنحى‭ ‬نفسه،‭ ‬وغيرهما‭ ‬من‭ ‬رسائل‭ ‬اكتسبت‭ ‬شهرتها‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬مضامينها‭.‬

ورسالة‭ ‬ابن‭ ‬فضلان‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬مزيجا‭ ‬من‭ ‬المشاهدة،‭ ‬والتوثيق‭ ‬التأريخي،‭ ‬والتسجيل‭ ‬الذاتي،‭ ‬جمعت‭ ‬بين‭ ‬الانطباع،‭ ‬وتقرير‭ ‬الحقائق،‭ ‬والوصف،‭ ‬فضلا‭ ‬عن‭ ‬أنها‭ ‬عنيت‭ ‬بطبائع‭ ‬الشعوب‭ ‬التي‭ ‬وقفت‭ ‬عند‭ ‬ثقافاتها،‭ ‬وأنشطة‭ ‬أهلها،‭ ‬وهذا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬ابن‭ ‬فضلان‭ ‬كان‭ ‬قد‭ ‬وقف‭ ‬مليا‭ ‬أمام‭ ‬نفسه،‭ ‬وهو‭ ‬يكرر‭ ‬عليها‭ ‬السؤال‭ ‬المهم‭: ‬ما‭ ‬الرحلة؟‭ ‬وإلى‭ ‬أي‭ ‬أدب‭ ‬تنتمي؟‭ ‬فاختار‭ ‬المصطلح‭ ‬الأقرب‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬يحيطه‭ ‬من‭ ‬أدب‭ ‬نثري‭ ‬ليكون‭ ‬مضمونها‭ ‬متسعا‭ ‬لقراءات‭ ‬مختلفة‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬بعد،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬السؤال‭ ‬الذي‭ ‬يثار‭ ‬الآن‭: ‬هل‭ ‬يقتنع‭ ‬الناقد‭ ‬العربي‭ ‬الحديث‭ ‬بهذا‭ ‬المصطلح‭ ‬لتكون‭ ‬الرحلة‭ (‬رسالة‭) ‬في‭ ‬حدود‭ ‬تصنيفها‭ ‬الأجناسي؟‭ ‬بدءا‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬من‭ ‬الاعتراف‭ ‬بأن‭ ‬الرحلة‭ ‬العربية‭ ‬بعد‭ ‬ابن‭ ‬فضلان‭ ‬اتسعت‭ ‬الكتابة‭ ‬فيها‭ ‬لتشمل‭ ‬الثقافة‭ ‬العربية‭ ‬في‭ ‬مشرقها‭ ‬ومغربها‭ ‬بمقاصد‭ ‬متعددة،‭ ‬ولكنها‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬ظلت‭ ‬بعيدة‭ ‬عن‭ ‬أعين‭ ‬النقد‭ ‬قرونا‭ ‬ليست‭ ‬قليلة،‭ ‬لأسباب‭ ‬كثيرة‭ ‬ترد‭ ‬إلى‭ ‬الإهمال‭ ‬الثقافي‭ ‬الذي‭ ‬أصاب‭ ‬الثقافة‭ ‬العربية‭ ‬في‭ ‬أدوارها‭ ‬التقليدية‭ ‬المتأخرة‭.‬

‭ ‬وحين‭ ‬طل‭ ‬العصر‭ ‬الحديث‭ ‬بمباهج‭ ‬رؤاه،‭ ‬وقدرة‭ ‬الترجمة‭ ‬التي‭ ‬قاربت‭ ‬بين‭ ‬المتباعدين،‭ ‬انكشفت‭ ‬حدود‭ ‬التجنيس‭ ‬في‭ ‬الأدب‭ ‬الحديث‭ ‬ضمن‭ ‬مقولات‭ ‬نظرية‭ ‬الأجناس‭ ‬الأدبية‭ ‬التي‭ ‬رأت‭ ‬أن‭ ‬الأدب‭: ‬صنف‭ ‬ينقسم‭ ‬إلى‭ ‬جنسين‭ ‬رئيسين‭: ‬الشعر،‭ ‬والنثر،‭ ‬وكل‭ ‬منهما‭ ‬ينقسم‭ ‬إلى‭ ‬أنواع،‭ ‬والأنواع‭ ‬بدورها‭ ‬تنقسم‭ ‬إلى‭ ‬أشكال‭ ‬والأشكال‭ ‬تحال‭ ‬على‭ ‬أنماط،‭ ‬في‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬الإجراءات‭ ‬التي‭ ‬أسهمت‭ ‬في‭ ‬تحليل‭ ‬ظاهرة‭ ‬الخطاب‭ ‬الجديد،‭ ‬وفهم‭ ‬مقترباته‭.‬

‭ ‬تنتمي‭ ‬مقولات‭ ‬الأجناس‭ ‬الأدبـــية‭ ‬بوصفها‭ ‬ضرورات‭ ‬فنية‭ ‬إلى‭ ‬الخاصية‭ ‬المعيارية‭ ‬التي‭ ‬تلفت‭ ‬النظر‭ ‬إلى‭ ‬السمات‭ ‬الفنية‭ ‬التي‭ ‬تتمتع‭ ‬بها‭ ‬الأشكال‭ ‬الكتابية‭ ‬خلال‭ ‬التاريخ؛‭ ‬ولهــذا‭ ‬كان‭ ‬للمعيار‭ ‬ولما‭ ‬يزل‭ ‬أثر‭ ‬في‭ ‬تحديد‭ ‬النوع‭ ‬الأدبي‭ ‬فهو‭ ‬يستند‭ ‬إلى‭ ‬طبيعة‭ ‬اللغـــة،‭ ‬وشكل‭ ‬البناء،‭ ‬ووجود‭ ‬القصد‭ ‬أيضا‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬المعيار‭ ‬نفسه‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬اختيارا‭ ‬محضا‭ ‬تستعيره‭ ‬الذائقة‭ ‬النقدية‭ ‬بدون‭ ‬أن‭ ‬تستند‭ ‬إلى‭ ‬جملة‭ ‬حيثيات،‭ ‬ومبادئ،‭ ‬وتصورات‭ ‬عمرها‭ ‬مئات‭ ‬السنين،‭ ‬لها‭ ‬تأثيرها‭ ‬الواضح‭ ‬في‭ ‬تقبل‭ ‬الأدب،‭ ‬وتنمية‭ ‬اتجاهاته،‭ ‬وإنما‭ ‬هو‭- ‬المعيار‭- ‬محصلة‭ ‬ثقافة‭ ‬عميقة‭ ‬مجالها‭ ‬الأدب‭ ‬وطبيعة‭ ‬فلسفته‭.‬

إن‭ ‬النثر‭ ‬المعاصر‭ ‬بوصفه‭ ‬جنسا‭ ‬يحال‭ ‬على‭ ‬أنواع‭ ‬أدبية‭ ‬تنتمي‭ ‬إلى‭ ‬متون‭ ‬تنتظم‭ ‬في‭ ‬نصوصها‭ ‬مجموعة‭ ‬سمات‭ ‬تركيبية،‭ ‬وفنية،‭ ‬وموضوعية‭ ‬تتقولب‭ ‬في‭ ‬شكل‭ ‬خطابي‭ ‬مفارق‭ ‬لغيره‭ ‬من‭ ‬خطابات‭ ‬الشعر‭ ‬المعروف‭ ‬شرطه‭ ‬الأساس‭ ‬تكرار‭ ‬البنى‭ ‬النثرية‭ ‬في‭ ‬متون‭ ‬تنفتح‭ ‬على‭: ‬المقالة،‭ ‬والرواية،‭ ‬والقصة،‭ ‬والمسرحية،‭ ‬والرحلة،‭ ‬والسيرة،‭ ‬وغيرها،‭ ‬من‭ ‬هنا‭ ‬فإن‭ ‬عد‭ ‬المقالة‭ (‬نوعا‭) ‬نثريا‭ ‬يعني‭ ‬امتلاكها‭ ‬مزايا‭ ‬نصية‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تتواجد‭ ‬في‭ ‬أنواع‭ ‬أدبية‭ ‬أخــــرى،‭ ‬فهي‭ ‬بالضرورة‭ ‬تتبع‭ ‬جنسا‭ ‬أعلى‭ ‬هو‭ ‬النثر،‭ ‬وتنقسم‭ ‬أنواعها‭ ‬على‭ ‬أشكال‭ ‬واضــــحة،‭ ‬والأشكال‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬أن‭ ‬تحال‭ ‬على‭ ‬أنماط،‭ ‬فهي‭ ‬بتشكيلها‭ ‬الأدبي‭ ‬فرضـــت‭ ‬سلطتها‭ ‬الجمالية‭ ‬والدلالية،‭ ‬قديما‭ ‬وحديثا‭ ‬لتكون‭ ‬نوعا‭ ‬أدبيا‭ ‬متصـــلا‭ ‬بعلوم‭ ‬الجغرافية،‭ ‬والتأريخ،‭ ‬والاجتماع،‭ ‬والأدب‭ ‬واللغة‭ ‬ليكون‭ ‬الانفــتاح‭ ‬فيها‭ ‬شكلا‭ ‬من‭ ‬أشكال‭ ‬التجاور‭ ‬الذي‭ ‬يتداخل‭ ‬في‭ ‬بنية‭ ‬أدبية‭ ‬شرطـــها‭ ‬التمازج‭ ‬المؤثر‭ ‬في‭ ‬المضمون‭ ‬الذي‭ ‬يتيح‭ ‬للمتلقي‭ ‬فرصة‭ ‬العثور‭ ‬على‭ ‬أنواعية‭ ‬أجناسية‭ ‬معرفية‭ ‬متعددة‭ ‬في‭ ‬شعريتها‭ ‬المستعارة‭ ‬من‭ ‬الشعر،‭ ‬ومن‭ ‬النثر،‭ ‬ومن‭ ‬الفنون‭ ‬المعروفة‭. ‬

٭‭ ‬ناقد‭ ‬وأكاديمي‭ ‬من‭ ‬العراق

‭*‬استاذ‭ ‬البلاغة‭ ‬والنقد‭ ‬جامعة‭ ‬ديالى‭ – ‬العراق

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية