لا بد أن ينتهي من يبحث في مفهوم التخييل إلى كونه قد اقترن في الأغلب بالنصوص الحكائية، ويعود السبب في ذلك إلى الرؤية إليه من زاوية مرجعية أرسطية. والركيزة الرئيسة في ذلك، المحاكاة وقيامها على الفعل أساسا. وكل إنتاج لا يراعي هذه الركيزة أو يفتقر إليها يستبعد من مجال التخييل، وهذا ما نلمسه في الكثير من الكتابات النظرية التي لامست المسألة، وفي مقدمتها ج. جينيت الذي يضع التخييل (بوصفه يحدد المظهر الأدبي للنص) مقابلا للتعبير (بوصفه يرتبط بالمظهر اللفظي للنص).
ويقسم الأدب تبعا لذلك إلى تخييل وشعر، ويقصي الشعر بموجب هذا التقسيم من مجال التخييل، ومن ثمة يصير هذا الأخير مماثلا لما هو سردي، أو درامي. لكن هذا الإجراء النظري يعد في نظرنا غير منصف البتة تجاه الأدب نفسه قبل أن يكون منصفا تجاه الشعر. ومرد رفضنا لهذا التقسيم، وما يترتب عليه من إعادة النظر في مفهوم التخييل، إلى حجتين رئيستين: الحجة الأولى تعود إلى المرجعية الأرسطية نفسها؛ ومن ثمة يكون الاستدلال نابعا من ضرورة فحص الاتساق النظري والمنطقي للمسألة انطلاقا من داخل هذه المرجعية. والحجة الثانية ماثلة في مدى صحة حصر محتوى التخييل في صيغة إنتاج فني واحدة، وعدم التساؤل عما إذا كانت تحتمل توسيعا لها، خاصة إذا أدركنا أنها مأخوذة من اللفظة اللاتينية fictionem التي تعني عدة معان مختلفة من أهمها معنيان هما: الخلق inventer وفعل الخيال imaginer. وعلينا أن نبسط الحجتين معا قبل تقرير النتائج التي تترتب على ذلك.
بسط الحجة الأولى:
عادة ما جُعل التخييل مساويا للمحاكاة mimésis اعتمادا على أرسطو، وذلك بوضعها في تقابل مع اصطلاح diégèsis الذي يشير إلى الكلام الذي يتحمل فيه الشاعر مسؤوليته، وينقل عبره كل شيء، ومن خلاله، ولا يُسند إلى الآخر، ومن ثمة يمكن عد مقابله (أي المحاكاة) بمثابة الكلام الذي يسند إلى الشخصيات من دون تدخل كلام الشاعر. فهذا التحديد تام بوساطة الصيغة، ويطرح مشكلة ما إذا كانت المحاكاة صيغة إنتاج ومبدأ له، أي تمثيل العالم (لا تقليده)، بما يطرحه هذا التحديد من علاقة بالواقع (و/أو الحقيقة). هذا التساؤل هو الحاسم في فهم المسألة إلى جانب التأكيد على أن الحكي لا يعتمد على صيغة المحاكاة وحدها، بل أيضا على صيغة «التسريد» التي نفضل أن نترجم بها مرحليا لفظة diégésis، بل تكاد هاته الصيغة الأخيرة مهيمنة تحدد الفعل السردي، ولربما هذا ما كان أفلاطون يحدد به الفنون أو يصنفها به استنادا إلى التلفظ (من يتكلم؟) في الكتاب الثالث من «الجمهورية». ويمكن القول اعتمادا على هذا التوضيح إن الفنون هي محاكاتية من حيث المبدأ، وقد تكون غير محاكاتية من حيث الصيغة، أو تجمع بين المحاكاتي وغير المحاكاتي داخل فن واحد. أما اعتماد التخييل مساويا للمحاكاة، وحصره في السردي أو الدرامي، فيتعارض مع جعل أرسطو الفن محاكاتيا، سواء أكان تاما بوسيلة الشعر أم بوسائل أخرى غير لفظية من قبيل الرقص والنحت والموسيقى، بل يجعل من اللغة ضربا من الصناعة المحاكاتية.
وإذا كان الأمر كذلك فكل صنف شعري ينبغي أن يندرج في خانة المحاكي، وإلا اتسمت النظرية الأرسطية في الشعر بالتناقض، ووقتذاك سنكون مجبرين على إصلاح الضرر بأحد إجراءين: إما أن ندع أرسطو جانبا، ونفكر في بديل نظري أكثر اتساقا، وإما أن نحاول إعادة النظر في المسلمات التي كونت قراءتنا لأرسطو بما في ذلك مفهوم المحاكاة. وفي كلتا الحالتين ينبغي أن نتخلى عن المفهوم السائد حول التخييل لأن تبعات نظرية وإجرائية غير مرضية ستترتب على الإبقاء عليه بالفهم الحالي. وفي نظري يعد الإجراء الثاني أكثر مقبولية، والنظرية الأرسطية لا ترفضه، بل تقبله، وذلك بموجب إعادة قراءة «البويطيقا» من خلال رؤية غير مجزئة. وهذا الإجراء يسمح لنا بحل مشكلة إدراج الشعر أو عدم إدراجه في المحاكاة. ولكي يتحقق ذلك لا بد من التمييز كما قلنا بين مستويي المحاكاة: مستوى كونها مبدأ منتجا، ومستوى كونها صيغة في القول. ففي المستوى الأول يكون الشعر محاكاتيا، فيقبل النظر إليه من زاوية التخييل بفعل عده خلقا invention، وهو شبيه بكل الصناعات في هذا الأمر، ومن ثمة تطرح علاقته بالحقيقة، والواقع. وهذا يعد- في الحقيقة- الخلفية التي كانت تعمل خلف التصنيف الفني في العصر اليوناني؛ وبهذا يمكن قراءة المحاكاة على نحو يغاير ما هو سائد في المرجعيات الغربية القديمة والحديثة، التي بنت تصورها في هذا الصدد على أرسطو.
بسط الحجة الثانية
يسمح لنا ما استعدناه من لفظ التخييل اللاتيني من معنيين (الخلق وفعل الخيال)، وكذلك إعادة النظر في فهم المحاكاة كما بسطناه آنفا، بتوسيع مفهوم التخييل بغاية مراجعة مدى عدم تخييلية الشعر. وعلينا أن نقرر بدءا أن التخييل ليس هو اختلاق الحكايات، بل هو أوسع من ذلك بكثير؛ إذ لا يطول – من حيث عده فعل اختلاق (و/ أو خلق)- الأفعال في علاقتها بالماهيات والوقائع (حكي الأحداث) فحسب، بل الأقوال أيضا بوصفها مخيَّلة لا من جهة علاقتها بالحقيقة، ولا من جهة ابتكارها (حكي الأقوال). كما يطول التخييل الشكل التأليفيَّ (الجانب المادي من الإبداع: الإيقاع- الخط – الكلمات- الحروف…الخ)، والشكل المعماريَّ (الجانب الأخلاقي: موقف الكاتب) الذي يُؤسِّس الموضوعَ الجماليَّ (Bakhtine).
وينبغي في ضوء هذا الفهم تجاوز التقابل بينه وبين التعبير dictionالذي سجنه فيه «ج. جنيت» إلى مد فعاليته الفنية إلى البناء والطريقة اللذين يُمثَّل بواسطتهما الموضوع الأدبي، وصياغتِه فنيا، ولا يتعلق الأمر هنا بالصيغة وحدها، وإنما بمجمل مكونات العمل الفني. فالتخييل فعل صناعة يتدخل في المادة الجمالية ليصوغها على نحو مخصوص كي تقدم إلى متلقٍ معين، والانتقال به من مجال العالم الجاري أمامه إلى مجال عالم آخر مختلق. وينبغي هنا استعادة كل من «كانت» و»وردزورث»؛ حيث يرى الأول بأن الخيال يركب الصور غير المترابطة في الذهن، ويغني الثاني فهم كانط بإضافة وظيفة الانسجام على عملية التركيب التي يمارسها الخيال، ومن ثمة فالتخييل هو العمل الذي يمارسه الخيال، والذي يقوم على الجمع بين المتنافر وإنتاج واقع جديد، وهذا ما فعله بول ريكور في كتابه «الاستعارة الحية»؛ حيث جمع بين إيمانويل كانت ووليام وردزورث، فعد الاستعارة داخلة في عدم التلاؤم المحمولي، ومنتجة واقعا جديدا بفعل خلق التلاؤم داخل عدم التلاؤم.
ينبغي الإدراك- في إطار توسيع مفهوم التخييل هذا- أن الكاتب لا يُخَيِّل موضوعه بخلقه خارج عالم الوقوع فحسب، بل يخيل أيضا الطريقة التي يُمثِّل بها هذا العالم، ويُقدم جماليا، هذا إلى جانب تخييل البعد الخلقي بتخييل إسناداته إلى شخصيات مُحدَّدة. فالروائي غابرييل كارسيا ماركيز لا يُخَيِّل، في روايته «الحب في زمن الكوليرا»، حاسّة الشم عند فيرمينا داثا بوصفها دالة على فعل استثنائي يخالف العرف الواقعي في التعامل مع الملابس، بل يُخيِّل أيضا الموقف الأخلاقي من الشم، والماثل في شك فيرمينا في زوجها، ويزداد هذا الموقف الأخلاقي تخييلا بجعله مصوغا وفق خلفية عقدة الذنب تجاه «فلورينتينو أريثا»، ولا يقف التخييل- في هذه الرواية- عند بناء الموضوع والموقف الأخلاقي، بل يمتد إلى التأليف الصوتي (تركيب الصور عند كانت غير المرتبطة)؛ فالاسمان فيرمينا داثا وفلورينتينو أريثا يكادان يتماثلان في مادتهما الصوتية، ويظهر التخييل فيهما أكثر على مستوى تماثل بدايتهما (ف) مع تماثل بداية الرواية التي تجسم بداية الحب بينهما، وتماثل نهايتهما (ثا) مع نهاية الرواية الماثلة في استعادة الحب مرة أخرى بينهما في زمن الشيخوخة مرة أخرى، بل أن التصغير الذي يطول الاسم فلورينتينو- من حيث تركيبه المورفولوجي- دال على التشخيص الروائي الذي يطول حامله؛ حيث يوصف بكونه قميئا غير جذاب.
تترتب على ما أتينا عليه من تفصيلات- عقب مراجعة مفهوم التخييل- نتائج مهمة نحددها في ثلاث قضايا ينبغي التفكير فيها بجدية: ا- إعادة النظر في إشكالات نظرية وإجرائية نقدية تتعلق بنظرية الأجناس الأدبية، خاصة على مستوى المحاكاة؛ إذ لم يكن لاستعمالها صلة بالتصنيف، بل بأمور تتعلق بالحقيقة، وبكيفية الوسائل التي تعتمد فنيا للتعبير عنها. وإقرار حقيقة من هذا القبيل يسمح بإعادة النظر في إشكالية الجنس الأدبي، ومدى حضورها في العصر اليوناني. ب- إعادة النظر في نسقية الشعر أو عدمها (رولان بارث)، وعلاقته بأصوله الأولى، وعدم مراعاة النسقية الفلسفية العقلانية المبدأ الأسطوري السابق عليها بسلبه حقه في أن يمتلك نسقه الخاص به في علاقته بتخييل الحقيقة. ج- إعادة النظر في كثير من التسميات التي وضعت من أجل حل إشكالات إبداعية جديدة، ومن ضمن ذلك التخييل الذاتي كما هو محدد اليوم في الأدبيات التي تؤسس مفهومه.
أكاديمي وأديب مغربي
عبد الرحيم جيران