ألو: «المهدي المنتظر» معك! فيصل القاسم: بعدين فيك يا زلمة!

إن كنت لم تزل ترى البطحة أيها المشاهد، فانس أمرها، وتذكر من يُحَسّس عليها، ولو كُرمى للمثل الشعبي الذي يعرف تماما كيف ومتى يعض على الوجع بأنياب لبنية، خصوصا في ميمعة الرقص الجماعي المتبادل بين الفضائيات العربية، حيث انقسم العربان بين «داحس» الروسية و«الغبراء» الأمريكية، ولم يتبق للقبائل الإعلامية ما تنتف شواربها رهانا عليه بعد الطغاة، سوى الغزاة، فماذا تريد أكثر من هكذا هَزُلَتْ ومن أمة ضحكت، ومن صحون تولعت بالخراب وولعت، فتحزمت بالفتنة حتى تفرقعت؟
بطرفة عين، تخلى المصفقون لترامب عن أياديهم، وبدل الراقصون خصورهم، على طريقة تبادل أسرى الحرب، فبحلقت عيون وغمزت أخرى.

فيصل القاسم وإيان بلاك!

سمير هواش كان مفاجئا في حلقة «الإتجاه المعاكس» لهذا الأسبوع، حين وضع أمريكا وروسيا وإيران في سلة واحدة، إلى الحد الذي دفع فيصل القاسم للتصفيق له على الهواء، قبل أن يأخذ القاسم الحلقة إلى حلبة المواجهة مع الذات بكل تناقضاتها، وهي أصعب المواجهات المعاكسة، فيكشف حيلة الهواش ويسقط قناعه، تاركا الضيف المعارض لشتائمه ولعناته، دون أن يستسلم لخديعة المنطق، التي استهل بها الهواش إفادته!
في تحايل رديف وتكتيك مطابق تواطأ القاسم مع ضيفه مستعرضا مشهدين: التصفيق الإعلامي الموالي للقصف والاحتلال الروسي والرقص على جثث ضحايا المعارضة السورية، ثم التصفيق لضربة رمزية لترامب والرقص على أعزوفة إسقاط الأسد الكيميائي، مذكرا بتزعم روسيا للحلف الدولي العسكري، الذي يحتل الوطن السوري بحجة ضرب «داعش»، وتغاضي الروس عن إنزال القوات الأمريكية في الرقة قبل ضربة المطار، ثم تقاسم الحصص بين الغزاة، لتستعيد ما فضحه إيان بلاك يوما في صحيفة «الغارديان» عن السفارة الإيرانية في دمشق، محذرا مما هو أكثر من مجرد تمثيل دبلوماسي، ملمحا لمستعمرة أصفهانية فيها، رغم أنه ركز أكثر على التمويل العربي للجهات الإرهابية، وربما لهذا عليك أن تسأل: لماذا قد يغادر بلاك «الغارديان» الآن؟
وعودة للقاسم، الذي خرج منتصرا من هزيمتين في حلبة واحدة، يتأكد لك أيها المشاهد اللعنات، التي تصلك من ضيوفه صارخين في سرهم: وبعدين فيك يا زلمة! حين يطيح بحيلهم متحايلا عليهم بمراس متمكن وطويل يشي بخطر هذا الإعلامي على الجهلاء والعبيد والحقيقة، فكلما تعتق على الشاشة أكثر، أسكر وعي المشاهد أكثر، فهل تخاف من وعيه أم من حيله!

«البتاع» وقفة عز!

بعد كل هذا الخراب، الذي أضاع البلد ليُبْقي على الأسد، هل كان ضيف القاسم المعارض على حق عندما تمنى لو احتل الأمريكان سوريا وأطاحوا برئيسها، كما فعلوا في العراق؟ هل انتهت بنا معاركنا الرخيصة ونفاياتنا الوطنية «الحروب الأهلية» إلى هذا الدرك المهين؟ ثم من يرون في الاحتلال الروسي وجودا، وليس احتلالا بينما يتنافخون شرفا وهم يدينون الضربة الأمريكية نسوا أنفسهم وهم يردحون للكويتيين، الذي طلبوا النصرة من حليفهم الأمريكي لحماية بلادهم من أشقائهم!؟ فهل هو عار على آل الصباح شرف لبني الأسد؟
لا تسأل عن العز، فالمروءة والشجاعة لا تمت لهؤلاء بصلة، مصالحهم هي التي تحركهم، يغلفونها بورق السلوفان لتبدو أكثر لمعانا فتخطف الأبصار وتنسيك ذاكرتك، التي تفضح عنصريتهم ونظرتهم الدونية لعرب الخليج أو ربما شعورهم بالنقص، وبالتالي تواطؤهم مع الروس والفرس لإبادتهم، ويحهم عن أي عز يتحدثون؟!
كشفهم غزاتهم وهم يحاولون ستر عورات طغاتهم، فالمعارضون كانوا يتامى قبل ضربة «الشعيرات»، التي نعنشت نكاياتهم، والموالون كانوا منتفخين كغدة حويصلية، فما أن طخطخ الهندي الأشقر، حتى انكمشت فحولتهم، حال الطرفين كحال الذي (أسلم الظهر ومات العصر، لا عيسى تشفع له ولا محمد درى فيه)!

كولومبس والولي الفقيه

أرسل لي المحررالكريم أنور القاسم قصة طريفة عن كولومبس وقمر الهنود الحمر، الذي استطاع اختراق وعيهم بالمزج بين الأكذوبة والحيلة، بعدما أخبره الفلكيون المرافقون بأن خسوفا كاملا للقمر سيحدث، دفعه لتهديد الهنود بسرقة القمر منهم إن لم يزودوه بالتموين الكافي لطاقمه، فلما غاب قمرهم، هرعوا إليه بكل ما ملكت أيمانهم يستجدون رضاه.
أما وقد استعادوا طقوسهم الاحتفالية به، فقد خسروا جنة، لم يزالوا يبكون على ضياعها في قبورهم، حتى اليوم، وهو ما ذكرني بلقاء عمرو أديب مع د. صادق النابلسي، أستاذ العلوم السياسية في الجامعة اللبنانية، حيث أحرجه أيما إحراج بأدبه في الحوار واحترامه للطوائف واعتذاره المسبق عن أي سؤال، رغم حقه المهني والإنساني به، ليريك حجم الاستغلال الديني للترويض السياسي والمغنطة الثقافية والقومية عند الإيرانيين وأتباعهم، وهو يتدرج بأسئلته ليصل إلى لب الكارثة، وقد بدأ بسؤاله عن المرجعية الدينية، التي أكد النابلسي قدسيتها والتبعية الكاملة والعمياء لها في كل صغيرة وكبيرة، والتي لا يمكن أن تكون سوى في مدينة «قُم المقدسة»، واحتكارها و«النجف الأشرف» لحق الفتوى، وهو ما أثار استغراب أديب، الذي تساءل عن الكتب المقدسة في ظل هذا الاحتكار، خاصة وأن النابلسي كشف عن المؤهلات الإدارية والسياسية المطلوبة لتعيين مفت ديني فيها يأثم كل من يخالفه، ولما تساءل أديب عن احتمالية تغيير المرجع لفتواه، اعترف النابلسي أن الظروف والمصالح لها الدور الرئيسي في هذا، لتتيقن من خضوع المرجعية للمزاج السياسي بما ينفي قدسيتها، فمرونة القدسية تعزز ثباتها ولا تخضعها للمتغيرات، وما دام المرجع صاحب ولاية سياسية بصلاحيات مفتوحة، كما أقر الشيخ، فإن الاقتناع بفتواه تلزم باعتناقها، ليسأله أديب: ماذا عن إرادتك واختياراتك وعقلك كإنسان؟
لتأتي الإجابة صادمة مزلزلة لكل المعايير الإنسانية على النحو التالي: «نحن عندنا عقل، ولذلك نؤمن بما يمليه علينا عقل المرجعية»، مضيفا: «هناك أمور غيبية لا يحق لنا أن نسأل عنها، علينا فقط اتباعها»، ليحتج أديب على هذا المنطق قائلا: «الأمور الغيبية بتاعة ربنا، والمرجعية بشر مش إله»، فما أن وصل الحوار إلى القومية الدينية حتى ثارت ثائرة الضيف متمسكا بعروبته، رغم التزامه بالتبعية لأي فتوى عجمية تبيح احتلال البحرين والجزر الإماراتية!!!

الكذب الإعلامي في مصر

أحداث مصر تنذر بأهوال القيامة الأخيرة منذ التفجيرين الإرهابيين على الكنيستين وحتى القنص الداعشي للجيش المصري في سيناء، وباعتراف الإعلام المصري نفسه فإن مصر «اتضربت يا جدعان»؟
كان لافتا حزن عبد الصمد ناصر، وهو يتلو خبر التفجيرات والاختراق الداعشي المصور للجيش، ولا أخفيك أنك تحب حزنه، وإن بدا جديا، أكثر من القلق الذي تشاهده في وجه إعلاميي مبارك، لأنك لا تتمنى أن ترى غيره، وربما لهذا تحترم تصريح الإعلامي المصري فاروق شوشة، وهو يقر بالعمل لواحد وأربعين عاما في الإذاعة المصرية وثلاثين عاما في التلفزيون المصري، يعايش الكذب اليومي والضحك على العقول مختارا أن يبتعد عن مهاجمة الخصوم وتوجيه الوعي والحملات الإعلامية وطبخ الأخبار واحتيال الأنظمة، مسقطا ما قاله شوقي على الشعب المنوم إعلاميا: «يا له من ببغاء عقله في أذنيه/ أثر البهتان فيه وانطوى الزور عليه»… ليذهب الإعلام إذن ويحيا الجيش المصري العظيم!

كاتبة فلسطينية تقيم في لندن

ألو: «المهدي المنتظر» معك! فيصل القاسم: بعدين فيك يا زلمة!

لينا أبو بكر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية