وليعذرني قومي، فقد صرت أنتظر أن يجن الليل، لكي أشاهد برامج «التوك شو»، على فضائيات الثورة المضادة في مصر، فاستمتع بها وكأني أشاهد «أبو لمعة» و»الخواجة بيجو»، في عرضهما الفكاهي القديم، الذي كان فيه الأول يقوم بدور «الرجل الفشار»، الذي يكذب كما يتنفس، بينما يشد الخواجة في شعر رأسه وهو في حالة غضب على ما يقوله صاحبه ولا يصدقه عقل!
هذا الحرص على المتابعة، أمكنني من مشاهدة البث الحي، للحظة التاريخية التي أعلن فيها «أحمد موسى» عن أن الروس لا يمزحون، وهم غير الأمريكان، ثم نقل المقطع الفضيحة عن حرب بوتين على تنظيم «داعش» لتعزيز ما يقول، فإذا هو لعبة، وقفت من خلالها على أزمة جيل، فليس مقدم البرنامج فقط، الذي وقع في هذا الخطأ، فالبرنامج فيه طاقم عمل، تُكتب أسماؤه بعد انتهائه، ومن الملاحظ أن أحداً من هذا الطاقم لم ينتبه لهذا الخطأ الذي تحول إلى فضيحة تغنى بها الركبان، وصارت مثار تندر في صحف غربية، جعلت «سيرة الإعلاميين المصريين على كل لسان»!
وصار علينا، أن نؤكد أن هذا ليس هو الإعلام المصري، ولكنه إعلام عبد الفتاح السيسي، وتابعه المرشد الروحي للإعلام بعد الإنقلاب اللواء «عباس كامل»!
أما أن ما حدث أزمة جيل، فلأن «موسى» والذين معه، لو كانوا يمارسون اللعب على الكمبيوتر لما وقعوا ضحية لمن مدهم بهذا المقطع الجريمة، وهناك أناس يتميزون بالوقار يبثون كلاماً جامداً وأراء جبارة على مواقع التواصل الإجتماعي، تأتي لأصدقائهم دعوات منهم، لم يرسلوها، بمشاركتهم في لعبة معينة، وقد كنت أعرف زوجة ثكلى تنعى بعلها في «بوستات» منذ أن تستيقظ في الصباح وتكتب عن ذكرياتها العطرة مع الراحل العظيم، وعقب كل «بوست» تترك الأصدقاء يعلقون بالدعاء لها بالصبر والثبات، والتأكيد على أنها أصيلة، لم تهن عليها العشرة، التي لا تهن، كما هو معروف، إلا على «أولاد الحرام»، بينما هي هناك تلعب «المزرعة السعيدة»، في وقت يستشعر فيه من قرأ «البوست» أنها اتخذت قرارها في هذا الصباح بالإنتحار لتلحق بالفقيد!
ودعوات المشاركة في «لعبة المزرعة السعيدة» وغيرها، هي دعوات لم يرسلها الراسل، ولكنها تطلق تلقائياً بمجرد البدء في هذه اللعبة!
الحروب الكونية
لا توجد أي وسيلة إعلامية أذاعت هذه اللقطات المذاعة على أنها فاصل من الحرب الروسية على تنظيم الدولة «داعش»، ولا يعقل مثلاً أن تكون الـ «كي جي بي»، أو المخابرات الروسية هي التي أرسلتها مباشرة للبرنامج المذكور، لتمكنه من الحصول على هذا السبق الإعلامي، فيتميز به عن كل وسائل الإعلام في العالم قاطبة، والأمر هنا لا يخرج عن احتمالين. الأول، أن هناك من تلاعب بمقدم البرنامج وفريق عمله، مستغلاً أن كبيرهم ليس أكثر من محرر للحوادث، خدمته الظروف فصار مقدم برنامج تلفزيوني يتحدث في الحروب الكونية. وقد يكون هذا المتلاعب من فريق العمل وقد يكون من خارجه!
الإحتمال الثاني، وهو المرجح عندي أن الفيديو وصل للبرنامج «مع مخصوص»، من قبل من يدير الإعلام المصري الآن وهو سكرتير عبد الفتاح السيسي «عباس كامل»، وقد يكون هو نفسه قد وقع ضحية لمتلاعب، قرر أن يجعلهم آية، ومثار سخرية وتندر في كل وسائل الإعلام على ظهر البسيطة، فلم تحتف «الجزيرة» فقط بهذه الفضيحة، وإنما عالجتها بعد أن تعرض لها الإعلام الغربي!
لقد وقفنا على المستوى الثقافي للقوم، وعباس كامل هو مجرد لواء بالجيش، وليس خبيراً استراتيجيا مثل الجنرال الجهبذ حسام سويلم، الخبير العسكري، والمحاضر، ومدير معهد ناصر، وهو معهد علمي خاص بالدراسات العسكرية، وقد جلبته رولا خرسا في برنامجها لتسأله عن رأيه في حصول «الرباعية التونسية» على جائزة نوبل؟ فأجاب لا فض فوه ومات بالسكتة الدماغية حاسدوه، بأن «الرباعية واحدة ست قدمت خدمات لوطنها». وإذا كان هذا مستوى «المتعلم» فيهم، فماذا ننتظر ممن هم دونه؟!
في الواقع، وحتى لا نظلم مقدمي البرامج في إعلام الثورة المضادة، فإنهم ليسوا أكثر من ضحايا لجهلة يديرون المشهد، وتكمن المشكلة في أن مقدمي البرامج وهم على جهلهم، ينظرون للرتب العسكرية، نظرة الجندي مجند، أو «عسكري المراسلة» وهو الجندي الذي يختاره الضابط من بين أقرانه ليقوم على خدمته، فيغسل له ملابسه، ثم يجلبه للأعمال المنزلية، منها شراء الخضار للهانم، وقد يتحول إلى سائق فتكون مهمته بالإضافة إلى هذا هي توصيل الأنجال إلى مدارسهم ودروسهم وإعادتهم من هناك. و»عسكري المراسلة» رتبة عرفية وليست نظامية، لكنها صارت من التقاليد المتوارثة.
نظرة «الجندي مجند» للرتب العسكرية العليا، هي التي تجعله يظن في حامل الرتبة علماً، أنتجته خبرة «معملية فذة»، فلا يكون أمامه إلا أن ينظر بانبهار لكل ما يقوله سيادة «اللواء أركان حرب»، وإذ ظلمنا «محمد الغيطي»، (وهو محرر فني بالأساس وصاحب خبطات صحافية عظيمة في مجاله، لكن ليست له فتوحات بعيداً عن هذا المجال)، عندما روى حكاية الأسطول السادس الأمريكي، الذي جاء لمصر دفاعاً عن حكم الإخوان، لكن الضفادع البشرية المصرية حاصرته، وقام الفريق مهاب مميش بإصدار أوامره بالقبض على قائده، والذي ربما لا يزال رهن الإعتقال إلى الآن، فلم يتم حتى كتابة هذه السطور نشر ما يفيد إطلاق سراحه، بل المدهش أن الولايات المتحدة الأمريكية لم تتوسط له لدى السلطات المصرية ليحصل على الإفراج وكأنه بلا قيمة، وكأنه لا يوجد أهل يريدونه، وكأنه يتيم الأبوين!
من هؤلاء القوم ومن أين جاءوا؟
مهما يكن، فمن يمثلون مصادر للأذرع الإعلامية للانقلاب، فنشاهد هذه الفضائح، التي تذاع عبر من يفتقدون للحد الأدنى من الوعي العام، ولا أقول الثقافة العامة، لا يجدون راحتهم إلا مع مستوى ثقافي معين. ومن الواضح أن هذه «المصادر العليمة»، وجدت عدم قدرتها على توصيل علمها اللدوني للناس عبر آخرين من مقدمي البرامج، يمتلكون الوعي، فتم التخلص من ريم ماجد، وحافظ المرازي، ويسري فودة، وغيرهم رغم أنهم كانوا مع الإنقلاب العسكري، لسبب مهم هو أنهم يريدون من يرددون الخزعبلات بثبات الجاهل الذي يُغنيه جهله عن أي علم!
الطابور الخامس
بطبيعة الحال، فإن هناك سبباً آخر لعملية الإبعاد، هي أن هؤلاء وإن انحازوا للانقلاب فإنهم مع «ثورة يناير»، والمجال الآن لم يعد يتسع لأولئك الذين يتحدثون عن الثورتين: «يناير» و»يونيو». فالثورة الوحيدة المعتمدة رسميا هي ثورة «3 يوليو»، أما من أيدوا «يناير» فيتم وصفهم بالطابور الخامس!
وقد اختفى ضيوف من برامج «التوك شو»، كانوا إلى وقت قريب، وقبل أن يعلم كل أناس مشربهم، ملء السمع والبصر، فقد افتقدت في متابعتي عبد الحليم قنديل، وعبد الله السناوي، وعلاء الأسواني، وعبد الجليل مصطفى، ويحيى القزاز، ومحمد أبو الغار، وناصر أمين، فلم يعودوا ضيوفاً على برامج فضائيات الإنقلاب، وهم الذين قبلوا الدنية في أمرهم، وقبلوا التحالف مع المرحلة الجديدة، لأنها أسقطت الإخوان، ولم يكن مغرراً بهم، كما قلت في بداية الدعوة لـ «30 يونيو»، فقد قال حمدين صباحي لأنصاره في دعوته للاحتشاد في يوم الإنقلاب الأكبر لا يسأل أحدكم من يقف بجواره هل هو من الحزب الوطني؟ فما بيننا وبين هذا الحزب خلاف ثانوي وخلافنا الجذري مع الإخوان!
كتبت مبكراً لمن شاركوا في «ثورة يناير» وانحازوا للإنقلاب عليها «أنتم لستم أصحاب الليلة فلستم أكثر من ضيوف على هذه الليلة»، فالدعوة لإسقاط مرسي لها أصحاب والحاجة لكم هي لمسافة السكة».. نعم قلتها نصا.. الآن قطع السيسي «مسافة السكة»، فلم يعد بحاجة إلى هؤلاء، وصارت البرامج التلفزيونية هي مناظرات بين من شاركوا في «يونيو» فقط، واختفى عبد الحليم قنديل، الذي كان يستضيفه أحمد موسى، فيسرف في مخاطبته بـ «أستاذ أحمد»!
«الأستاذ أحمد» الآن يصف «ثوار يناير» بأنهم الطابور الخامس، وهو الوصف الذي سبقه إليه «توفيق عكاشة» على نحو كاشف عن أن المصدر واحد، وأنه تعبير عن سياسة حكم، وليس عن انحياز مذيع، وهو المصدر صاحب الفيديو، الذي خلط بين حرب الناموس، وحرب الروس على تنظيم «داعش».
«قل إعلام العسكر»، ولا تقل «الإعلام المصري»
صحافي من مصر
سليم عزوز