أيدير يغني في الجزائر

حجم الخط
7

دلالات كثيرة، تحملها هذه العودة للغناء في الجزائر من جديد، لهذا المغني الجزائري من أبناء منطقة القبائل، الذي وصل فنيا للعالمية. عاد إيدير بعد غيبة طويلة، قاربت الأربعين سنة. قاطع فيها هذا الفنان القبائلي الغناء في الجزائر كتعبير عن موقف سياسي، في حالة أمازيغية جزائرية، تخبرنا أن الغناء كان حاضرا دائما، على رأس أهم أشكال تعبيرها الفني والسياسي. حركة أمازيغية كانت وما زالت من أكثر الحركات الاجتماعية تأطيرا نخبويا وسلمية، رغم طابعها المعارض الشرس منذ الاستقلال.
عودة إيدير للغناء في الجزائر لم تعجب فنانا آخر، هو فرحات مهني، الذي يقود منذ سنوات حركة «الماك» التي تدعو إلى انفصال منطقة القبائل عن الجزائر. فرحات، ابن الشهيد، الذي انتقل من النضال السلمي من أجل القضية الأمازيغية كاعتراف باللغة والثقافة، في جزائر المواطنة والديمقراطية، إلى تكوين حكومة والمطالبة بالانفصال، ضمن مواقف متشنجة، أوصلته إلى تل أبيب.
عودة إيدير للغناء في الجزائر التي يمكن عدها مؤشرا إضافيا عن اتجاه عام سائد جزائريا، منذ سنوات، عند الحديث عن المسألة الأمازيغية، فقد ساد منطق الاندماج الوطني والتجانس كاتجاه غالب، التحق به المستوى السياسي مؤخرا، بعد الاعتراف الدستوري بالأمازيغية كلغة وطنية ودستورية. قبل هذا الاعتراف القانوني الذي جاء بالتدريج، وبعد نضالات طويلة كان هناك اندماج ديموغرافي كبير، ميز منطقة القبائل تاريخيا، مقارنة حتى بالمناطق الأمازيغية الأخرى. فالفتاة القبائلية كثيرا ما تتزوج من كل مناطق الجزائر، أكثر ربما من الرجل القبائلي، مما قد يطرح مستقبلا إشكالية المحافظة على اللغة الأمازيغية التي كانت من المهام المنوطة تقليديا داخل الأسرة، بالأم القبائلية.
زيادة على هذا المعطى الديموغرافي المهم الذي يؤسس لأمة جزائرية متجانسة، هناك المعطى الاقتصادي والسياسي الذي يمكن التأكد منه بالعين المجردة. فقد استطاع أبناء منطقة القبائل الاندماج الاقتصادي المبكر داخل النسيج الاقتصادي الوطني، ربما أكثر من أبناء مناطق أخرى، لدرجة تبيح لنا الكلام عن برجوازية قبائلية حاضرة بقوة في القطاع الخاص.
حضور مماثل نجده في القطاع العمومي وبيروقراطية الدولة، بما فيها الجيش واجهزته الأمنية، لأبناء المنطقة نفسها ، يثير حساسية و»غيرة» الكثير من أبناء المناطق الأخرى، الذين لم يصلوا الى مثل هذا المستوى من الحضور على رأس هرم مؤسسات الدولة المختلفة. اعتبارات كثيرة تفسر هذا التميز القبائلي المنتج لهذا المستوى الكبير من الاندماج الوطني وإنتاج النخبة بمختلف أنواعها. القرب الجغرافي لمنطقة القبائل من العاصمة والهجرة إلى فرنسا وداخل مناطق التراب الوطني الأخرى، والانتشار المبكر للتعليم، يمكن عدها من العوامل المفسرة لهذا التميز القبائلي، الذي يظهر على شكل مؤشرات تنمية عالية تعرفها المنطقة، في كل المجالات كالصحة والتعليم وغيرها من مؤشرات التنمية البشرية الأخرى، تقربها من تلك الموجودة في المدن في بعض الأحيان. رغم كل هذا التميز فقد عرفت المنطقة وابناؤها بنزعة عالية من المطالبة السياسية والاجتماعية، لنكون أمام تأكيد لهذه المقولة السوسيو- سياسية، أن الذي يطالب أكثر، يريد ان يندمج أكثر، فما المطالبة إلا شكل من اشكال التعبير عن نزعة نحو الاندماج الوطني، حتى لو كانت عنيفة جزئيا وبتعبيرات سياسية معارضة.
فهل هذا القانون السوسيولوجي ينطبق كذلك على حركة «الماك» الانفصالية التي يترأسها مطرب آخر، هو فرحات مهني؟ التاريخ وحده من سيجيب عن هذا السؤال المهم. لكن لن يمنعنا هذا من القول إن حركة فرحات مهني قد جاءت متأخرة عن المسار الفكري والسياسي الذي مرت به الحركة الامازيغية في منطقة القبائل والجزائر. فقد تخطت الجزائر والمنطقة مرحلة الطرح الهوياتي والثقافي الذي حل في جزء كبير منه كإشكال بعد الاعتراف بالأمازيغية دستوريا. وكما عبرت عنه رمزيا عودة ايدير للغناء في الجزائر من جديد، بعد مقاطعة طويلة.
مستوى الاندماج الكبير المتعدد الاشكال والمستويات الذي انجزه أبناء منطقة القبائل داخل الجسم الاجتماعي، الاقتصادي والسياسي الوطني، يجعلنا نقول إن حركة فرحات مهني، تمثل الاتجاه – الأقلية، المعاكس لهذه الاتجاهات الثقيلة السائدة وطنيا وداخل منطقة القبائل، وقد تكون ردة فعل عنها، قبل كل شيء. حركة فرحات، من وجهة النظر هذه، تعبير عن شعوره بأن هناك من «هرب له بالبغلة «، كما يحلو للجزائريين التعبير في مثل هذه الحالات.
ليبقى التعويل الأساسي لهذه الحركة المطالبة بالانفصال، على المعطى الدولي الذي يمكن أن يكسر هذه الاتجاهات السائدة وطنيا في حاله تدخله كعامل مهم، في حالة فوضى ممكنة نظريا. تعود الجزائر من خلالها إلى السير في هذا المنطق الدولي الذي يبحث عن كل ثغرة، مهما كانت صغيرة، ذات طابع إثني أو ثقافوي للمرور من خلالها لتفجير المجتمعات والدول. اتجاه دولي قد يلتقي، لا قدر الله بغباء سياسي وسوء تقدير، أكد الكثير من المحطات انه حاضر رسميا هذه الأيام، كما برز ذلك في تصرفات وتصريحات مسؤولينا السياسيين في المدة الأخيرة تحديدا. فقد أكدت الاحداث، عدة مرات، على أن ما تنجزه الدولة الوطنية وما يحققه المجتمع الجزائري على أرض الواقع من إنجازات، يمكن ان يفسده ويشوش عليه النظام السياسي ورجاله. إمكانية لا يمكن الاستهانة بها حتى لو كانت الاتجاهات الموضوعية على الأرض وطنيا تكذبها، كما رأينا ذلك وكما يعبر عنها مستوى التجانس الاجتماعي العالي الذي يميز الحالة الجزائرية.
كاتب جزائري

أيدير يغني في الجزائر

ناصر جابي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية