آسف يا مصر

حجم الخط
1

سؤال منطقي يطرح نفسه في وسط حالة الضبابية التي تحيط بالواقع المصري، على الرغم من كل الأضواء والشاشات وساعات البث والبرامج التي لا تتوقف. 
والسؤال الذي يرتبط شكلا باللحظة وموضوعيا بأصل الفكرة والمطلوب للمحروسة، يتمثل في التساؤل عن جدارة الاعتذار والمعني به، فهل يفترض أن نقول «آسف يا ريس؟» أم «آسف يا مصر؟» سؤال يرتبط وبشكل وثيق بثورة 25 يناير 2011 وما شهدته من تطورات أو فشل، وفقا لوجهة نظر من يتعامل معها ومع ما تمثله من معنى.
نقف أمام لحظة يتم فيها تصوير براءة الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك من قتل المتظاهرين، وخروجه من مستشفى المعادي العسكري إلى منزله في مصر الجديدة في 24 مارس 2017 بوصفها سقوط يناير بالضربة القاضية. وهو ما يعيدنا لمعنى يناير، فمن يرى أن يناير مجرد لحظة زمنية وحدث انتهى بفشله في تحقيق أهدافه، يصدق في تصور أنها مجرد قصة كتبت نهايتها ولا بد من البحث عن عنوان وحكاية جديدة. ومن يرى أن يناير أهداف وأفكار حية لا تموت ولا تتجزأ ولا تنفصل عن صورة مصر المستقبل، مصر الديمقراطية المطلوبة، يدرك أهمية الوقوف أمام تفاصيل المشهد، وأهم ما فيه من تطورات حكمت على اللحظة بالفشل وتؤسس لفشل يديم السلطوية ويغيّب الحرية.
المهم في اللحظة أنه تم التجاوز عن الكثير، وارتفعت فيها مقولة «آسف يا ريس» والتهنئة بكلمات مثل «نورت بيتك» مع تعليقات سعيدة ومهنئة، كما نقلت الأخبار. تبرئة تم التركيز عليها وكأنها القول الفصل لحكم مبارك، رغم سابق أدانته في قضية مخلة بالشرف، هي قضية الاستيلاء على نحو 125 مليون جنيه من المخصصات المالية للقصور الرئاسية، التي حكم عليه ونجليه فيها بالسجن المشدد لمدة 3 سنوات في يناير 2016، إلى جانب غيرها من الأمور المتعلقة بالقضايا التي قدمت، ومن قدّم المستندات، والسياق الذي تمت فيه المحاكمات، وغيرها من التفاصيل المؤثرة على حكم ليس بهذه السهولة على نظام حكم لعقود ممتدة.
وتغلف كل هذا مجموعة من المقولات والتحليلات التي تخدم السلطة، وكل ما يمسها، والتي تؤكد على قدسية أحكام القضاء من دون أن تطالب النظام بالالتزام بها في قضية مثل، مصرية جزيرتي تيران وصنافير، أو غيرها من القضايا التي تخص الدستور والقانون، وكلها أمور يتم التعامل فيها خارج هذه القدسية، التي تشن في مواجهة من يعترض أو يتساءل عن منطق الأشياء.
ظهر خطاب «آسف يا مصر» أثناء ثورة يناير، خاصة مع ما تم تسريبه عن حجم الفساد الذي كان قائما لحظة سقوط مبارك، لدرجة أن عضوا من أعضاء المجلس الأعلى للقوات المسلحة، الذي تولى السلطة في هذا الوقت أكد على الإحساس بالدهشة من حجم الفساد الذي كان قائما في مصر، بالإضافة إلى ما نشر من أخبار عن جهاز أمن الدولة وغرف التعذيب، وغيرها من أخبار الوجه القبيح لعصر ما قبل يناير، الذي لم يختف عن المشهد، وإن تراجع بشكل محسوب لفترة. في الوقت نفسه ظهر الوجه الحسن للشعب واضحا، مع خطاب يؤكد على الحرية والسعادة بها والتنفس في ظل سماء مختلفة. عوامل مثلت فرصة للاعتذار لمصر بصفة عامة، والاعتذار، كما جاء في تعليقات البعض، عن التأخر في التحرك من أجل وطن حر وديمقراطي بصفة خاصة. 
كما ظهر في السياق نفسه خطاب أبوية السلطة، وفكرة الحاكم الذي يمثل أب العائلة ويفترض أن يتم احترامه واحترام عمره، كما قيل، وتم رفع خطاب «آسف يا ريس» الذي تغذى على فشل وإفشال الثورة. وفي الوقت الذي كان يفترض أن يتواجد شعور عام بالأسف لحال الوطن والمواطن ضحية الفقر والجوع والمرض، وضحية العبارات وقوارب الموت والقطارات المحترقة والأغذية الفاسدة، تناسى البعض كل هذا للتركيز على الفرد والاعتذار له والاحتفاء به.
حالة ساعد عليها جهود أنسنة مبارك والأسرة، مع التركيز على خطاب المعاناة والصدمة. وبدلا من مبارك المنتصب في خطبه وأحاديثه حتى اللحظات الأخيرة، جاءت صورة المرض مع خطاب إعلامي يظهر في شكل تسريبات من محل أقامته، قبل ظهوره في المحكمة، ليرتب حالة التعاطف مع الرئيس المقال. وكما يطالب البعض بقدسية أحكام القضاء على حساب العدالة، أصبح من المهم التأكيد على قدسية الاعتذار لمبارك على حساب الوطن. تناسى البعض أن خطاب الأبوية، وبعيدا عن رفضه في مجال السياسة والعمل العام، لا يفترض أن يجوع الشعب ويشبع الأب، ولا أن يتم بناء قبور بملايين للسلطة ويموت مئات في البحر أو القطارات المحترقة، من الشعب في ظل خدمات وفرص غائبة وفساد يأكل الأحلام في طريقه. لكن للأسف اختلط الحديث في مصر لدرجة تحول الأصل إلى فرع وتم تهميش العدالة كما تم تهميش الوطن.
مع تراجع ثورة يناير وغياب أهدافها عن أرض الواقع تراجع خطاب «آسف يا مصر»، وما يفترض أن يمثله من اعتذار للشعب ولكل ضحايا العقود التي سبقت يناير، سواء بشكل مادي أو معنوي، في حين استمر شعار الاعتذار للفرد ممثلا في مبارك وازدهر. وجاء قرار براءة مبارك ثم خروجه ليدشن لحظة سعادة لكل من وقف ضد يناير واعتبر تنحي مبارك والمطالبة بمحاكمته خطيئة يجب أن يحاسب عليها الشعب. موقف لم يكن غائبا والأخبار تتوالى عن الاتصالات التي تمت مع مبارك، في حبسه، والزيارات التي يتلقاها والتي ربما لا نكتشف كل تفاصيلها ولا يعلن منها ألا ما يخدم اللحظة وأهداف السلطة. وهو ما يتسق أيضا مع الأخبار التي تنشر عن من يتصل ويقدم التهاني، وربما يؤكد لمبارك أن ما حدث هو طبيعة الأشياء، وأن الشعب المصري تعلم الدرس ولن يثور مرة أخرى أو يؤيد التغيير.
في النهاية يوجه البعض الخطاب الدائر، وبدلا من التركيز على أفعال مبارك والأحكام التي صدرت وما تعنيه، يتم إبراز كلمة البراءة والتعامل معها وكأنها حقيقة مطلقة، وكأن كل الملايين التي تعيش في مصر لم تكن طرفا في المعاناة التي كانت، والتي ما زالت تعلن عن وجهها القبيح بصور متعددة.
وإن كانت مقولة «آسف يا ريس» تعبيرا عن فشل يناير، أو على أن مبارك كان على حق كما يرى البعض، فإنها نشوة اللحظة التي لا تغير من وقائع التاريخ، عندما تكتب بشكل منصف لا يهتم بالمصالح ولا يخاف على المناصب، كما لا تغير من حقيقة المعاناة. وإن كانت مصر تعاني من فقر وجهل وفساد وتدفع ثمن واسطة وعلاقات تزاوج بين السياسة والمال، فلا يمكن تبرئة النظام الذي حكم، وأفكاره التي ما زالت حاكمة.
وإن كان من المهم أن نعتذر، فإن كلمة آسف يحق أن تقال لضحايا عبارة السلام 98 عام 2006 وغيرهم من ضحايا عقود ممتدة لم يحصل فيها أحد على حقه، ولم يحاسب أحد على جرمه، ما دام الضحية من عامة الشعب. آسف مستحقة لضحايا القطارات والعبارات وقوارب الموت، ولمن دفع ثمن فساد النظام حياة بلا تعليم أو رعاية صحية أو سكن آدمى، ولضحايا التعذيب، ولمن دفع حياته في أثناء الثورة أو فقد عزيزا. آسف ممتدة لمعاناة تجد أسبابها في نظم حكم وإدارة تقوم على إعلاء السلطة على الدولة والشعب، وإعلاء المصلحة المحدودة على المصلحة العامة، وغياب الشفافية والمحاسبة. وإن كان إلهاء الشعب يمد في عمر النظام الحاكم، فإن علينا أن نتعايش مع حالة الاعتذار للمجرم، وإدانة الضحية، حيث تبدو اللحظة أقرب للتعامل مع غرق قوارب الموت حين تتم إدانة الضحية لأنها أرادت فرصة أفضل، في حين تتم تبرئة السلطة وكل ما يمسها، وكأن فشل سياستها ليس طرفا أساسيا في ما يحدث.
وإن كان البعض قد علق مازحا على خبر خروج مبارك والاحتفاء به بالمطالبة بعودته للسلطة، باعتبار أنه أفضل وأكثر رشادة ممن جاء بعده. فإن وجود مبارك في الصورة والخطاب الدائر حول أنه أكثر رشادة، وحكمه أفضل من اللحظة، يظهر حجم النظام الحالي ويبرز مثالبه وفشله مقارنة بالنظام الذي تمت الثورة عليه، وفي هذا بعض العزاء ولكنه عزاء مغلف بضرورة تفكيك مقولة آسف للفرد وتأكيد أن الاعتذار ممتد للوطن وأشخاصه ولكل من عانى ويعاني ويدفع أثمان فساد وإفساد ممتد لعقود في ربوع المحروسة التي تستحق عالما أفضل وحرا وديمقراطيا.
كاتبة مصرية

آسف يا مصر

عبير ياسين

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية