لا تتوقف لقاءات الرئيس عبد الفتاح السيسي عن إثارة الجدل، ليس لما يمكن ان تحمله فقط من أهمية بحكم المنصب، ولكن لما يرتبط بها من تساؤلات وما يعلنه من مواقف ورؤى تخص الحكم بشكل مباشر أو غير مباشر. وضع لم يختلف عن المؤتمر الدوري للشباب الذي يفترض أن ينعقد في الفترة من 25- 27 نيسان/أبريل الحالي بمدينة الإسماعيلية مع إعلان الصفحة الرسمية للمؤتمر الوطني للشباب في 22 من الشهر نفسه عن مبادرة «اسأل الرئيس».
والمبادرة تطبيق رقمي على الموقع الإلكتروني للمؤتمر يمكن للمواطنين من خلاله «توجيه أسئله للرئيس وتسجيل جميع استفساراتهم والتعبير عن آرائهم بمنتهى الشفافية» وفقاً لما نشر بنص شبه موحد على العديد من الصحف والمواقع الخبرية.
أما سبب المبادرة، وفقا للتغطية شبه الموحدة، فيتمثل في «حرص الرئيس عبد الفتاح السيسي على التواصل المباشر مع جميع أطراف المجتمع المصري، وتعزيز الثقة ومد جسور الحوار بين المواطنين والقيادة السياسيه»، و»إيماناً من الرئيس بالتواصل المباشر مع جميع المواطنين ممن لم تتوافر لهم فرص حضور المؤتمر».
وان كان من خبر سعيد في ما أعلن فهو عدم التوسع في حضور المؤتمر الدوري الذي بدأ بمؤتمر للشباب في أكتوبر 2016 ليدشن نهاية عام الشباب إلى حدث شهري من كانون الأول/ديسمبر 2016، ومن حديث عن انعقاد لمدة يوم واحد إلى أيام. اما الأعداد المشاركة فتلك قصة أخرى في ظل الإعلان عن مشاركة 1200 شاب وشابة بما يعني أن الرقم الاجمالي للحضور من مسؤولين ومنظمين وغيرهم يتجاوز هذا بالضرورة، ناهيك عن إجراءات التأمين والتنقلات والإقامة وغيرها من التكاليف التي يفترض ان يعرف المواطن حقيقتها ان كنا نتحدث عن الشفافية والمشاركة الشعبية.
فالسؤال عن جدارة اللقاء بتلك التكاليف شديد الأهمية سواء في عموم المكاشفة والمحاسبة أو في ظل الوضع الاقتصادي والمعاناة التي لا يمكن إنكارها وما يفترض ان تطرحه من تساؤلات عن تخصيص الموارد وتحديد الأولويات وحساب الفرصة البديلة لإنفاق المبلغ نفسه على مشاريع أو خدمات أخرى لها تأثير حقيقي ومباشر على المواطن.
وبعيداً عن قضية الانعقاد الشهري للمؤتمر هناك تساؤلات أخرى مهمة لا تتعلق بما سيحدث فعلياً في المؤتمر بالضرورة لانها تظل في أصل الفكرة.
بدايةً يطرح المؤتمر الكثير عن عملية الاختيار. فمن 1200 تم اختيار 60 مشاركاً فقط من الطلبات التي قدمت عبر الموقع الإلكتروني للمؤتمر، أما العدد الأكبر فمن جهات أخرى مثل بعض الوزارات والأحزاب وغيرها من الدوائر المغلقة. يضاف لهذا ان العدد القليل الذي تم اختياره عبر الموقع لا تنشر تفاصيل واضحة عن معايير الاختيار فيه وان كانت تسمح بالتنوع أم تظل مغلقة لفئات معينة في المجتمع.
فى الوقت نفسه تثير المبادرة تساؤلاً ضرورياً عن أسبابها وأهميتها للنظام. فمن ناحية ورغم ان اللقاء يتم بشكل شهري تم طرح الفكرة قبل المؤتمر بوقت قصير بما يقلل من جدواها وأهميتها للمواطن ان أردنا مناقشتها بشكل موضوعي. وان كان النظام حريصاً على جمع الأسئلة وتقديمها للرئيس واختيار ما يريد للإجابة عنها خلال المؤتمر فالمفترض توفر الوقت للقيام بهذا بداية من إرسال الأسئلة لتفريغها وتصنيفها وطرحها على الرئيس وإعداد محاور او نقاط للرد عليها وفقاً للكيفية التي سيتم تناولها بها سواء في جزء منفصل من أعمال المؤتمر، أو ضمن الجلسات التى تتعلق بنقاط التساؤل.. وهذا يتطلب وقتاً لإثبات الجدية والاهتمام. وهو ما يعني ان الفترة المتاحة ما بين الإعلان والتسجيل وانعقاد المؤتمر قصيرة وكان مفترضاً الإعلان عن الفكرة قبل المؤتمر بفترة أطول.
هنا يبدو من الطبيعي اثارة التساؤل عن سبب تلك السرعة وقصر المدة، ورغم عدم وجود قراءة جامعة مانعة لمثل تلك الأحداث فهناك تفسيرات عدة يمكن ان تساعد في فهم الصورة.
بداية فإن إعلان المبادرة قبل اللقاء، بعد أن أصبح شهريًا، بكل ما تطرحه من تغطية وتفاعل واهتمام يمثل سبباً لاهتمام مسبق بالحدث وتقديم مادة متجددة من خلال تغطية ما يرد من تعليقات وتساؤلات لا تبث على الموقع بالطبع ولكن على وسائل التواصل الاجتماعي الأخرى.
كما يجب وضع الفكرة في سياق الأحداث، فقبل ما قيل إنه ثورة الغلابة في 11 تشرين الثاني/ نوفمبر 2016 تم تكثيف الحديث عن إعلام مقرب للنظام وعن تراجع شعبية الرئيس ومخاطر الثورة المفترضة على الحكم مع اتخاذ إجراءات صعبة ليأتي اليوم كاشفاً أنها ليست ثورة ولكن نقطة إضافية للشعبية والتفويض. الآن وفترة الشهور الستة التي طالب السيسي بالصبر عليها تقترب من الانتهاء وذكرى 30 يونيو بكل ما تبعها تقترب بالإضافة للطوارئ وما تبعها تبدو الحاجة واضحة إلى سبب أو آلية تلميع جديدة تقدم ما يريد النظام قوله بوصفه حديث الشعب ومطالبه.
وهنا تمثل طريقة إدارة المبادرة، بما فيها التسجيل وكتابة الأسئلة على الموقع واختيار لجنه المؤتمر لما يتم طرحه على الرئيس الذي يختار ما يرد عليه، تمثل فرصة لوضع أجندة او أضافة نقاط لم يكن من السهل ان تطرح. ففي النهاية لا توجد طريقة للتحقق من الأسئلة ومن طرحها، وان كانت الأسئله والتعليقات طرحت حقاً أم تم إعدادها.
إلى جانب أنها تمثل فرصة لرسم وتأكيد خطاب شعبية ما أو العكس حسب الجهة التي تتعامل مع الحدث، ويمكن بمراجعة تناول وسائل الإعلام المختلفة للخبر والتفاعل معه إدراك الفجوة القائمة بين من اعتبرها خطوة غير مسبوقة ومن اعتبرها تكراراً لفشل. في الوقت نفسه اختلفت الاختيارات في ما يخص التفاعل مع الخبر بين من اختار نشر التعليقات المطالبة برحيل السيسي بعد ان ثبت فشله وفشل ما أعلن عنه من مشاريع، وبين من أشاد بدوره وطالب بإصلاح أخلاق الشعب لان جهود الرئيس تتجاوز المجتمع بمراحل. تلك القراءات نفسها تمثل عاملاً مخيفاً من تلك المبادرة والهدف الحقيقي منها أو طريقة توظيفها والرسائل التي سيتم توجيهها من خلالها فالمطالبة بإصلاح الأخلاق مثلاً تصب في خطاب لجنة الأخلاق وتفريعاته، وان الرئيس لا يحتاج إلى نصح، وتبرئة المسؤولين باعتبار أن المشكلة في المجتمع بما يتماشى مع محاولة وضع تشريع يحمي المسؤولين من المحاسبة علي القرارات الإدارية.
تبدو عملية الاختيار انتقائية من وسيلة إعلامية لأخرى في تناولها لما نشر على وسائل التواصل الاجتماعي والمرجح ان يحدث ما هو أكثر في ما يخص المؤتمر والاسئلة والتعليقات التي يمكن ان تعلن أو طريقة إعلانها وتوظيفها في الصورة الكبيرة للوطن والحكم بما فيه الاشادة بمثل تلك اللقاءات الدورية وربما المطالبة بزيادتها او تنويعها وكأنها لا تستقطع من جيب المواطن.
كما أن أضافة فكرة المبادرة للقاء الشهري محاولة لتبرير إنفاق ضخم بوصفه بوابة لتناول مشاكل الجماهير. ويتجاوز من يشيد بتلك الخطوة المكلفة ان خطوات أخرى تمت واختفت من قبل على طريق الفقاعات دون توضيح أسباب الاختفاء، وان كانت في ميلادها شهدت عبارات الاشادة المكررة نفسها.
وبعيداً عن الخط الساخن أو ديوان المظاليم الذي أعلن أيام الرئيس الأسبق محمد مرسي في 2012 فإن السيسي نفسه أعلن في 2015 عن بريد إلكتروني لاتصال مباشر معه يتم الرد على تساؤلاته عبر الحديث الشهري الذي اختفي بعد مرات قليلة دون توضيح السبب ولكن يظل أن البريد الإلكتروني والحوار المذاع أكثر توفيراً لدافع الضرائب من اللقاء الشهري الحالي. كما يظل من السهل التعرف على واقع الجماهير دون كل تلك الوسائل بمجرد مشاهدة الاخبار ولن أقول النزول للشارع أو قراءة التقارير التي يفترض ان تقدم للرئيس وغيره من المسؤولين. وربما تكون المفارقة ان التغطية التي انتقدت الخط الساخن لمرسي لانه كلف مواطناً أراد ان يشتكي من عدم وجود العيش ٣ جنيهات واعتبر ان الأفضل توفير الجنيهات لشراء العيش، لا ترى حجم الفارق في التكلفة التي يفترض ان تدفع ليتعرف النظام على واقع المواطن وكأنه في جزر منعزلة.
في النهاية قد تأتي التعليقات والاسئلة منتقاة لتلميع الحاكم والنظام، ودعم سياساته وتأكيد أنها شعبية واستجابة لمطالب جماهيرية ولكن هل يستطيع مواجهة الأسئلة التة تطرح فى الواقع ويملك الاجابة عليها؟ هل يمكن ان يجيب عن استقلال القضاء واحترام الدستور على هامش تيران وصنافير؟ واحترام القضاء وعدم التدخل فيه والاستقلال والسيادة بعد الاخبار الخاصة عن دور الرئيس الأمريكي في الإفراج عن المصرية الأمريكية آيه حجازي وتأكيد ان السيسي وعد بالتدخل مهما كان الحكم الصادر؟ وكيف يجيب عن حقوق الانسان في ظل الفجوة بين حديث الاتهامات المثبت بالأدلة ضد حجازي ومن معها والبراءة بعد 3 سنوات فى السجون؟ وما هو وضع غيرهم ممن لا توجد سفارات أجنبية تسأل عنهم وغيرهم؟
تطرح المبادرة عودة ضرورية لقصيدة الشاعر العراقي الكبير أحمد مطر «مفقودات» وهو يطرح اسئلة يمكن أن نطرحها على الرئيس: «أين الرغيف واللبن؟ وأين تأمين السكن؟ وأين توفير المهن؟ وأين من يوفر الدواء للفقير دونما ثمن؟.. وأين صاحبي (حسن)؟» وإن كان هناك حسن مفقود الآن فربما يفقد المزيد إن تركت الفرصة لطرح اسئلة حقيقية مهما تكرر من خطاب معلب عن الشفافية والمشاركة الشعبية.
كاتبة مصرية
عبير ياسين