ما فعلته ريهام سعيد، في قضية «فتاة المول»، لا ينبغي أن يشغلنا كثيراً، فالمادة (308) من قانون العقوبات تكفي للتعامل معها، بدون ثورة، أو جدل، أو مناقشات عقيمة، وبدون ضغوط قد تخرج على أثرها من قناة «النهار»، إلى فضائية أخرى، على الرحب والسعة، بعد أن بات من الواضح أنها أداة من أدوات الدولة الفاشلة، لشغل الناس عن فشل الحكم، الذي أنتج هذا العزوف الجماهيري عن الانتخابات. وبدلاً من مناقشة هذا العزوف، تم جذب انتباه الناس بعيداً لتتمكن اللجنة العليا من الانتخابات، من أن تعلن نسبة الحضور المرتفعة كما فعلت في الجولة الأولى، من المرحلة الأولى!.
«فتاة المول»، كانت قد تعرضت في «مول الحرية» في مصر الجديدة، لتحرش من أحد الأشخاص، أنهاه بصفعها على وجهها، وإذ استنجدت بالشرطة، فقد رفضت التحرك والقبض على المتهم بحجة أنه لا يوجد دليل على ذلك، لكن الدليل تبين أنه مثبت بالصوت والصورة، عندئذ، ظهر أن المتهم معروف لدى الشرطة الباسلة، والتي بدت «قليلة الحيلة» فهو بحسب قولهم «بلطجي»، وقد خرج من السجن منذ فترة قريبة، ليكشف هذا جانبا مهما من الصورة، وهو أن عودة جهاز الأمن للقيام بعمله كدليل على نجاح السيسي في الحكم، هو كلام دعائي وليس حقيقياً، فبلطجي يتحرش بفتاة، وعندما لم تستجب له قام بصفعها «عيانا بيانا» وترفض الشرطة القيام بمهمتها، في القبض عليه وحماية هذه المواطنة، التي ظنت أنها في دولة، قبل أن تكتشف أنها في غابة.
«البلطجي» في مصر هو صناعة أمنية، وكان يجري استدعاء البلطجية في تزوير الانتخابات، وإن كان حبيب العادلي، قد تفوق على كل وزراء الداخلية السابقين بأن ابتدع دوراً للساقطات في العمل السياسي، عندما دفع بالمسجلات لدى شرطة الآداب في بعض الدوائر الانتخابية، لاسيما الدوائر التي خاض فيها الانتخابات قيادات جماعة الإخوان المسلمين، وذلك للقيام بدورهن مع ظاهرة الحشود الانتخابية من النساء، في انتخابات مجلس الشعب في سنة 2000، وحضورهن كان لافتاً في دائرة الدقي، التي خاض الانتخابات فيها نائب المرشد، والمرشد العام بعد ذلك الراحل مأمون الهضيبي ضد الوزيرة ومرشحة الحزب الحاكم أمال عثمان.
ولأنها كانت دائرة ساخنة، فقد كانت محط اهتمام الإعلاميين، وكانت الخطة منع وصول الناخبين إلى اللجان الانتخابية التي كانت تشهد إشرافاً قضائياً لأول مرة، وتولى «هذا الصنف» من النسوة منع الناخبات، ولما كانت ابنة الكاتب والأديب الكبير علاء الديب تعمل مراسلة لوكالة أجنبية، وقد أصرت على الوصول إلى اللجنة لممارسة عملها، فتحرشت بها «ساقطة» لتتدخل الشرطة الحريصة على الأمن، بالقبض على الصحافية ومن تعتدي عليها، وقد باتت ليلتها في الحجز بأحد الأقسام إلى أن تبت النيابة في أمرها، بتهمة الاعتداء على واحدة «مسجلة آداب».
وهذا كله كتبته في حينه ولا فخر، وفي وقت لم يكن فيه أحد يستطيع أن ينتقد أداء وزارة الداخلية ولو بشطر كلمة منشورة.
في حماية الشرطة
ولا نعرف، ما إذا كانت الشرطة الباسلة خافت فعلا من التصدي لـ «بلطجي المول»، أم أنه يمارس نشاطه في حمايتها، ومهما يكن فقد بدا إصرار «الفتاة» على تفجير القضية، وما وقع معها يمثل إساءة لوزارة الداخلية، فكان لابد من تشويهها هي والتشهير بسمعتها، عن طريق ريهام سعيد، ليضعنا هذا أمام ظاهرة تستحق البحث هي الخاصة «بالدور الأمني للإعلامي في ظل أنظمة القمع والاستبداد»، وقد أعلن مذيع قناة «إم بي سي مصر» تامر أمين من قبل أنه يشرفه أن يعمل «مخبرا» لصالح بلده، ومعلوم أن برنامجه على المحطة «المحترمة»، استخدم «كميناً» نسبة لأكمنة الشرطة، للقبض على زميلنا الصحافي إبراهيم الدراوي، والذي كان في بيروت عندما دعاه تامر للحضور والمشاركة في برنامجه، ولم يكد يغادر الأستوديو حتى وجد نفسه مقبوضاً عليه بتهمة سرقة شقة، وقد تطورت القضية لتصبح التخابر مع حركة حماس ليصدر ضده حكم بالمؤبد.
وقد تحول برنامج «ريهام سعيد» إلى «كمين» لاصطياد «فتاة المول»، لحماية «البلطجي»، والتغطية على الدور الأمني، الذي دفع إليه التقصير والعجز، أو التواطؤ، وربما جاءت الدوافع متشابكة، فالشبيح لم يعد كما كانت تقدمهم المسلسلات القديمة، هو ذلك الشخص المدمن، الذي يضع مطواة في جيبه، فدولة الشبيحة عرفت مع رسوخها، نظام الطبقات الاجتماعية، فهناك الطبقة العليا، التي توكل لها مهام كبرى، وقد شاهدنا صوراً أثبتت أن بعض مقدمي البرامج في الفضائيات المصرية على صلة صداقة، بالبلطجي الشهير «نخنوخ».
من الواضح أنهم في قناة «النهار» طلبوا من «فتاة المول» أن تسلم هاتفها المحمول قبل دخولها للأستوديو، ولأنها ليست لها سوابق في الظهور التلفزيوني، فلم تغلقه وتضعه في حقيبتها وإنما سلمته لهم، وربما وضعته في حقيبتها واستلموا منها الحقيبة بكل ما فيها، ليقوموا بتفريغ الهاتف المحمول، والحصول منه على (600) صورة استخدم بعضها في مهمة تقديمها على أنها «فتاة ساقطة». ولتقول المذيعة «اللوذعية» لولا هذه الصور لظلمنا جهاز الشرطة.
إن واقعة التحرش بالفتاة والاعتداء عليها ثابتة بالصوت والصورة، والتقصير الأمني ثابت، وبدلاً من يتم النظر للموضوع من هذا الزاوية، كان الطريق الوحيد هو استباحة عرض الفتاة، تحت لافتة أنها ما دامت لها صور بملابس غير محتشمة وفي أوضاع مخلة ونحو ذلك فإن عرضها مستباح، ولا كرامة لها لتصان، ومن حق أي شخص ان يتحرش بها فتخضع له، وإن لم تفعل استحقت منه أن يعتدي عليها، بعد أن قامت مذيعة قناة «النهار» بدور «رابعة العدوية».
صاحب القناة
ومن العبث، أن نمسك في ريهام سعيد، وهي ليست أكثر من «أداة» وهي «مسيرة لا مخيرة» وتستخدم في شغل المشاهد بقضايا الإثارة بعيداً عن السياسة وعن الفشل، ضمن منظومة الإلهاء التي يقوم بها «أهل الحكم» في سلطة الانقلاب، وكل له دور يؤديه في هذا الصدد، ولو كان بالدفع بها للإساءة للشعب السوري، لتقديمه جائعاً ومشرداً، ضمن الرسالة المملة للسيسي التي تتمثل في أنه حما مصر من مصير الشعب السوري، وحما الغرب من وجود ظاهرة النازحين المصريين للدول الأوروبية!. لا كلام لنا مع ريهام سعيد التي عرفت اسمها في البداية في صفحة الحوادث، وليس عبر الشاشة أو في صفحات الإذاعة والتلفزيون بالصحف. وكان المنشور مما رفضته لأنه يتعرض لحياتها الخاصة، وأظهرت المناقشات أن بعض الزملاء في صفحات الحوادث، لديهم اعتقاد راسخ أنه ما دام هناك محضر رسمي فالصحافي ليس مسؤولاً عن إثبات صحة المنشور، ثم أنه لا يوجد مانع من نشر شكاوى الناس حتى فيما يمس الحياة الخاصة، وهي رؤية غير قانونية بالمرة، فعبء الإثبات يقع على الصحافي أيضاً، ولأن الحياة الخاصة لآحاد الناس مصونة ولو كان المنشور تؤكده أحكام قضائية باتة!.
هناك خطأ مهني يقع الصحافيون الشبان فيه عندما يتصورون أن «الشخصية العامة» كالممثلين والمذيعين وغيرهم يجوز التطرق لحياتهم الخاصة، مع أن القانون المصري لا يعرف مسمى «الشخصية العامة» إلا في حدود قليلة لا تسري على النجوم ومن في حكمهم، وإن عرف «الشخص العام» أو «الموظف العام». ومعنى هذا أن نجوم الفن، والإعلام هم أيضاً من آحاد الناس الذين لا يجوز التطرق لحياتهم الخاصة.
والمعنى أن ريهام سعيد اكتوت بنار النشر عن حياتها الخاصة، على نحو كان ينبغي أن يدفعها لاحترام خصوصيات الناس، وما دامت لم تفعل، فإنه لا يجوز لنا أن ننشغل بها، فقد رفع عنها القلم.
المسؤول الحقيقي هو صاحب قناة «النهار»، الذي لا أعرف من هو؟ والإعلام الخاص في مصر، مرئي ومكتوب، لا يمكن التوصل إلى أصحابه بسهولة، فدائماً هناك مالك ظاهر، وملاك لا نعرفهم، وإذا كان قانون الصحافة قد حظر على الأشخاص الطبيعيين تملك الصحف، وجعل هذا من سلطة الشخصيات الاعتبارية وعبر شركات مساهمة أو تعاونية، فإن الصحف واقعاً مملوكة لأشخاص طبيعيين، وما يقدم لمصلحة الشركات وللمجلس الأعلى للصحافة هي قائمة الملاك الصوريين لاستكمال الشكل القانوني!
من «المحور» لـ «النهار»
في مجال الفضائيات هناك مشكلة أخرى هو عمليات البيع المتكرر للمحطة الواحدة، فعند البحث عن صاحب «النهار» برز اسم لوكيل أعمال نجل الرائد متقاعد صفوت الشريف، ثم جرى الحديث عن بيع لرجل أعمال آخر يدعي عمرو الكحكي، الذي أبقي على ريهام سعيد بعد فضيحة اللاجئين السوريين، وهو إن تخلص منها الآن بدافع الضغط فسوف نجدها تطل من شاشة أخرى، تماماً كما حدث عندما اضطر نجيب ساويرس لإنهاء عمل أماني الخياط، بعد هجومها على الشعب المغربي، فاستقبلتها قناة «القاهرة والناس»!.
وريهام كانت في قناة «المحور»، وغادرتها لـ «النهار» وظننت ان خلافاً وقع بينها وبين صاحب القناة حسن راتب، لكنها في مداخلة مع برنامج «90 دقيقة» عندما تعالت على مقدمة البرنامج إيمان الحصري، وقالت إنها لا تعرف اسمها، وعندما قالت لها الحصري وكيف تتصلين ببرنامج لا تعرفين اسم مقدمته استقوت باسم صاحب القناة! الشاهد هنا أن الفضائيات التلفزيونية الخاصة، تدار عبر شركة قابضة تديرها الأجهزة الأمنية. والحال كذلك فإن هذا ما يفسر جرأة ريهام سعيد حتى في وقت يتم فيه الترويج لإنهاء خدمتها من «النهار»، فهي كما غيرها لم تكن سوى «كمين أمني»، أو «كمين إعلامي» لا فرق، يعمل لصالح الأجهزة الأمنية التي تمثل السلطة التنفيذية في مصر.
هناك نقطة أخرى، وهي أن الإعلام ومنذ مرحلة جمال مبارك، يعتمد إدارة سياسة «تدوير القمامة»، يخرج المذيع من هذه القناة على تلك، ومن محطة إلى محطة، ومن رئاسة تحرير صحيفة إلى رئاسة تحرير صحيفة أخرى، أقل من خمسين إعلاميا يجري تدويرهم.
فلا تتركوا «الحمار» وتمسكوا في «البردعة»
صحافي من مصر
سليم عزوز