الأدب وتمثيل الحقيقة

يعُدُّ أندرو باوي أنّ النظرية الأدبيّة الحديثة تتراوح بين نظرتين مُتناقضتين: النظرة التي ترى إلى الأدب من زاوية قدرته على حلّ المُشكلات، والنظرة التي ترى فيه نوعًا من الإفصاح عن العالم.
ويُمْكِن توسيع النظر في هذا التقسيم الثنائيّ الذي يظل عند حدود الوظيفة بالنظر إليه من زاوية التمثيل بوصفه الآلية الأساس التي يحدث بوساطتها التعبير عن العالم؛ ففي ما يخصّ النظرة الأولى فإنّها لا تنفصل عن تمثيل العالم من حيث القدرة على الوصول إلى حقيقته أو تمثيلها على نحو كلّيّ، بينما يتّصل الأمر في النظرة الثانية بتمثيل العالم بوصفه معنى، بما يعنيه ذلك تأويل تُوكَل إليه القدرة على التقاط الخفي فيه؛ أي الجانب الذي لا يقوى العقل على الوصول إليه. لكنّ ما ينبغي أن نقف عنده لكي نفهم الحقيقة في الأدب، هو نقد الحقيقة في الفلسفة العقلانية ذاتها؛ فقد نُظر إليها دائمًا على وجه الاتّفاق بعدِّها كلّية تسبق العالم، ويُحصر التفسير في حدود هذه الأسبقية الجاهزة، بينما تُعَدُّ الحقيقة سجاليّة، تؤجل اكتمالها دومًا، لأنّ لا شيء يثبت انكشاف الكون على نحو كلّيّ. وحتّى ما يراه هابرماس – وهو الرجل المُتشبع بالفكر التواصليّ- في صدد اللغة من كونها تمتلك وجودًا مُسبقًا موضوعيًّا يوفر إمكان تلمّس الحقيقة بوصفها نتاج البعد الديمقراطيّ للتواصل، يجب التفكير فيها في الحالة التي تصير فيها موضوعا لنفسها؛ فهي تُعاني بدورها من العجز (جاك دريدا) عن قول العالم في كلّيته. وربما عُدَّ نقصها هذا جانبًا من مُشكلة التعبير عن حقيقة العالم وما يتّسم به من نقص. ومن ثمّة تُعَدُّ موضوعية اللغة مُؤجَّلة بدورها، وتخضع في سعيها نحو الاكتمال لضرورات السجال حولها. ولهذا غالبا ما نستوضح في صدد أقوال مُعيَّنة، ما المقصود منها، على الرغم من شفافيتها أحيانًا، لأنّ العالم الذي تُريد التعبير عنه لا تكفي فيه وحدها؛ إذ لا بدّ من مُؤشِّرات أخرى تُعضدِّها، ومن ضمنها السياقات التي تنتج فيها.
إنّ فكرة ما بعد الحداثة التي تُقيم علاقتها بالحقيقة على نفي الإجماع ـ كما يتبنّاه هابرماس ـ بوصفه يُقوِّض الاختلافات، تحتاج بدورها إلى نوع من الفحص، على الرغم من لمسها جانبًا مُهمًّا من الخاصّية الأدبية التي تقوم على ما هو فردانيّ مُتميِّز، ووعي خاصّ، ذلك أنّ الأدب يضع – في الحالة التي يُعلي فيها من شأن الاختلافات الفرديّة، والطابعِ النوعيّ للوعي الجمالي – هدفًا له ماثلًا في الوصول إلى ما هو كلّيّ بغاية فهم العالم من طريق مُجاوزة تشتّته. لكن فضيلة الأدب – وهو يفعل ذلك – تمثل في كونه لا يقول سوى إخفاقه في القبض على هذا الكلي، الذي هو الحقيقة المسبقة الجاهزة التي تفسر العالم. وهذا الإخفاق هو ما يجعل الأدب يبني الحقيقة بوصفها احتمالًا من بين احتمالات عدّة.
لا ينفصل تمثيل الحقيقة من قِبَل الفنّ عامّة، والأدب خاصّة – عن طبيعة المُجتمع النصّيّ وتطوّره التاريخيّ، ولا بدّ في هذا الإطار من فهم الطريقة التي يشتغل بها هذا المُجتمع النصّيّ في تكريس الأشكال الفنيّة المُناسبة لتمثيل حقيقة العالم، بما يُصاحبها ومن وجهات نظر حول مفهوم الفنّ، وتعميمها من أجل أن تكتسب الصلاحية. ومن ثمّة لا يُمْكِن مُعالجة علاقة الأدب بالحقيقة خارج النقاش الذي دار منذ عصر التنوير حول مسألة التمثيل. وقد احتلّت اللغة دورًا مُهمًّا في هذا الجانب، إذ عُدَّت إلى جانب الأدب (وتحديدًا الشعر) وسيلة مُثلى في تمثيل حقيقة العالم وما يزخر به من أشياء وموضوعات، وبما يُفيده هذا من تضمن التمثيل لمبدأ التعبيرية في بنيته؛ أي أنّه لا يُقام على نقل مُوحَّد للعالم بوساطة اللغة، وإنّما على رؤية خاصّة بالمُعبِّر، سواءٌ أكان فردًا أم جماعة. لكنّ هذا الموقف سيتغير تحت التأثير الذي مارسه كلٌّ من نيتشه وهايدغر؛ إذ لم تَعُدِ اللغة والأدب يُمثِّلان الحقيقة – بما هي العالم نفسه – على نحو صافٍ، أو الذات التعبيريّة في صفائها، بل صار يحجبان في الوقت الذي يُظهران فيه. ويكمن هذا التحوّل في مسألة تمثيل الحقيقة من قِبَل الأدب في كونه إنتاجًا يأخذ على عاتقه تمثيل التحوّلات التي تطول تمثيل العالم، لا العالم فحسب. ومن ثمّة فالأدب هو نوع من تمثيل التمثيل المُباشر لحقيقة العالم في مرحلة ما، وهو ما أنتج الواقعية في الأدب التي اهتمّت بتمثيل العياني في الحياة الجارية، بوصفه تجلّيًّا لحقيقة ما. كما أنتج تمثيل التمثيل في الأدب نوعًا غير مُباشر للحقيقة؛ حيث لا يمنح العالم الحيّ إلّا وجوهًا مُعيّنة، بينما يُخفي أخرى. وهذا ما ولّد كلّ الأشكال ما فوق الواقعيّة أو الرمزيّة، وحوّل الأدب إلى قولٍ أكثرَ قدرةً على النفاذ إلى حقيقة العالم (أندرو باوي). ولن يكُون تمثيل التمثيل مُقتصرًا- هنا – على الأدب الذي يُعنى بتخييل صيرورة العالم، بل يتعدّاه إلى كلّ الأشكال الفنّيّة، بما في هذا الحداثية وما بعد الحداثيّة. لكن تمثيل التمثيل لا يحدث – بوصفه خاصّية جوهريّة لكلّ فنّ – بالطرائق ذاتها، بل تتغير طرائقه حسب استراتيجيات كلّ اتّجاه فني؛ فلا يُمْكِن حصر التمثيل في أدب القرن التاسع عشر، ونفيه عن الأدب الحداثي، كما لا يُمْكِن الاعتداد بقول روبرت هولُب الذي يذهب إلى أن التجريب حلّ محلّ التمثيل. وليس من مهامّ تمثيل الحقيقة التأثير في القارئ فحسب، بل إنّه يتجاوز هذا أيضًا إلى خلق العالم الفنّيّ ذاته الذي يتّصف بخاصّيتيْن تمثيليَّتيْن هما: من جهة تمثيل شكل من الحقيقة تُجاه العالم بواسطة الشكل الفنّيّ، ومن جهة أخرى كيف يُمثّل الفنُّ ذاتَه بوصفه أسلوبًا. ومن ثمّة يصير الأسلوب ذاته طريقة في تمثيل حقيقة العالم. ولا يعني تحوّل من هذا القبيل أبدًا قطعَ الصلة مع المُجتمع، ومُخاطبة فئة من الخبراء والمُختّصّين، بل إعادة الصلة بالمُجتمع من زاوية نظر مُختلفة، ما دام كلُّ فنٍّ يستهدف مُتلقّيًا ما، أو مُشاهدًا ما، ويطمح لأن يكُون مقبولًا من قِبَل فئة واسعة. ولا بدّ من التنبّه ـ هنا – إلى أنّ الفنّ الحديث يُقيم تمثيله للحقيقة على السعي إلى تغيير الجمهور، بل صناعته من طريق استهداف تغيير طرائق التمثيل لديه.

٭ أديب وأكاديمي مغربي

الأدب وتمثيل الحقيقة

عبد الرحيم جيران

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية