أدلجة الأصوات المتعددة في رواية «أفرهول» للأردني زياد محافظة

حجم الخط
0

يستخدم زياد محافظة في روايته «أفرهول» الصادرة عن دار فضاءات للطباعة والنشر والتوزيع (2016) تكنيك تعدد الأصوات، أو زوايا النظر، وهو أسلوبٌ درج عليه كتاب الرواية منذ زمن. فمنذ صدور رواية «رباعية الإسكندرية» للورنس داريل (1957) والكتاب يواصلون استخدام هذا الأسلوب، وتوزيع السرد على عدد من الرواة هم شخصيات الرواية. فقام فتحي غانم باستخدام هذا الأسلوب في روايته «الرجل الذي فقد ظله» 1962 وبعده استخدمه غسان كنفاني في روايته «رجال في الشمس» 1963 ثم غائب طعمة فرمان في رواية «خمسة أصوات» 1967، ونجيب محفوظ في رواية «ميرامار» 1967، وجبرا إبراهيم جبرا في رواية «السفينة» 1970 وسليمان فياض في روايته «أصوات» 1972 ويوسف القعيّد في روايتيه «الحرب في بر مصر» 1974 و»يحدث في مصر الآن» 1976 وخيري شلبي في رواية «السنيورة» 1978، وغادة السمان في «ليلة المليار» 1986 ونبيل سليمان «في روايته «الأشرعة» 1990 وجمال ناجي في روايتيه «عندما تشيخ الذئاب» 2009، و»موسم الحوريات» 2015 وليلى الأطرش في روايتيها «أبناء الريح» 2013 و»ترانيم الغواية» 2014.
ولا يخفى أن هذا التكنيك يجرّد الراوي التقليدي من هيمنته على المتخيل السردي، فكل شخصية من شخصيات الرواية تؤدي دورا في رواية الوقائع، وسرد المجريات. لذا نجد في هذه الرواية عددا من الرواة الشخوص: مازن، وسليم، ومحمود، وسعاد، وثمة شخصياتٌ أخرى كثيرة تكتفي بدور المروي عنها؛ أبو الفضل القندهاري، وحمزة أبو يمان، وجيرمي واطسون، وخليل شكري، وسالم باشا، والشيخ كسّاب، وأبو سلطان، وقاسم بيك، وأم ناصر، وأبو ناصر، ومروان المعدَّل، وآخرون.
وهذه التقنية تتطلَّب إعادة رواية الحدث الواحد غير مرة، لكن من زوايا مختلفة، فرواية مازن عن إنشاء «الكوفي شوب» في أحد أحياء عمان (اللويبدة) تتقاطع معها، وتختلف عنها، رواية سليم الذي يعد المشروع حماقة من مازن، فمازن يحبّ عمان، وسليم لا يحبها، لأنها لم تحقق له حتى الآن شيئا. وهو يشعر خلافا لمازن بأنه لا يمتلك مكانا في هذه المدينة قط. وإذا كان مازن يرى في عمان المدينة التي تسلبُ العقول، وتبهر الأنظار، فإنها عند سليم تقشَّرت ملامحها، وطالتها التجاعيد من كل مكان. وفي موقع متوسط بين الموقعين يقف محمود عواد الذي يحب عمان كثيرا، على الرغم من أنه يعيش فيها كالغريب، فهو قرويٌ بسيط من ذلك النوع الذي يخجل، ويرتبك، دونما سبب. فمنذ أن التحق بالجامعة وهو يسمع بأذنية ما يقال عنه: مخبر.. بوق.. سحّيج.. وعودة مازن بعد غربته الطويلة تفتح في جسده جراحا ظنها التأمَت، وشفيت. فالعودة إلى أحاديث السياسيِّين تذكره بإخفاقاته المتكررة «عندما أطالع قوائم الوزراء الحاليِّين، والسابقين، وأصحاب المواقع في الدولة، تنتابني حالة من الضيق الشديد.. ما الذي ينقُصني؟».
مع هذه المواقف يتمسك الراوي الأول (مازن) بسلامة ما رواه، فهو لا يفتأ يكرّر في الإجابة عن سؤال «شو اللي جابك. ليش رجعت؟» بقوله «أنا عمَّاني أصيل» على الرغم من أن هذه العبارة تستفز كثيرين، وتخلف وراءها كومة من التوجُّسات. ومما يؤكد عليه دائما أنه رحل عن عمان بمحض إرادته، ويعود إليها بالإرادة نفسها، على الرغم من أن قراره بالعودة لم يكن سهلا، ولا يسيرا. وعندما أنشأ في اللويبدة «الكوفي شوب» اقترح عليه الماجد إقامة احتفال بالافتتاح، برعاية رئيس الوزراء الحالي، أو آخر سابق. وهذه الاقتراحات تشير في الواقع إلى اتجاه مضمر ينم على أدلجة الكاتب للشخوص، فهو إمبريالي، وسليم مُعارض يساري، ومحمود من الموالاة، وخليل شكري من رجالات الحكومة، وسعاد في روايتها لحكاية زواجها وهي في الرابعة عشرة تمثل أيديولوجية اجتماعية تشكو من الوضع المزري للمرأة، ومن إشكالية الزواج بالقاصرات زواجا تعسفيا ليس فيه تكافؤ، ولا عدل. وفي روايتها للأحداث اللاحقة تنحو بها منحى آخرَ، لأن هذه الحكاية تحدث تحولا جذريا في حياة كل من مازن وسعاد، بيد أن هذه التحولات توقفت في منتصف الطريق، لأن (مازن) تعرَّض للإصابة بمرض خطير (سرطان الكبد) ما أفسد خطَطَهما، علاوة على ما تعرض له من اقتحام منزله في دابوق، واحتراق «الكوفي شوب»، واضطراره للعودة إلى أمريكا في ما يشبه الهروب الاستباقي من اعتقال، أو تصفيةٍ على أيدي جهاديِّين متشددين. وقد يتنبه القارئ لتكرار رواية الشخوص للحدثِ الواحد غير مرة، وهذا طبيعيٌ في رواية كهذه. فعلى سبيل المثال، تروي لنا سعاد بقلق توقف الاتصالات مع مازن، وامتناعه عن الرد على الرسائل، فظنَّت أنه تخلى عنها، وأن الحب العميق الذي شعرت به تجاه مازن لا يعدو كونه سرابا في سراب، وقد أعاد المؤلف رواية ذلك على لسان مازن، الذي أضاف لهذه الرواية بعدا جديدا، وهو امتناعه المتكرر عن الرد لتأكده من إصابته بالسرطان، وتردده على جلسات العلاج بالكيميائي، فعدم الاتصال كان تجنبا لإخبارها بهذا، وحتى لا يسبِّب لها المزيد من القلق. ومن الأمثلة على اختلاف الرواية لاختلاف الراوي، ما يرويه محمود عواد عن تردد (حمزة أبو يمان) إلى «الكوفي شوب»، واكتناهه العلاقة الغامضة بين مازن، وهذا الإسلامي المتشدّد ذي الذقن المشذب، والدشداشة القصيرة الذي لا تغطي ربْلتي الساقين. وهذا الظنّ يتعمق في رواية أخرى يعزوها الكاتب لمازن نفسه. فالروايات عن بعض الوقائع تبدو متكرِّرة، لكن القارئ إذا دقَّق فيها، وأمعن النظر، ألفاها تعبيرا عن الاختلاف في الرؤية الكامنة في ذهن الراوي، وفي موقفه الأيديولوجي مما يرويه. وقد تكرَّرت أيضا روايته عن التحاليل، وعن التشخيص الذي أجْريَ له في مشفى ميمورويال، ففي المرة الأولى اكتفى الراوي بالتلميحات. وفي الثانية أضيف إلى التلميح شيءٌ من التحذير «ربما تسعة أشهر هي التي يمكن لجسمكَ الصمودُ فيها.. تسعة أشهر على أحسن تقدير.. ما لم تحدث معجزة طبيّة بالطبع».
وهذا المخطَّط السردي لا يتنافى مع وقوع بعض المفاجآت التي يترتب عليها تحولٌ كبيرٌ في السرد الروائي، وفي المكون السيكولوجي لهذا النموذج أو ذاك، من الشخوص. فدخول سعاد المرة الأولى لـ»الكوفي شوب» حدثٌ مفاجئ، إذا أردنا أنْ نكون واقعيّين، لكنَّه مع ذلك تترتبُ عليه تحولات في حياة كل من سعاد ومازن، وفي مجريات الأمور داخل المقهى، الذي يتردّد إليه وزير الثقافة السابق خليل شُكري. ومن المفاجآت أيضا تعيين سليم الماجد مستشارا كبيرا في رئاسة الحكومة، مع أن القراء يتوقّعون أن يظفر محمود عواد بهذا التعيين لا سليم؛ فهو الصحافي الذي أسهم لسنوات طويلة في تلميع الفاسدين، والتسبيح بحمد الحكومات المتعاقبة، والوزراء الحاليّين والسابقين. ولذلك فوجئنا بزيارة خليل شكري لمنزل صهره المعارض سليم الماجد كي يبلغه بالخبر: «أنا مكلف بنقل هذا الخبر لك، دولة الرئيس شطب كل الأسماء التي رُفعت له، وأبقى على اسمك أنتَ مستشارا أول برئاسة الوزراء، بإرادة ملكية، وبرتبة وزير. تعَقَّلْ، وزنْ الأمورَ بحكمةٍ.
هذه فرصة لا تتكرَّر». والأشد غرابة من هذا أن الماجد، الذي يدعي أنه من المعارضين، ويتمنى السفر لأن البلاد (خرْبانة) تقبَّل هذا التعيين على الفَوْر، واحتفى به، بل شرَع يدافع عن الحكومة، وعمَّا ترتكبه من أخطاء، ففي روايته للمُجْريات، يقول «خلال الفترة التي مرَّت على تعييني مستشارا في الرئاسة قرَّبني الرئيس إليه، فلازمته أطول مدة ممكنة، ووضعتُ يدي على كثير من الملفَّات.. وكُلفْتُ بمهمّاتٍ حسَّاسة».
ولا يفتأ يُعدد الامتيازات التي يحظى بها في هذا المنصب. ولا يحمرُّ وجهه خجلا من الدفاع عن الحكومة، وعن الأوضاع المزرية، يقول بعد أن استفزه الصحافي محمود عواد «أسهلُ شيء في هذه الحياة أن ترمي التهم جزافا. وتشكِّك في الشرفاء. هذا أكثر ما يجيده الناس هنا. مشكلتنا أننا دائمو التذمُّر، ولا يعجبنا شيء. أحيانا أشعر بأننا نعاني من ضيق الأفق، فنخْذلُ ـ للأسف ـ قياداتنا الفذَّة.. ونطعنُ رجالات الوطن».
ولو أنَّ الذي قال هذا الكلام قاله قبل أن يُعين سليم الماجد مُستشارا، لحمل عليه سليم، واتهمه بالنفاق، والفساد، ولهذا يحاجِجُه محمود عواد ـ المسْتَوْزر السابق ـ قائلا: «هياكل كرتونية، هشاشة.. سرابٌ لا أكثر. كلُّنا سنفيق يوما على خديعة كبرى. عندها لا شيءَ غيْر النَدَم والمرارة».
وتبعا لما سبق يستطيع القارئ القول عن التكنيك الذي يتبعه محافظة في نسْج روايته هذه: إنه صورة من أُخَر عدّةٍ يتراءى لنا فيها صراعُ الإيديولوجيات، مما يذكرنا بما كانت تكرّره جوليا كرستيفا من أن النصّ الأدبي ـ قصيدة كان أم رواية أم قصة ـ يُكتبُ ويقرأ، في فضاء تتزاحم فيه وتتكدسُ، نصوصٌ وخطاباتٌ أخْرى، وهو عبر هذا كلّهِ يؤدي وظيفة خاصة به، لا بغيره، تسميها بكلمةٍ موجزة «الأدلجة».

٭ ناقد وأكاديمي من الأردن

أدلجة الأصوات المتعددة في رواية «أفرهول» للأردني زياد محافظة

إبراهيم خليل

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية