الخوف الذي يحكم مصر

حجم الخط
1

في حديثه خلال جولة له في محافظة البحيرة في 27 أغسطس 2017 أكد وزير التنمية المحلية المصري، هشام الشريف، على أن «ما حدش يخاف في عصر السيسي، حق البلد هنجيبه لولاد البلد، وموضوع التعدي على أراضي الدولة انتهى للأبد». 
حديث قد يعيد إلى الواجهة حديث الرئيس عبد الفتاح السيسي في مايو 2016 عن الخوف، عندما أكد على أنه لا يخاف، مطالبا الشعب – عبر حديثه مع ركاب الأتوبيس المفترض – بعدم الخوف. ولكن الغريب أن الحديث عن غياب الحاجة إلى الخوف لا يحقق درجة الثقة والطمأنينة المفترضة ولكنه يزيد من أهمية الخوف والقلق وليس العكس، خاصة أن المبررات متوفرة لذلك. وإن كان كل نظام يتحدث أكثر عما يفتقده فإن الحديث عن عدم الخوف قد يكون كاشفا عن الخوف أكثر منه نافيا له.
يأتى حديث الوزير عن «عدم الخوف في عصر السيسي» تحديدا مثيرا لتساؤلات عديدة، سواء للإطار العام الشامل لفكرة عدم الخوف أو بالإشارة للنقطة المحددة التي تعرض لها، وهي التعدي على أراضي الدولة. فمن جانب يصعب إنكار حالة الخوف التي تحيط بالأجواء في مصر، في وقت طالب السيسي نفسه الإعلام في 25 يوليو 2017 بتصدير «فوبيا الخوف من إسقاط الدولة» للشعب. فوبيا الخوف التي طالب بها السيسي لا تمثل إلا جزءا من آليات الحكم وترسيخ صورة رئيس الضرورة لشعب يتم العمل على إثارة خوفه بصور وتبريرات متنوعة، بداية من الحديث عن المؤامرات الكونية، للحديث عن الإرهاب وأهل الشر، مرورا بالخوف من أوضاع دول الجوار وتمزق وحدة الكتلة الصلبة. يتحول الخوف إلى ضرورة مثل فكرة المؤامرة التي لا بد أن تظل حية حتى تبرر كل ما يحدث، بما فيه حالة الصمت على ما يحدث، أو كما قال باولو كويلو: «لكي تسيطر على شخص أوهمه بأنه خائف»، وهو ما يحدث طوال الوقت بصور متنوعة.
يأتى حديث الوزير كاشفا عبر التناقض، التناقض نفسه الذي حاول السيسي توظيفه لتأكيد وطنية النظام، مقابل الانتقادات التي تحيط بالتنازل عن جزيرتي تيران وصنافير، عندما طرح فكرة استعادة أراضي الدولة، التي عبر عنها بالصوت المرتفع، وعبر التأكيد على أنها أراضي مصر، بما يعني عدم الحق في التنازل عنها. محاولة حرص من خلالها على أن يؤكد بشكل غير مباشر -ومن وجهة نظره- على أنه لا يفرط في تيران وصنافير لأنها أراض غير مصرية، وفقا له ووفقا لتفعيل وصية الوالدة، التي تتحول إلى سلطة تعلو السيادة وحقوق الشعب، وتعبر عن مساوئ غياب الديمقراطية وترسيخ حكم الفرد. جاء حديث الوزير وهو يؤكد على غياب مبررات الخوف مستندا إلى استرجاع مفترض لحق البلد وانتهاء التعدي على أراضي الدولة «للأبد».
ولكن الغريب أن تلك التصريحات تأتي بعد التنازل عن تيران وصنافير، وتمليك أراض لملوك عرب في سيناء وغيرها، مع إعطاء أراض أخرى بأسعار شديدة الرخص، وتبدو رمزية حتى يقال إنها بيعت ولم تمنح مجانا لرجال أعمال وغيرهم باسم الاستثمار. وما يتجاوز عنه خطاب إعلاء كلمة الاستثمار والتجاوز عن الأرقام التي يتم بها تمليك أو اعطاء حق الانتفاع بهذه الأراضي أن الأرض ملك الوطن والشعب، أما الاستثمارات فهي ملكية ومكسب لرجل الأعمال. 
ما يتم التجاوز عنه من قيم حقيقية للأرض، عندما تباع أو تخصص لعقود ممتدة باسم الاستثمار، هو حقيقة أنها تتجاوز عن حق الوطن في الاستفادة من تلك الأراضي والدخل الذي كان يفترض الحصول عليه منها، ناهيك عن التفريط في السيادة عبر التمليك أو مدد الانتفاع الطويلة الأجل. أما الحديث عن الاستثمارات فقضية أخرى تخص رجل الأعمال، وما يحققه من أرباح يضمن في ظل حصوله على أراض رخيصة أو مجانية أنه يحصل على مكاسب فقط، وفي النهاية لا تعبر عن حماية حقوق البلد لولاد البلد التي أشار إليها الوزير.
واقع يطرح مقارنة ضرورية بحالات لا تتم فيها الأمور من دون رقابة ولا تتم فيها حماية أراضي وحقوق الوطن والشعب عبر تصريحات مكررة وأغان حماسية وحفلات وطنية، لا تحمي حقا ولا تضمن سيادة واستقلال. واقع يطرح أحداثا شهدتها كوريا الجنوبية بعد الكشف عن استفادة تشوي سون- سيل الصديقة المقربة من رئيسة البلاد بارك غوين – هاي من علاقتها بها للحصول على منافع، بما فيها الحصول على صفقات تجارية أو معونات من بعض الشركات، بعد توصية مباشرة من بارك. أحداث أفرزت غضبا شعبيا ناتجا من فكرة استغلال السلطة، وحصول تلك الصديقة على ما لا يفترض أن تحصل عليه هي وأسرتها، إلى جانب إطلاعها على أسرار للدولة بحكم تلك العلاقة المميزة، بما أفقد رئيسة البلاد مبررات الاستمرار في المنصب، وأدى بعد تفاعلات كثيرة ومظاهرات إلى إقالة بارك وإجراء انتخابات وفتح تحقيقات ما زالت تفرز نتائجها في صور أحكام تطال كثيرا من تلك الأسماء.
أما في اليابان فإن البلاد وعلى مدار أشهر تشهد جدلا آخر يقف البرلمان في القلب منه، حول تخصيص قطعة أرض تملكها الدولة بسعر مدعوم لمدير إحدى المدارس، من أجل إقامة مدرسة، بعد أن طرحت تساؤلات حول علاقة الصداقة التي تربطه برئيس الوزراء شينزو أبيه، ودور تلك الصداقة في الحصول على الأراضي بسعر أقل بكثير مما يفترض بما يتمثل في خسارة لأموال تخص الشعب. وهو ما فتح النقاش حول علاقة مالك المدرسة برئيس الوزراء ودوره في حصول صديقه على الأرض من عدمه، وهو أمر ما زال موضع نقاش وجدل في الإعلام والبرلمان، وما زال رئيس الوزراء يرد على تساؤلات بخصوص تلك المزاعم، ويؤكد على عدم تدخله، وأنه سوف يستقيل إن ثبت العكس.
تلك الوقائع توضح أن الحديث عن الاستثمارات أو جذب رجال الأعمال بوصفه مبررا للتفريط في أراضي الدول، أو تقليل قيمتها هو خسارة حقيقية، سواء بالمعنى الاقتصادي أو السياسي. والأكثر أهمية أنه تفريط من لا يملك في ما لا يملك، وتجاوز من السلطة التنفيذية في استخدام سلطتها، استنادا إلى غياب الديمقراطية وإلى سيطرتها على مقاليد السلطة والإعلام وغيرها من الأصوات التي تبرر كل الأشياء وتحول كل فشل إلى إنجاز. تفريط ممتد بصور متنوعة من عهد الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك عبر تمليك مئات الفدادين بالمجان أو بأسعار شديدة التواضع، وبلا قيمة اقتصادية حقيقية، باسم دعم الاستثمارات التي تنتج في النهاية المزيد من الفنادق والمنتجعات السياحية والعوالم المغلقة، التي قد توفر بعض فرص العم،ل ولكنها لا تحقق مكسبا حقيقيا للوطن، وإن تمت المقارنة بحجم الخسائر من أراض تمثل أصولا وحقا للشعب في اللحظة والمستقبل، فهي خسارة حقيقية معلبة في غلاف براق قد يجمل القبح ولكنه لا يغير منه.
قد يرى البعض أن الديمقراطية لم تمنع استغلال السلطة في حالة كوريا الجنوبية، أو احتمال استغلال السلطة بشكل مباشر أو غير مباشر في حالة اليابان المشار إليهما، ولكن ما يجب عدم إغفاله أن الحرية والإعلام الحر والمكاشفة والمسألة وعدم الخوف من الاختفاء القسري أو التعذيب وغيرها من الممارسات التي تتم في ظل غياب الديمقراطية، كلها أمور تعمل على كشف الحقيقة وعندما تظهر لا يملك أحد أن يسكت الجماهير بأوامر عسكرية أو بالحديث عن وصايا أسرية، عندما تظهر يخضع المسؤول مثله مثل غيره للتحقيق ويكون عليه أن يقدم الأدلة والأسانيد التي تنفي تلك الاتهامات، وعندما تتم إدانته ماديا أو معنويا يترك منصبه ويحاسب وفقا للقضية محل النقاش والاتهام الموجه. وكلها أمور تفتقد في عالم تحكمه وعود خطابية ويؤكد على الإنجازات والوطنية بتكرار عبارة تحيا مصر وترديد تسلم الأيادي.
يتم التجاوز عن كل الأخطاء باسم الإرهاب وأهل الشر، والحديث عن تعديل الدستور لاستمرار الرئيس، يتحول إلى فقاعة تصعد ثم تخبو وفي الطريق يظهر الهدف الأساسي فإن كانت الفترة المتاحة حتى الانتخابات الرئاسية منتصف 2018 غير كافية لتعديل الدستور، فإن الضرورة – كما تؤكد تلك الأصوات ـ تحتم دعم السيسي مع التأكيد على ضرورة تعديل الدستور خلال عام الانتخابات، وبهذا يتم الدفع بالسيسي لمدة ثانية باسم الضرورة، ويتم تعديل الدستور من أجل إطالة مدة الحكم ومرات الرئاسة. ولأنه من الصعب أن نفعل الاشياء بالطريقة نفسها ونتصور نتائج مختلفة تبدو نتائج وجود السيسي في السلطة بكل ما يحيط بها وتعديل الدستور لفترات رئاسية أخرى محتملة، مجرد تكرار لفيلم قديم ولكن في صورة أكثر قمعا بحكم تطورات واقع ما بعد ثورة يناير، ومشاعر خوف السلطة ودوائرها من غياب النفوذ وخوف الجماهير من المجهول.
يظهر الخوف بوصفه أداة مهمة من أدوات السلطة وآليات البقاء، كما يظهر بوصفه جزءا من مكونات غياب الثورة رغم سوء الأوضاع، ولكن التحديات قد تولد فعل تغيير يتجاوز حسابات من يخطط، ويؤكد أن الأمن مستتب والأوضاع لا تدعو إلى الخوف، رغم أن الواقع يقتات على الخوف ويتعايش معه وينمو به.    
كاتبة مصرية

الخوف الذي يحكم مصر

عبير ياسين

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية