اغلاق القنوات التلفزيونية… سعيكم مشكور!

حجم الخط
6

هذا أغرب استثمار في التاريخ، اهتدت إليه سلطة، وهو الاستثمار بالغلق!
فمثلي يفهم أن يكون هدف الجهة التي استحوذت على الإعلام في مصر، هو الاستثمار المالي أو السياسي. فلا يمكن أن يكون شراء قناة تلفزيونية بهدف إغلاقها وليس الاستحواذ عليها، له علاقة إلا بحكم العسكر في مصر!
فقد فوجئ الرأى العام بالاعلان عن إغلاق قناة «أون لايف»، بعد أن قامت شركة إعلام المصريين لصاحبها «أحمد أبو هشيمة» بشراء قناة «أون تي في» من مالكها رجل الأعمال «نجيب سايروس»، قبل أن يبيعها «أبو هشيمة» لشركة «ايجيل كابيتال» قبل عدة شهور، والتي قامت باغلاقها فجأة، والمقرر إغلاق عدة قنوات أخرى مملوكة للشركة ذاتها، التي تديرها الوزيرة السابقة «داليا خورشيد»، حرم محافظ البنك المركزي!
وإذا مثلت عملية الإغلاق مفاجأة لكثيرين، فقد توقعتها، وكتبت توقعاتي، وربما لم ينتبه لما كتبت أحد، فمن هو العاقل الذي يتصور أن أحداً يمكنه أن يشتري محطة تلفزيونية بملايين الجنيهات من أجل إغلاقها؟!
كان واضحاً في عملية البيع الأولى، أن الهدف من الصفقة هو تجريد «نجيب ساويرس» من مصادر قوته، فتم حمله على بيع «أون تي في»، في اللحظة ذاتها التي فيها تم تدمير حزبه «المصريون الأحرار»، فضابط شرطة سابق، وبرلماني الآن، قاد انشقاقاً، وكان «ساويرس» يتعامل على أنه شريك في الانقلاب، وإذا كان أحد الشركاء أصبح رئيساً للدولة، فمن الطبيعي أن يشكل هو الحكومة، وكانت كل خططه تقوم على حصول حزبه على الأغلبية في انتخابات البرلمان، وكان هذا من ضمن الأسباب التي جعلت عبد الفتاح السيسي يتردد كثيراً في إجرائها، وقد تم تأجيلها لأكثر من مرة، قبل أن تحتشد الأجهزة الأمنية، فترعى هذه الانتخابات، وتدفع بحزب غير معروف هو «مستقبل وطن» لينافس على الأغلبية في حمايتها، وكان لا بد من تجريد «ساويرس» من «أون تي في»، ليدفع ثمن خيالاته التي أوحت له أنه يستطيع أن يستثمر في السيسي، كما استثمر من قبل في «إبراهيم عيسى»!
فلم يتعلم من الدرس السابق للعائلة، حيث صادرت حركة ضباط الجيش في سنة 1952، أموال والده، بيد أنه ظن أن هذا ليس من ذاك، وأنه ليس والده، فيمكنه أن يستغل هو العسكر لتحقيق أمنيته العزيزة في أن يكون رئيساً للحكومة، والظن لا يغني عن الحق شيئاً، والحق يتمثل في أن العسكر «قوة غاشمة»، والعسكري الحاكم هو كالفريك لا يقبل شريكا… الآن يتحدى الملل على «تويتر»، وإن بقيت له بعض «البوتيكات الإعلامية» فاقدة التأثير مثل «مصراوي»، لكن قانون الإعلام الجديد، يلزم المواقع الإلكترونية بالحصول على الترخيص القانوني، فهل سيتقدم بذلك باسمه، أم عبر أسماء آخرين، وهل يضمن أن يحصل على الترخيص، والسلطة تملك «عقدة النكاح» في ذلك!
عندما قامت شركة «إعلام المصريين» بتغيير اسم «أون تي في» إلى «أون» قلت: «الآن حصحص الحق»، فالهدف ليس شراء الاسم التجاري للمحطة التلفزيونية، وإلا تم الإبقاء على اسمها، وكان الأفضل للشركة الجديدة، والحال كذلك، أن توفر المدفوع لنجيب ساويرس وتؤسس قناة جديدة، ليس مفروضاً عليها عاملين لم تختارهم، لولا أن الهدف هو تجريد «ساويرس» من «أون تي في» قوة واقتداراً، ومن المعروف أنه لا توجد قناة تلفزيونية في مصر تحقق أرباحاً، أو حتى تنفق على نفسها، فالأمر هنا من أوله لآخره له علاقة بالاستثمار السياسي، لكن صاحب «إعلام المصريين» انسحب فجأة من المجال الإعلامي بعد أن اشترى أكثر من قناة وأكثر من صحيفة، وباع هذه المؤسسات لشركة أنشئت حديثاً هي «ايجيل كابيتال»، برئاسة الوزيرة حرم محافظ البنك المركزي السيدة «داليا خورشيد»!

الاقطاعيات الاعلامية

المذكورة، ليست أكثر من موظفة سابقة، فقبل اختيارها لهذا المنصب، كانت تعمل في وظيفة متواضعة لدى «نجيب ساويرس»، وهو تاريخ وظيفي لا يمكنها من امتلاك الأموال التي بها تشتري الاقطاعيات الإعلامية وتنفق عليها، ولم يسمع عن والداها أنه من أصحاب رأس المال، فيبدد أمواله بهذا السفه، فيكفيه محطة تلفزيونية أو صحيفة، إن كان غاوياً، وكما قالت «الشحرورة»: «الغاوي ينقط بطاقيته». وعدد قليل من رجال الأعمال المصريين الذين دخلوا في هذا المجال، ومنهم من دخل وهرب سريعاً، بعد أن وجد أنه سيخسر «الجلد والسقط»!
وكان من الواضح، أن شراء «الاقطاعيات الإعلامية» تم لصالح السلطة الحاكمة، وليس «أبو هشيمة» و»داليا خورشيد» سوى واجهات للأجهزة الأمنية، وإلا أصبح من حقنا أن نسأل عن حجم الأموال التي أنفقت على هذه «الاقطاعيات الإعلامية»، وعلى قاعدة: «من أين لك هذا؟»، ومن المفترض أن «داليا خورشيد» عندما تم اختيارها وزيرة، تقدمت باقرار للذمة المالية، فهل كان في إقرارها كل هذه الملايين المهدرة على صفقة خاسرة؟!
لا يوجد أحد في السلطة مهتم بنفي امتلاك الأجهزة الأمنية لهذه «الترسانة الإعلامية»، فمن يعملون في الفاشلة «دي أم سي»، هم من يقولون إنهم يعملون في قناة «المخابرات»، فليس الأمر بحاجة لأن يجهد المرء نفسه في البحث عن قرائن أخرى، وإن كانت القرينة التي ترتقي إلى مرتبة الدليل، هي أن شركة «إعلام المصريين» وقد باعت قناة «أون تي في» بعد تغيير اسمها إلى «أون» لشركة «ايجيل كابيتال»، فقد قامت الأخيرة بعد دفع ملايين الجنيهات ثمناً لها لتغلقها، فأي استثمار هذا؟!
في البداية قلت إن الاستثمار بالغلق له علاقة بدولة العسكر، ولم يكن هذا رجماً بالغيب، فما قلته مرتبط بسوابق القوم، فبعد الثورة، أطلق رجل أعمال حزمة من القنوات، باسم «مودرن»، أو شيء من هذا القبيل، وتقريباً كانت قناة واحدة فقط هى التي تعمل، وكان برنامجها «الرئيس» يقدمه «معتز مطر»، ولأن معتز دأب على التحرش بالمجلس العسكري الحاكم، فقد فوجئنا برجل أعمال آخر، يشتري هذه الحزمة وقد دفع فيها مبلغاً خرافياً، ليقوم باغلاقها تماماً، وكان واضحاً أن عملية الشراء تمت من أجل وقف برنامج واحد، وهو اتجاه يتفق مع عقلية العسكري، الذي يدير «القوة الغاشمة» فيمكن أن يطلق صاروخاً عابراً للقارات من أجل اصطياد ناموسة، فمن يملك الشيء يبالغ في تبديده، تماماً كما نسمع أن رجل أعمال قد دفع الملايين مهراً لفنانة، يكفي أن يراها بدون مكياج حتى يغمى عليه، ولهذا تنتهي قصص الزواج من هذا النوع سريعاً.

قنوات أخرى في الطريق

«أون» ليست القناة الوحيدة التي سيتوقف عندها الاستثمار بالغلق، فهناك قنوات أخرى ستغلق في المرحلة المقبلة، وكان واضحاً أن الجنرال قد ضاق ذرعاً بهذا الزحام الإعلامي، وإن كان يندفع أحيانا للابقاء عليه من باب الضرورة، التي تقدر بقدرها!
في مقابلته التلفزيونية مع المخرجة «ساندرا نشأت» أبدى عبد الفتاح السيسي تبرمه في فكرة المذيع اليومي الذي يتكلم ساعتين، ثلاثة، «كل يوم.. كل يوم» فمن أين يأتي بالكلام؟! ولأن هذا الفاصل بدا مقحماً على السياق، فقد أيقنت ساعتها أنه حديث له ما بعده!
الضرورة، هي أن هناك ثلاث قنوات في اسطنبول تربك السيسي فعلا، بجانب «الجزيرة» و»الجزيرة مباشر»، ولا بد من وجود من يرد عليها، لكن تكمن المشكلة أن المشاهد مل من الأداء الهمجي لقنوات الانقلاب، فهرب إلى القنوات الأخرى، وقد كانت خطة السيسي تقوم على أنه يمكنه أن يوقف حالة «الهياج الإعلامي» في مصر، فينام المواطن مبكراً، لكن فاته أن هناك متوسطا يوميا ما بين ساعتين إلى ثلاث يجلس فيها المواطن أمام التلفزيون، فكانت الخطة بعودة «الخيل القديم»، فعاد إبراهيم عيسى، ومحمود سعد، وتوفيق عكاشة، لكن مزاج المصريين، حتى الذين كانوا يؤيدون الانقلاب، تغير، فتقرر الاستغناء عنهم، فهل لا يزال أحد يشاهد القنوات المصرية؟!
عندما علمت بخبر إغلاق «أون» أدهشني أن يكون «يوسف الحسيني» لا يزال إلى الآن يقدم برنامجه، ويقولون إن «أماني الخياط» لا تزال تعمل مذيعة حتى الآن، فألم يمت هؤلاء الإعلاميون من قبل؟!
الإعلام لا ينجح إلا في جو الحرية، وإذا غابت الحرية، فأنصاف المواهب لا مكان لهم، لكن يكون البديل، في أصحاب العقول الكبيرة، وقد قامت حركة ضباط الجيش في السابق بتكميم الأفواه، لكن كان الكتاب في الصحف: «يوسف ادريس»، و«زكي نجيب محمود»، و«مصطفى محمود» و«توفيق الحكيم»، وغيرهم، فمن يكتب للصحافة المصرية الآن؟!
وكانت الإذاعة والتلفزيون تملكهما السلطة ملكية كاملة، وليس مسموحاً فيهما بالرأي المعارض، لكن عندما تشاهد قناة «ماسبيرو زمان» الآن والتي تعرض ما كان يذاع في التلفزيون المصري قديماً ستجذبك إليها، فأنت أمام حوار راق ومفيد، والضيوف قامات كبرى، وإن كانت المناقشات في قضايا بعيدة عن السياسة، فمن هم ضيوف المحطات التلفزيونية المصرية الآن؟ حيث لا مذيع ولا ضيف ولا فكرة!
والغريب أنه في مرحلة تغلق فيها الفضائيات، ويضيق فيها على الإعلام، أننا نفاجأ بأوائل الثانوية العامة، وقد قرروا التزاحم على الالتحاق بكليات الإعلام لينضموا مبكراً إلى صفوف المتعطلين من الآن، في دولة تعد فيها كلية الإعلام من كليات القمة، وكلية الحقوق من كليات السفح!
لا بأس، فقد كانوا يخافون على الإعلام من الإخواني «محمد مرسي»، ولم يدركوا أن الخطر في حكم العسكر.
لا أراكم الله مكروها في عزيز لديكم… سعيكم مشكور!
صحافي من مصر

7gaz

اغلاق القنوات التلفزيونية… سعيكم مشكور!

سليم عزوز

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية