إلى فيصل القاسم أو «الاتجاه المعاكس»

حجم الخط
14

يستدعي فيصل القاسم وبرنامُجه «الاتجاه المعاكس» كلٌّ منهما الآخر، إذا ذُكِر القاسم حضر إلى الأذهان البرنامج، وإذا حصل، وناب منابَه إعلاميٌّ آخَر أحسّ المشاهدُ بنقصانٍ ملحوظ في الحيويّة، أو في الانسجام. وكأن «الاتجاه المعاكس» صار الاسم الحركيَّ للقاسم. وليس النجاح الذي لا يزال يحافظ عليه هذا البرنامجُ – وللقبول الشخصيِّ لمُقدِّمه أثر جليّ فيه- بالأمر المُتكرّر، أو المتكاثر، بالقياس إلى برامج تلفزيونيّة، أو حتى حواريّة، فلذلك يستحقّ أن يُسلَّط عليه الضَّوْء؛ لما يتوفّر عليه من قدرةٍ تأثيريّة في وعي الإنسان العربي الراهن، أو في مزاجيّته النفسيّة.
ويُعَدُّ القاسم، وهو الإعلاميُّ الذي يحمل الدكتوراه في الأدب الإنكليزي مثالا رائعا على تنزيل المعارف والنظريات من عَليائها إلى التجلِّي الواقعي؛ وذلك بتفعيل بعض تقنيّات الفنِّ المسرحيّ، من قبيل الحوار الديناميكيّ، والصراع، وحتى التنغيمات والتلوينات في نبرة الصوت التي يحرص عليها مُقدِّمُ البرنامج، ولا سيما في المقدِّمة، وكذلك طبيعة اللغة التلفزيونيّة المُكثَّفة، دون التعالي على المشاهد العادي، بل حتى بالاقتراب منه؛ من خلال التعبيرات، والأمثال الشعبيّة الشائعة واللاذعة…
لكن المخاوف مشروعةٌ أن يصبح اللقاء الأسبوعيُّ الذي مِن المفترض أنه قائم على الآليّة الجدليّة، بمقابلة الرأي بالرأي؛ ليتولَّد من احتكاكهما، أو اصطدامهما، نورُ الحقيقة، أن يصبح مجرَّد عرضٍ، أو show)).
أعرف أنَّ الدكتور فيصل القاسم ليس من أنصار نظريّة « الجمهور عايز كِدا» وليس هو ممَّن يؤيِّد مجاراة متطلَّبات المشاهدين الإثاريّة فقط، مع أنَّ الإثارة مطلبٌ مهمٌّ لهذا البرنامج الذي يكتسب أحقيّةَ وجودِه من تميِّزه هذا، وهو يستهدف فئاتٍ أوسعَ من (النُّخبة) التي تتعامل بالعقل الهادىء، أو الأكاديمي.
وأحسُّ بأن كثيرا من المثقفين يحصل معهم ما يشبه الإدمان على متابعة البرنامج، مع أن قسما منهم قد يستاؤون بعدَ مشاهدة بعض حلقاته، ولم يكن هذا ليحدث لولا السِّمات الجاذبة التي يوظّفها، وتنجح في استمالة الناس، على اختلاف مستوياتهم الثقافية والتعليمية، وهي من قبيل الطبيعة الجدليَّة، وكذلك الراهنيّة الساخنة، والزَّخم التفصيليّ للأحداث المتطوّرة، بأسلوبٍ مباشر، وصريح، وجدّية التقصّي، وجدّية الالتزام في موضوع الحلْقة.
قد لا نبالغ لو قلنا إننا نحتاج، عمليّا، لا نظريّا، إلى طرائق في النقاش والحوار ترتقي بالتفكير، إلى قدرٍ من الموضوعيّة، أو لِنُقْل إلى قدرٍ من الفائدة والجدوى، نحتاج إلى إعلاء قيمة الحجّة والرأي الذي يخاطب العقول، لا الغرائز العدوانيّة، ولا سيما أن هذا البرنامج المُخضرَم شهد مرحلتين: السابقة لـ « الربيع العربي» والثورات والاحتراب الداخليّ، والمرحلة الراهنة، فقبل «الربيع العربي» كانت التطوّرات التي يمكن أن تتمخّض عن الحلْقة محدودة، إلا مِن أزماتٍ معيّنة، مع بعض النُّظم العربية التي كانت تستاء من رفع سقف الحرية في البرنامج، بما يتجاوز الخطوط الحُمْر التي كرّسها إعلامُ تلك النُّظم عقودا من الزمن، أما اليوم فالتّوتر الشديد يلابس الحلقةَ، قبلها، وفي أثنائها، ومِن بعدها قد تتوالى التداعياتُ كالتفاعل الكيميائيِّ المتسلسِل.
هنا الصعيد حواريٌّ، هكذا يُعلَن، وهذا يَفترض الحفاظَ على الحدود الضرورية للحوار، ولو شكليّا، وكوننا لا نعوّل كثيرا على الحوار، ولا سيّما العربيّ منه، في هذه الفترة المشحونة، لا يعني أن يستحيل (الحوار) إلى حالةِ تفريغ، أو فرصة للشحن العاطفي؛ لأنه حينها سيفقد مبرِّر وجوده.
وللأسف الشديد فإن الانقياد إلى التهجُّمات الشخصيّة هو ما يُفشِل الحلْقة، سواء استمرّت على هذا النحو إلى آخرها، أم توقّفت بعراك المتحاورين، أو بقرار من مديرها القاسم نفسه. ومع ذلك لا يملك البرنامجُ سلطةً قويّة على المتحاورين، لكنه قد يستطيع أن يكرِّس تقاليد خاصّةً به، فعلى سبيل المثال، مثلما يحرص القاسم على عدم المقاطعة، ولا يسمح بالخروج عن الموضوع، فإنه من المُؤمَّل أن ينجح، أيضا، في رفع مستوى النقاش، بالإصرار على منع التهجُّم الشخصيّ، ولو بتجنُّب استضافة الأشخاص المتوقَّع منهم ذلك.
وإلا يُعمَل على تلافي هذه الحالات الخارجة، فإننا نخشى أن تصبح التهجُّمات، والعنفُ الفعلي، مُوضةً، أو تعويضا عن خذلان الكلمة، والمُعطيات الفكرية. ولا أتوقَّع أن يتقبَّل المشاهد العربي، أو يتطبَّع عقليّا وشعوريا مع هذه الاشتباكات على الهواء مباشرة، وما يتخلّلها من شتائم.
وإنَّ صمود البرنامج إلى آخره لا يعني نجاحَه بالضرورة، إذا ارتيأنا أنَّ مرجعيَّته، أو معيارَ نجاحه، هو قدرته على التوازن في المحاورة، وعرض وجهتيْ النظر؛ بما يحمل جمهور الطرفين على المتابعة، بحيث يجدُ كلٌّ منهما فيه فرصةً للاستبصار وبناء التصوّرات، أو تعديلها، عن طريق التقابل والتضادّ والموازنة.
صحيح أن النزعات اللاعقلانيّة هي الأكثر استبدادا بالشعوب، والأوضاع العربية، ولولا ذلك لما انفتحت أقطارٌ عربية على الفشل السياسي والفكري، لكن هل يتطلب ذلك أنْ ينضمَّ المسرحُ الفكريُّ إلى المعركة، ويسايرُها ويغدو تأكيدا لفقرها، ولعُقْمها؟
وللإنصاف فإن حلقات البرنامج ليست كلُّها تنحو المنحى التصعيديّ الاستقطابيّ، بل يتخلُّلها حلقاتٌ رصينة، من خلال ضيوف يتحاورون بالفكر، ويقدِّرون قيمةَ الكلمة والرأي المرتدَّ إلى نظريّةٍ وتحليل. وليس من الإحاطة، ولا الإنصاف إلقاءُ اللوم كلِّه على مَن يدير الحلْقة، أو حتى على المتحاورين فيها؛ ذلك أنَّ الظروف المحيطة تُلقي بظلالها، والتوترات، بل الصراعات الحيّة الدمويّة المصيريّة، ( كالحاصلة في قلب المنطقة العربية، سوريا والعراق) بلا مبالغة، تجعل أعصاب الجميع على أشُدِّها، وتكاد تجعل الحوار ساحةَ الحرب الخلفيّة؛ فهلْ مِن ترشيد؟!

د.أسامة عثمان

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية