الإعلام المصري الذي يفهم في كل شيء تأنيث الاقتصاد في نشرات «العربية»… وكيف تجعل ضيفيك يتعانقان في «الإتجاه المعاكس»

لا تحتاج مقابلات صحافية ولا تصريحات حصرية ولا لملمة معلومات لتفهم ما يحدث في مصر بشكل عام.
متابعة بسيطة لبرامج الحوار في الفضائيات المصرية تعطيك قراءة كاملة للبوصلة الرسمية.
لا أصدر أحكام قيمة جزافا، لكن فلنتأمل بعض مقتطفات الأسبوع في الفضاء المصري التلفزيوني!!
قناة اسمها «صدى البلد» فيها برنامج اسمه «صباح البلد» تقدمه على الهواء مذيعة حسناء اسمها دينا رامز.
و دينا الله يسلمها لأهلها، خرجت في حلقة الأحد الماضي عن طورها وعلى الهواء، ودخلت في حالة سب هستيرية موجهة إلى حركة حماس!
أنا شخصيا لا أتفق مع حماس كحركة سياسية، لكن ما فعلته دينا على شاشتها خرج عن أصول النقد السياسي إلى الردح الإعلامي بصيغة «شارع الهرم»، حتى تخيلت أنها تقف على بلكونة في حارة شعبية في وصلة ردح لجارتها لا مذيعة في تلفزيون يعتقد أنه صدى للبلد!!
شبهت دينا حركة حماس بالصراصير، متسائلة «هما عناصر حماس كانوا بيعملوا إيه في سيناء؟».
تساؤلها هذا كشف قصورا مهنيا وعجزا معلوماتيا هما أدنى ما يجب توفره على أي شاشة تحترم نفسها ومشاهديها، فعناصر حماس كانوا على متن الحافلة التي اختطف ركابها، ووجودهم طبيعي في حافلة نقل تنقل الركاب، وتساؤل دينا على الهواء أمام جمهور أغلبه لا يقرأ، تساؤل مضلل يضع العناصر في صورة المتسللين والمنتهكين للحدود المصرية، مما يزيد من حالة العداء والإحتقان الشعبي، خصوصا إذا علمنا أن شريحة واسعة في مصر لا تميز بين الفلسطيني وحماس!
أما نجم «روتانا مصرية» صاحب الملابس المميزة في ظهوره تامر أمين، فقد وجه دعوة عبر منبره الإعلامي للمصريين أعتبرها غريبة وغير اعتيادية.
تامر، دعا جموع المصريين إلى العمل كمخبرين لجهاز أمن الدولة. وهذا طلب يشكل أقصى أحلام ديكتاتور يحكم بلده بالسوط والعسكر، لكن أن يكون أمنية لإعلامي معروف، فهذه علامة فارقة في تاريخ الإعلام!!
تامر أمين خلط الزيت بالماء، حين برر أن التعاون مع الأجهزة الأمنية ضروري حين يستشعر المرء وجود ما يهدد البلد إرهابيا، وهذا طلب مشروع بل وواجب فعلا على كل مواطن، وهو تصرف طبيعي جدا، لكن خلطه بالطلب من المواطنين تجنيد أنفسهم مخبرين لجهاز أمن الدولة، فإن في ذلك تضليلا مزدوجا يشكل مقدمة لفوضى التقارير والدس والمؤامرات بين الناس.
أما ثالثهم، فكان الشيخ علي جمعة، والذي بات حضوره التلفزيوني يشكل نجومية له لم يحلم بها إعلاميون عريقون، وفي برناج «والله أعلم» الذي تبثه قناة «سي بي سي»، فقد طرح طرحا يتعلق بموضوع الرق في الإسلام، وأن الله سبحانه أباح الرق، مؤكدا أن جده كان له عبيد في بيته وسيدة تخدمهم (لم يستعمل كلمة جارية)!!
حضور الشيخ بكل ثقله المعنوي كرجل دين، وعلى شاشة واسعة الإنتشار وتحدثه باسم الله وفي موضوع خارج سياق الواقع أساسا، مثل موضوع الرق، هو تضليل للعقل الباطن الجمعي للناس، فإباحة الرق بإذن سماوي، هو تمهيد لتثبيت السلطة السياسية باسم الله وحماية رجل الدين نفسه ليصبح المجتمع نفسه مجتمع «رقيق» بالمجمل.
هذه الأمثلة غيض من فيض التضليل الإعلامي اليومي الذي يعمل على مبدأ «نقاط الماء المتتابعة» والتي ستحدث ثقبا غائرا في الحجر في النهاية.

كيف تجعل ثقالة دم الإقتصاد خفيفا؟

لكن بجانب التضليل، هناك حيل إعلامية، مقصودة ربما، أجدها محمودة خصوصا اني وقعت تحت تأثيرها واستفدت!!
مثال ذلك النشرات الإقتصادية النهارية اليومية على قناة «العربية»، والتي تقدمها مذيعات جميلات جدا، وببراعة مهنية ومعرفة اقتصادية تتضح معالمها في الحوارات المباشرة.
بيني وبين علم الإقتصاد كراهية مستحكمة منذ زمن الدراسة في الجامعة، وفي حياتي المهنية كان ذلك ينعكس على الواقع، فدوما كنت أتحاشى التقرب بصداقات مع زملائي صحافيي الصفحات الإقتصادية، رغم أنهم الأكثر مهنية وطيبة أيضا.
لكن «العربية»، بحيلتها الذكية تلك، جعلتني وأنا «عف الضمير فاسق النظر» مهتما جدا بالنشرات الإقتصادية، التي كنت أفر منها على شاشات أخرى، وصرت بحكم الضرورة والمتابعة أنتبه للمصطلحات وأبحث في الانترنت عن تفسيرات و شروح، لأبقى على مستوى الحسناء التي تقدم النشرة.
وطبعا خسرت تلك النشرات الإقتصادية على العربية الحضور البهي للإعلامية الإماراتية مهيرة عبدالعزيز، والتي كانت أول من جذبني لعلم الإقتصاد من جديد، لكنها انتقلت بعد أداء «خلاب» لسنوات إلى «صباح العربية».

أنت مهضوم ولطيف وذكي

هذا الترويض الذي جعلني أستأنس الإقتصاد يدفعني لفكرة توسيع الحيلة، فما الضير لو غير الدكتور فيصل القاسم بشكل برنامجه قليلا، ودعا مذيعة حسناء إلى مشاركته في التقديم «أو التحكيم»؟ ولكم أن تتخيلوا حجم الطراوة في البرنامج إلى درجة أنني أتخيل نهايته أحيانا وبسبب الحضور الناعم للمذيعة الحسناء بمشهد عناق أخوي بين الضيفين يمسد فيه أحدهما على رأس الآخر بحنان وعطف.
تخيلوا حين يمارس الدكتور فيصل هوايته برمي الكرات عبر عبارته الشهيرة «يقول إنك كذا و كذا ماذا ترد؟» فتتدخل زميلته الحسناء وتقول له «.. رغم كل ما قاله عنك فأنت مهضوم ولطيف وذكي»!!
بلا شك أنه فورا ومباشرة ستبرد أعصاب الضيف الثائر، وربما ينسى موضوع الحلقة برمتها.

كاتب اردني يقيم في بروكسل

مالك العثامنة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية