لا بدّ من الحسم في كون مسألة الأجناس الأدبيّة مُتعلِّقة بإشكال ثقافيّ تاريخيّ غربيّ. وكلّ تصدير لها إلى تراث آخر بدون احتراس قائم على مُراعاة السياقات التي أنتجتها يُعَدُّ عملًا غير مقبول.
فإذا كانت هذه المسألة لم تطرح في الفكر اليونانيّ فكيف تكون مطروحة في الفكر النقديّ العربيّ؟ لكنّ سؤالًا آخر ينبع من صلب هذا السؤال: إذا كان قد طُرح على اليونانيّين إشكال آخر يتّصل بعلاقة الفنّ الشعريّ بالحقيقة، وبتمثيل الكلّيّ فهل كان العرب يُواجهون الإشكال نفسه؟ لم يكن هذا واردًا في الوعي النقديّ العربيّ على الإطلاق. وقد يعترض البعض على هذا الحكم بحجّة أن الفلاسفة العرب، خاصّة الفارابي وابن سينا، قد أدلوا بدلوهم في مُناقشة هذا الإشكال، لكنّ اعتراضًا من هذا القبيل لا يخرج عن كونه مُجرّد ادعاء؛ لأنّ دور الفلاسفة العرب لم يتعدّ كونهم قراء للتراث اليونانيّ، أو مُترجمين له، أو مُلخِّصين، ولم يُضيفوا شيئًا عدا فهومهم التي ظلّت تُعاني مما صدق الفنّ الشعريّ اليونانيّ في تراثهم الشعري، فتخيّلوا الفنّيْن المُماثليْن لإرهاصات كلّ من التراجيديا والكوميديا- بمُوجب تصوّر أرسطو- في فنّيّ المدح والهجاء، وأقصوا ما يترتّب على مبدأ المُحاكاة من اقتضاءات معرفيّة تمسّ أسس الاعتقاد. أمّا نظرية النظم كما صاغ أسسها البلاغي عبد القاهر الجرجاني وغيره، ومسألة التخييل كما حدد معالمها الأسس مع الناقد حازم القرطاجنّي فهما قضيتان تتعلّقان بإنتاج الكلام الجميل وتصريفه، لا بتفكّر نظري في علاقة القول الجميل بالمعرفي المُتّصل بالحقيقة والكلّيّ؛ فما كان يشغل النقد العربيّ لم يتعدّ فهم تأدية الكلام على نحو مُغاير لطبيعته في اللسان الطبيعيّ. وإذا كان النقد العربيّ مُؤسسًا في سياق كلاميّ يغلب عليه فهم كيفية إنتاج القول الجميل، لا على المعرفي كما هو وارد عند اليونانيّين، فما الذي يترتّب – من جرّاء هذا- نظريًّا وإجرائيًّا على مهامّ الناقد في التراث العربيّ، ويُعَّدُ موازيا للمعرفي؟ حتى نصوغ الإجابة المُمْكِنة في هذا الصدد ينبغي فهم أصل الانشغال الفكريّ الذي كان وراء نقد الشعر. ولا تخرج هذه الإجابة عن مسألة التحكّم في اللسان بما هو سلطة، عن طريق صيانته من الاضطراب، بما يعنيه هذا من تقعيد. ولكن لا ينبغي فهم هذا الأخير بوصفه ضبطًا لبنية اللسان بما يحقق سلامته من اللحن فحسب، بل أيضًا ضبطًا لكيفيات إنتاجه وطرائق تصريفه وفق أوفاق يتداخل فيها الديني والهوية: التجديل بين النصّ الدينيّ بصفته كلامًا نوعيًّا، واللسان العربي بعَّدِّه نصوصًا. وكلٌّ من الديني واللسان منظورٌ إليه في هذا النطاق من زاوية النصّية بوصفها مُمارسة مُكرَّسة. يُعَدُّ- إذن- هذا الانشغال الفكريّ الذي يضع في صلبه اللسان مجالًا لتفكر العالم الأرضية التي كان ينشأ فوقها التفكير النقديّ، وإن كان هذا الأخير يبدو في جلّه انشغالًا ينصبّ على موضوع غير لغويّ (الشعر أساسًا). ويترتّب على هذا أنّ ما كان يصوغ علاقة الفكر النقديّ بموضوعه لا يتعدّ البعد الإجرائيّ (المراس الشعريّ). وقد ترتّبت على هذا تبعات في النظر إلى الموضوع الشعريّ سنتطرق إليها في نهاية هذا المقال.
ما كان موازيًا- إذن- للمعرفي اليونانيّ في النقد العربي ماثلٌ في المعيارية التي تتّصل بكيفية تحقق جودة الكلام وتملكّه مُقوِّمات الجميل، بما يعنيه هذا من مقبولية مُؤسَّسة على مُراعاة السماع، لا القراءة، لأنّ الشعر العربيّ ظلّ مُقترنًا بأصله الشفهي؛ حيث يرتهن إخراج الصوت وصياغة التمثيل بمُتلّق ملموس. ونشأ عن هذا أن أُقيمت المعيارية على تقنين كيفيات الإنتاج القوليّ الشعريّ، بما يسمح بتحقيق الغاية منه في اتّصال بالبداهة اللسانيّة. يتّضح- إذن- أنّ الأمر لم يكن في مُتعلِّقا النقد العربيّ بالتصنيف، ولا بالإشكال الإجناسيّ، وإن ورد شيءٌ من هذا القبيل فعلى نحو مُقتضب وعرضي (ابن قتيبة وتصنيف الشعر وفق هواجس نفسيّة).
ما طُرِح في النقد العربيّ- إذن- هو الانتماء إلى نموذج مُعترف به في إخراج القول الشعريّ، بما يجعله مُتلائمًا مع نسق من التعليمات التعبيريّة المُسنَّنة عبر الاستعمال. ويكتسي هذا الانتماء طبيعة قيميّة بالدرجة الأولى قائمة على التراتب في اتّصاله بالنموذج المعياريّ الذي يستند إلى مُقوِّمات فنّيّة تتراوح بين اللساني والبلاغي (عمود الشعر العربيّ). ويتأسّس التراتب القيميّ في التصنيف على معيار الأفضلية، بيد أنّ هذه الأخيرة- وإن وردت أحيانًا بين أغراض الشعر- ظلّت مُنصبَّة على المُنتِج (تراتب الشعراء في طبقات). لقد ارتبطت المعيارية المُقامة على جودة الكلام بالهوية الأسلوبيّة والتعبير الجيِّد عنها، وينبغي فهم هذه الهوية بوصفها مُؤسَّسة على طريقة التعبير، سواءٌ أتعلّق الأمر بالمعنى أم باللفظ.
وممّا تجدر الإشارة إليه أيضًا الفرقُ بين التفكير اليوناني في فنّ الشعر وتفكير النقد العربيّ فيه. فإذا كان الجانب المعرفيّ المتعلّق بالحقيقة قد اقتضى- عند اليونانيين- استحضار كلّ الفن الشعريّ، فإنّ المعيارية بوصفها عماد النقد العربيّ قد أنتجتْ رؤية تجزيئية إلى فنّ الشعر. فلم ينصرف النظر إلّا إلى وحدة البيت. ولا تكفي الإشارة إلى البناء الثلاثيّ للقول بوجود رؤية كلّيّة للمنتج الشعريّ؛ إذ كان فحص جودة الكلام تنصرف إلى عيّنات مُفردة معزولة عن بقية أجزاء القصيدة. ويُضاف إلى هذا افتقار النقد العربيّ إلى التفسير الذي كان يكمن خلف الفكر اليونانيّ في مُطارحته الفنّ الشعري؛ فلا وجود لأي ربط للمعنى بسياق إنتاجه أو عوامل مُتعالية تُفسِّره. والغريب أنّ النقد العربيّ لم يستفد ممّا كان يحدث في مجال علوم القرآن، خاصّة على مستوى آليات التفسير.
يتبين- إذن- أن النقد العربيّ لم يكن معنيا بالتصنيف، ولا بعلاقة الفنّ الشعريّ بالحقيقة. كما لم يتوفّر لديه الوعي بالجنس الأدبيّ للأسباب التي بسطنا القول فيها. ولهذا يُعَدُّ كل قول بورود مسألة الجنس الأدبيّ في التراث العربيّ مُجرّد توهّم. وما كان واردًا هو المعيارية التي تتّصل بالسلطة وتثبيت هويتها اللسانيّة والفنّيّة. وينبغي فهم إقصاء الفنون النثريّة التخييليّة في هذا الإطار، لأنّها لم يكن موثوقًا بها في نقل اقتضاءات هذه الهوية بأمانة؛ فالمكتوب النثريّ لا يقبل التعميم الواسع لأنّ اختزانه الذاكرتيّ صعب، والشفهيُ النثريُّ عرضةٌ للتغيير والتقلّبات بفعل تصرّف الرواة فيه.
أديب وأكاديمي مغربي
عبد الرحيم جيران