تكاد ظاهرة التكرار تميِّز النصوص السرديّة، سواء تعلّق الأمر بالحكاية الشعبيّة (المسخ في ألف ليلة وليلة) أم بالقصّة القصيرة (الشخصيات في قصص فولكنر) أم بالرواية (العجز الجنسيّ في روايات علوية صبح). ويتّخذ هذا التكرار مظهريْن: أ- مظهر تكوينيّ يتّصل بالكيفية التي يتشكّل بموجبها النصّ السرديّ. ب- مظهر قرائيّ يتعلّق بالقراءة. ولا بأس من فحص الاصطلاح الذي يُخصّص لظاهرة التكرار قبل الخوض في طبيعة المظهريْن المُشار إليهما. والاصطلاح الأنسب هو الحافز (motif)؛ فما هو إذن؟ لا شكّ أنّه اصطلاح مُلتبس (بريمون) يختلف حسب التوجّهات السرديّة النظريّة المُختلفة. ونقف في تحديده عند ثلاثة توجّهات رئيسة من دون الدخول في استخداماته المُوسَّعة: أ- التوجّه الذي يرى فيه موضوعا يتّصل بمُكوِّن غير قابل للانقسام، كما هو وارد عند الشكلانيّين الروس (توماتشفسكي). ب- التوجّه الذي يرى فيه استعادة لشكل ما أو موضوع ما على نحو مُماثل (بريمون). ج- التوجّه الذي يعدُّه عنصرًا موضوعاتيًّا بنائيًّا مُتكرِّرًا في الحكاية وينتقل بوساطة التقليد (كورتيس- غريماس= المعجم).
كيف يُمْكِن- إذن- تفكّر ظاهرة التكرار في ضوء الحافز، كما أوضحنا حمولاته النظريّة؟ نُفضِّل أن نُعالج العنصر المُتكرِّر- سواء أكان مقطعًا، أم موضوعا ما، أم شخصية- وفق تفصيل مُغاير يستند إلى ما هو جماليّ أسلوبيّ، لا إلى ما هو شكلانيّ أو بنيويّ، أو سيميائيّ. ولا بدّ- قبل هذا التفصيل- من توضيح الرؤية إلى الحافز؛ فهو لا يستحقّ أن يكُون حافزًا إلّا إذا تكرّر في النصوص، وصار منظورًا إليه بوصفه مُهيمِنًا تكراريًّا، ويتّصل بوحدة ما قد تطول أو تقصر؛ إذ قد يكُون كلمة أو مُركَّبًا أو فقرة (تودوروف)، كما أنّه يُعَدُّ ثابتًا يُنوَّع عليه؛ والمقصود بهذا أنّ أيّ مُكوِّن تكراريّ يظلّ مُحافظًا على ملامح عامّة منه طيلة حياته عبر النصوص، بينما تلحقه تغييرات من جرّاء استخدامه المُتكرِّر، وهذه التغييرات تمنحه الصبغة الخاصّة نصّيًّا. فإذا كان الحافز (العنصر المُتكرِّر) مثلًا مُتعيِّنًا في علاقة المبدأ السياسي بالخيانة، فإنّ مُعالجته تختلف من نصٍّ إلى آخر، وهذا الاختلاف هو ما يُشكِّل التنويع عليه. ولكي نُقارب الحافز بوصفه تكرارًا لا بدّ من التمييز غبّ اشتغاله بين مُستوييْن: المُستوى الذي يتعلّق التكرار فيه بنصوص مُتعدِّدة، والمُستوى الذي يكُون فيه مُتّصلًا بنصٍّ واحد. والسبب في افتراض هذيْن المُستويين عائدٌ إلى الوظيفة التي تُسند إليه.
يتأسَّس الحافز في حالة النصوص المُتعدِّدة وفق وظائف نوعيّة هي كالآتي: أ- إعادة بناء المُكوِّن المُتكرِّر نظرًا لتوفُّره على طاقة قويّة في تمثيل الموضوع الجماليّ، كالخسران الذي يمنى به مُنفِّذو الثورات في روايتي «رقصة التيس» لماريو باركاس يوسا، و»ليس للكولونيل من يكاتبه» لغابرييل غارسيا ماركيز. ب- إعادة اختبار المُكوِّن المُتكرِّر في ضوء سياق نصّيّ جديد بغاية تنميته أو توسيعه أو تجديده، مثل الخيانة الزوجيّة التي نُصادفها في قصص حكايات الديكامرون والرواية. ج – ما يُعَدُّ موضوعا كونيّا فوق زمانيّ أشدّ اتّصالًا بوجود الإنسان من قبيل أشكال الفقدان (الموت مثلا). د- ما له صبغة حافز بنائيّ؛ أي أنّه تكرار لطرائق في الكتابة تُقام على موضوعات مُعيَّنة، كما هو الأمر بالنسبة لموضوعي الدائرة والحلم في قصص خورخي بورخيس؛ حيث لا تعتمدان بغاية توظيفهما دلاليًّا حسب، ولكن أيضًا من أجل المُساهمة في بناء القصّة وصياغة شكلها.
ويتأسَّس الحافز في حالة النصّ الواحد وفق وظائف نوعيَّة مُغايرة للوظائف السابقة التي عالجناها في المُستوى الأول، وهي كالآتي: أ- التطوّر المُتدرِّج لمُكوِّن ما، حيث لا يُبنى بصفة نهائيّة ودفعة واحدة، ويكُون إدراكه تامًّا بِلَمِّ أجزائه المُتفرِّقة في النصّ، وغالبًا ما يتعلّق الأمر- هنا – بالترابط بين هذه الوظيفة وتقنية الوصف، كما هو الحال بالنسبة إلى موضوع الجسد في رواية «دفاتر الدون روبيتو ريغو» لماريو باركاس يوسا. ب- الإيقاع الذي يتمثّل في تكرار بعض الجمل مع التنويع على تكرارها؛ حيث ينشأ من جرّائها إيقاع أثناء القراءة مُماثل للتكرار في الشعر، ويكثر هذا الإجراء الجماليّ في القصّة القصيرة، وتُعَدُّ قصص فولكنر (موسيقى سوداء) خير مثال يُستشهد به في هذا الصدد. ج- الانتقال السرديّ الذي يتّخذ من تكرار مُكوِّن ما وسيلة للانتقال من مقطع سرديّ إلى آخر، وهو يماثل اللازمة الشعريّة التي تسمح بالانتقال من مقطع إلى آخر، ويتمثّل هذا الإجراء على نحو جليّ في رواية «مريم الحكايا» لعلوية صبح؛ إذ يُمثِّل تكرار مُكوِّن زيارة الصديقات فيها وسيلة جمالية للانتقال من حكاية إلى أخرى دون حاجة إلى تبرير منطقيّ. د- التنسيب الذي ينشأ من جرّاء تكرار مُكوِّنٍ بوساطة إدخال تغييرات على بنيته أو على الأسلوب الذي يُقدَّم به؛ وتتمثّل أهمّية هذا المُكون في علاقة السرد بالحقيقة؛ حيث تتّجه الغاية إلى جعل الحافز المُتكرِّر نسبيًّا. ولا تتأتّى هذه النسبية من تعدّد وجهات النظر بقدر ما تتأتّى من عدم يقين السارد، وغالبًا ما يكُون هذا المُكوِّن التنسيبيّ اسمًا، أو حدثًا، أو حكاية، أو مشهدًا، ويتّضح هذا الإجراء في روايات ألان روب غرييه.
وإذا كنّا قد عددنا وظائف المُستوييْن معًا منفصلةً فلا يعني ذلك عدم اتّصالهما؛ فقد يحدث أن يكُون مُكوِّنٌ تكراريّ مسرحًا للتعالق بينهما؛ إذ قد يُستخدم موضوع حافزًا بنائيًّا في مجموعة من النصوص (المُستوى الأول)، ويُستخدم في الآن نفسه بغاية ضمان التطوّر المُتدرِّج في نصٍّ واحد (المُستوى الثاني). ويتّضح هذا في قصّة «المكتبة الدائريّة» لخورخي بورخيس؛ إذ تُساهم الدائرة بوصفها مُكوِّنًا تكراريًّا في أكثر من قصّة في صياغة طريقة الكتابة، وتُساهم في الآن نفسه في قصّة «المكتبة الدائريّة» في تطوّر موضوع المكتبة تدريجيًّا في أثناء الصيرورة السرديّة.
ولا نُريد إنهاء هذا المقال من دون الإشارة إلى ثلاثة عناصر جماليّة أخرى لها أهمّيتها في تبيّن طبيعة الحافز: أ- ارتباطه بالأسلوب الشخصيّ في الكتابة. ويُمْكِن الحديث في هذه الحالة عن وجهيْن، لا يخرج أوّلُهما عن الاستحواذ الذي له صبغة نفسيّة، ولا يخرج ثانيهما عن البعد القيميّ الذي يكتسي بمُوجبه المُكوِّن المُتكرِّر أهمّية قصوى. ب – علاقة الحافز بالقراءة؛ حيث يُنقل المُتلقّي من وضع القارئ المُنفعل السلبيّ إلى وضع القارئ الفاعل الإيجابيّ.
٭ أديب وأكاديمي مغربي
عبد الرحيم جيران