الإعلام والصيانة الغائبة في المحروسة

حجم الخط
2

عمارات تتساقط وضحايا جدد تحت الأنقاض… قنبلة بجوار مدرسة وفي محطة قطار وداخل عربة مترو الأنفاق… عنتيل جديد يتم الكشف عنه بعد العثور على عدد من تسجيلات الفيديو بالمصادفة. 
تجارة الجنس والمواقع الإباحية، المصدر الأساسى لتمويل الإخوان… رفض إخراج المصاحف من المساجد والتنديد باستخدامها في السياسة.. الالتزام بالخطب الرسمية المقررة سلفا، وحديث وزير الأوقاف وغيره عن رفض استخدام الدين في السياسة، في الوقت الذي يتم فيه استخدام الدين للتأكيد على ضرورة بقاء الحال على ما هي عليه وطاعة ولي الأمر والتمييز بين القتل بيد من بيده السلطة وبيد غيره، وكأن النفس البشرية لها أوزان مختلفة في سوق الدم.. تلك وغيرها مجرد لقطات من الأخبار المختلفة التي تتداول في مصر، مضافا إليها تفاصيل أخرى تخدم أجندة التخويف من الإرهاب، وتؤكد على أهمية الحاكم المتحكم في كافة شؤون الحياة، وهامشية قيم الحرية والديمقراطية وسط الحديث عن الحرب ضد الإرهاب.
مشاهد متنوعة تتضخم كل يوم بصورة أكبر من غيرها، وتثير السؤال هل تلك المشكلات نتاج للثورة التي أنتجت وأخرجت أسوأ ما في مصر – كما يتردد- وأن الأوضاع بعدها لا يمكن ان تقارن بما كان قبلها من استقرار. سؤال يراه البعض مشروعا وسط التضخيم الإعلامي الذي يبدو متعمدا لنوعية معينة من الأخبار والتركيز عليها دون غيرها، وكأنها ظاهرة جديدة بالمطلق عن العالم أو عن مصر. كما يبدو منطقيا ما دام تهميش الحقوق والحريات مستمرا ما قبل الثورة وبعدها، بما يجعل التهديد الأمني اليومي للمواطن والمشكلات التي تبدو له جديدة على عالمه المثالي السابق للثورة تبدو رسالة واضحة لكره فكرة الثورة. ولكن بعيدا عن هذا الطرح بما فيه من مغالطة واضحة في قراءة واقع ما قبل الثورة، فهل تلك المشكلات حديثة فعلا على المجتمع، أم أن هناك أهدافا أخرى لتضخيمها واستخدامها بشكل سياسي يفكك أي معارضة للنظام القائم ويساعد على تماسكه من خلال التوحد في مواجهة الأعداء. ويتم تعظيم المشكلة والقوة الواجبة لمواجهتها بالحديث عن وجود مؤامرة تاريخية من أعداء الداخل والخارج. لا يتوقف من يروج هذا الخطاب كثيرا أمام تهافته الداخلي وطرحه لأعداء يقدمهم في لحظة أخرى على أنهم فاعلون إستراتيجيون، كما هو شأن الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران. ولا يتوقف أمام فتح ملفات العداء لطرف ثم التحول لخطاب الصداقة وفقا لتغير أجندة اللحظة، رغم عدم وجود ما يؤشر لتغير أجندة المؤامرة، كما في حالة قطر.
مقولة قديمة تؤكد أن مشكلة مصر في الصيانة تطرح نفسها بقوة على اللحظة، فهناك دوما ما يترك للدمار أو السقوط، قبل أن نكتشف وجود مشكلة. وما يحدث بعد الدمار لا يؤشر لإدراك المرض ومعالجته، أو الخلل وتجنبه، فكم من عمارة سقطت وتسقط بسبب الفساد باختلاف صوره وأسبابه، وكم من قطار احترق بركابه، وكم من ضحايا في سفن موت تحاول الفرار من وطن يجعل الحياة معاناة والبحث عن بديل في البحر، رغم المخاطرة أملا.. مشاكل تراكمت خلال حكم الرئيس الأسبق مبارك، ولكنه تعامل معها بطريقة التسكين والتأجيل فظلت حية. وجاءت الثورة وظهرت المشكلات السابقة مع غيرها، ولكن المهم أن طريقة التعامل معها استمرت في السير بعيدا عن الحل وفي إطار الأجندات السياسية، ما بين تخليص الحسابات وترسيخ الأقدام، من أجل إعادة ما كان مستقرا لعقود. ولنجاح تلك الإستراتيجية كان من الضروري ترسيخ فكرة أن الماضي بقبحه أفضل من الحاضر بما فيه من أحلام، ومستقبل قد يكون أشد ظلاما في ظل المؤامرة التي تستهدف الوطن باسم الإصلاح والحرية رغم أنها مجرد أشياء كمالية عاش المواطن أمنا بدونها لعقود. هكذا تقدم الرسالة النهائية وسط الكثير من الرسائل اليومية التي تستغل كل حدث لتعظيم المخاوف التي تربطها بالثورة. فالفرصة لتكرار الخطاب قائمة مع كل مظاهرة جديدة، وكل شريط مسرب لرجل له لحية، وكل قنبلة في موقع مدني. وتستمر فرص إهدار الحريات مقابل إعلاء السلطوية والدم، من أجل الوطن الذي لا تعرف على طريقة الشاعر أحمد مطر، إن كان حيا فعلا وإن كنا أحياء حقا!
راهن مبارك على الإعلام المسيطر، وكان من الطبيعي في التعامل مع الكوارث الداخلية أن يتم إبراز الكوارث التي تحدث حول العالم على طريقة أنها أمور لا يمكن تجنبها. وفي ما يتعلق بالحقوق والحريات والديمقراطية سيطرت فكرة الخصوصية الثقافية، وكان على المواطن مع الوقت إدراك أننا نتشابه مع العالم في السلبيات، ونختلف في الايجابيات. 
ومع الثورة انقسم الإعلام بين من اختار الدفاع عن النظام، ومن اختار دعم الثورة، وهو ما تم بصور مختلفة بما فيها وسائل التواصل الاجتماعي والهواتف وبرامج المحادثة التي حولت المواطن إلى شاهد عيان ومراسل اخبار. وانصب الاهتمام الرسمي على الحفاظ على تماسك النظام وتشويه الخصم، عبر نشر الإشاعات واستحضار قصص مختلقة لمشهد بدت عليه السيولة الواضحة في إطلاق الاتهامات. سيولة لم تنته مع سقوط مبارك الرمزي، وظلت تتراكم في ظل غياب المحاسبة والمساءلة. وتحول الكثير من البرامج لجهات اتهام وتأجيج للمشاعر ضد أفكار وأشخاص. ولم تتم مطالبة تلك الشخصيات بتقديم ما تؤكد أنه لديها، من وثائق ومستندات، ولم يتم محاسبتها على نشر اتهامات باطلة تضر بالأفراد أو تضر بفكرة الثورة ومن شارك فيها، رغم أنها من الناحية الرسمية والدستورية عمل عظيم للشعب.
ومع السيولة المتراكمة بدأ الإعلام يتحول إلى جزء في الصراع السياسي. فمع خلع مبارك بدأت الوجوه العائدة من دعمه في المزايدة بالثورية، في الوقت الذي احتفظ البعض بموقفهم الثابت وهو دعم من في السلطة وتغيير الخطاب بما يتناسب مع تغيير الجالس على كرسي الحكم. ظهرت تلك الإشكالية واضحة مع أحداث ماسبيرو في تغطية التلفزيون المصري. كما ظهرت في التناقض الواضح خلال فترة حكم الرئيس الأسبق محمد مرسي والحديث عن الإعلام الإسلامي مقابل غيره من الإعلام، الذي لم يحمل اسما محددا فأصبح الإعلام الإسلامي في الجانب السلبي مقابل الإعلام الحر والليبرالي والوطني وغيرها من السمات الإيجابية. ظهرت حوادث هزت المجتمع وارتبطت بتعريف الفاعل بأنه إخواني أو إسلامي للتأكيد على سلبية ونفعية النظام وما ينتمي له من إطار فكري. وبدأ الهامش في التراجع بين من يحكم كرجل سياسة وبين الأفكار العامة وتصنيف من يدعمه. هامش ترسخ بعد مرسي بصورة واضحة معبرا عنه بمقولات الفصل بين شعبين، وما حملته من مظاهر كمهاجمة شخص ما لأن ملابسه تتماشى مع «كود» الإرهاب المسرب للعقل الجمعي. وبدأ التناقض واضحا في تغطية الإعلام لأحداث متشابهه أو أسوأ بين مرسي وما بعده، التناقض نفسه الذي يمكن ان نجد شبيها له في التغطية ما قبل الثورة وما بعدها مرورا بكل مراحلها.
استمر التعامل مع المشاكل الكبرى على طريقة مبارك عبر تصدير إشاعة أو حدث يجذب الجماهير على طريقة الإلهاء، ولكن مع التركيز على خلق الصور الذهنية للعدو والإرهابي، ليظل حاضرا ويتم ترسيخه في الخطاب اليومي، ويتحول لعدو حقيقي ينسى الناس الوضع قبله كما نسى البطل شكل لندن قبل حكم الحزب في رواية «1984»، وكما تحول غولدشتاين إلى عدو لا يعرف أحد إن كان حيا أم لا، ولكنه جزء من طقس الكراهية اليومي. كل تلك الرسائل مطلوبة للنظام الذي يرغب في صناعة الأعداء والمخاوف وتضخيم القائم منها، ويصبح لسان حال اللحظة أن الصوت الأعلى، للمعركة على الإرهاب وهو أمر لا يختلف عن حديث الخصوصية الثقافية، فنحن نعيش في خصوصية مواجهة الإرهاب. والمشكلة في التركيز على تلك القضايا وطريقتها هي ما تحاول تثبيته من إدانة الثورة، رغم أنها مجرد كاشف لما كان تحت السطح من مشاكل وكوارث، بعضها كان يتم المرور عليه بشكل سريع، وبعضها لم يكن الإعلام يهتم به حتى لا يغير صورة النظام القوي. 
أما أجندة الحكم القائمة الآن فتحتاج من أجل الاستقرار واستعادة تماسك صندوق الحكم لتركيز الضوء على إشكاليات أخرى تهدم الثورة وتشوه الفكرة، وتضخم المشكلات بقدر ما تضخم ضرورة الحاكم المطلق والحكم المسيطر ومقولة نموت ويحيا الوطن، بدون أن يكون لنا حق السؤال عن شكل الوطن أو المواطنة.
كاتبة مصرية

عبير ياسين

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية