في حديثه بعد تفجير كنيسة مارجرجس والمرقسية في أبريل 2017، قال الرئيس عبد الفتاح السيسي معلقا على ما اعتبره مواجهة عمل وجهد وتخطيط لدول وتنظيم إرهابي، إن «المواجهة طويلة ومستمرة ومؤلمة كمان، وهيتقدم فيها ضحايا كثير. اتقدم فيها ضحايا من الجيش والشرطة، واتقدم فيها ضحايا من القضاء، واتقدم فيها ضحايا من أقباط مصر أو مسيحيي مصر».
كان حديثه مهما رغم قصره، وكان غياب الحديث عن التضحيات بوصفها تضحيات الشعب المصري ككل، أو الإشارة لتقديم ضحايا بوصفهم مواطنين فقط دون انتماء لجماعة أو ديانة محددة لافتا. كانت الإشارة إلى خسائر مسيحيي مصر مرتبطة باللحظة، ولكن في غياب تلك اللحظة الخاصة هناك تأكيد متكرر على ضحايا الجيش والشرطة، في حين تغيب تضحيات وخسائر الشعب في عمومه، التي لا يتجاوزها الإرهاب ولكنها تتجاوزه بالكثير من الأسباب.
يقف الشعب في مواجهة السلطة بوصفها رجل أعمال لا يعرف الشعب إلا بوصفه دافع ضرائب وممول مشروعات وفشل، في خارج تلك المعرفة هناك الشعب «العظيم» الذي يتحمل ويصبر ويفوض ولا يثور. ولأن الشعب غائب بوصفه صاحب السلطة، والذي توجد السلطة لخدمته وليس العكس، فقد كان حاضرا في أحاديث أخرى، يؤكد فيها السيسي، بوصفه صاحب المال والأعمال وليس موظفا عاما بدرجة رئيس، أنه غير معني بالإنفاق على تنمية وتطوير السكة الحديد، مثل غيرها من الخدمات والأدوار التي تنسحب منها الدولة في عهده. وفي حديثه في محافظة قنا في مايو 2017 الذي تناول فيه السكة الحديد بشكل واضح طالب، كما هي العادة، بأن يتم إبلاغ الشعب بالتكلفة والموارد أو الخسائر، وأشار إلى أنه يمكن أن يضع تلك المبالغ في بنك ويحصل على فوائدها، وكأنه فعليا رجل أعمال يتحدث بمنطق رقمي للمكسب والخسارة، وليس موظفا عاما لسلطة يفترض أن تقوم بأدوار خدمية لا تهدف للربح بالأساس، لأنها تستهدف الشعب ولأن تلك الخدمات لن يقدم عليها القطاع الخاص بشكل عام، أو في اللحظة المعنية التي لا يستطيع الشعب في عمومه تحمل ثمنها، أو لأنها شديدة الحيوية ويفترض أن تقدمها الدولة مثل الصحة والتعليم، من دون أن تحاسب على الربح منها ومن دون أن تحمل فشلها في تخصيص الموارد على المواطن فقط.
يتحدث السيسي في خطابه في قنا، الذي أعيد للحياة بعد حادث قطاري الإسكندرية الذي وقع يوم 11 أغسطس 2017 وأسفر عن وفاة أكثر من 40 شخصا وجرح أكثر من 150 شخصا، كما في غيره عن ضرورة «مصارحة» الناس بتكلفة الأشياء، ويؤكد غضبه من الاعتراض على رفع سعر التذكرة، ويؤكد «أنا كمان غلبان مش قادر أعمل لك سكة حديد آمنة»، ويعتبر أن عدم المصارحة تلك، بما تتضمنه من تحميل الزيادات على الشعب، هي سبب المشاكل. لكن تلك المصارحة التي يطالب بها السيسي لا تقول بشكل حقيقي ما أُنفق على مشروع قناة السويس وما الذي حققه من مكاسب؟ وما هي ضرورة العاصمة الإدارية الجديدة، بكل ما يحيط بها من تسريبات عن أكبر مسجد وأعلى مئذنة في اللحظة؟ أو ما هو منطق السجادة الحمراء؟ وما هو حجم الإنفاق على مؤتمرات الشباب، وغيرها من اللقاءات التي تعقد بشكل متكرر من دون أن يحاسب أحد عليها، ومن دون أن نقارنها باحتياجات أكثر الحاحا.
لا يتحدث السيسي بصراحة وهو يشير إلى «الجنيه» الذي يطالب بزيادته على التذكرة، عن حقيقة أن الواقع تجاوز الجنيه بمراحل وتحول إلى زيادات ضخمة في السلع والخدمات، بما فيها تراجع الدولة عن أدوار أساسية، ناهيك عن معاناة متراكمة في ظل ارتفاع موارد الطاقة والأسعار، وانخفاض قيمة الجنيه، وغيرها من اعتبارات يتجاوز عنها في خطاب رجل الأعمال الذي يتجاوز فيه عن خطاب الدولة ومسؤوليتها الاجتماعية ودورها في تقديم خدمات أساسية.
يطالب السيسي بالصراحة من وجهة نظر رجل الأعمال، ولكنه يغيب الصراحة التي تتعلق بالحكم ومسؤولية الموظف العام. ومادامت العقلية والخطاب واحدا، يصبح من الطبيعي أن تتزايد الخسائر وتستمر الكوارث بصورها المتعددة ويتعمق وجع الحياة. وفي غياب الديمقراطية يصبح من الطبيعي أن يقفز تفسير المؤامرة في كل كارثة للواجهة، من جانب السلطة أو الشعب، وتفسير أهل الشر والإرهاب من جانب السلطة، والمحصلة دوائر من الفشل تدفع في اللحظة وتتراكم في المستقبل. وفي الخلفية تأكيدات السيسي على أن المهم أن نقارن حجم خسائرنا بخسائر غيرنا، وأن نتذكر أن نرد على سؤاله الذي طرحه على هامش تفجير مارجرجس والمرقسية: «المواجهة ده والنزيف اللي احنا بننزفه ده والا النزيف اللي انتوا بتشوفوه في دول ثانية؟»، سؤال ربما تكون له وجاهته لمتفرج خارج المشهد، ولكن تلك الرؤية المتجردة من المشاعر، التى تقارن بين ما هو سيئ وما يفترض أنه أسوا تقع خارج البحث عن مكان أفضل للوطن، وخارج الإحساس الإنساني بالألم والمعاناة، وتراكم خسائر الحياة للبشر، وتستمر في فرز طبقي بين من يملك ويحصل على أفضل الفرص، ومن يطالب بالانتظار وتحمل المعاناة من أجل أبسط صور الحياة التي يفترض أن تصل بعد سنوات.
يتحول الهروب في قارب إلى كفن، وركوب قطار أو سيارة إلى كفن آخر، وبينهما تتنوع صور المعاناة التي تظهر في كل كارثة، بما فيها العمليات الإرهابية والضحايا، سواء من مدنيين أو عسكريين ورجال شرطة في كمين أو نقطة حدودية. تظهر الكوارث جوانب أخرى من الكوارث وتعمقها. تتراكم أخبار تأخر سيارات الأسعاف، أو عدم وجود الرعاية والأدوات الكافية في المستشفيات القريبة، والمقارنة بين تعامل الدولة مع ضحايا مصريين وتعاملها مع ضحايا أجانب. وتظهر بوضوح صور المعاناة في الأماكن المحيطة بالضحايا، في صور الأتوبيسات أو القطارات المتهالكة، أو الأماكن الخالية من أبسط ضرورات الحياة، لمستشفيات تفتقر أبجديات تقديم الخدمة الصحية.
ويظهر الحدث مساوئ التنميط وغياب وتغييب المعارضة وأهمية تنوع الأصوات، ووجود قنوات حقيقية للنقد. مقارنة سريعة بين خطاب النقد المرتفع الصوت أيام حكم الرئيس محمد مرسي، وكيف تحولت كل الأفعال والتصرفات بما فيها التي لا تخصه بالضرورة إلى أسباب لنقد الرئيس مباشرة، ومطالبته بالاستقالة، مقابل اللحظة التي يسارع فيها عدد غير قليل للدفاع عن السلطة واستبعاد مسؤولية أي شخص في المراتب العليا عن ما يحدث. وتؤكد الأصوات نفسها، التي عارضت بصوت مرتفع في ما مضى، على ضرورة الانتظار لسنوات لأن الإصلاح – كما يقال لنا- عملية طويلة.
تقدم سنوات طويلة تتجاوز مدة وجود السلطة في موقعها في اللحظة، وأن تجدد وجودها لفترة أخرى، في حين لا يعرّف لنا أحد معنى الإصلاح الحقيقي وكيف يترجم إلى بناء مشاريع فاشلة تستنزف موارد الدولة، في حين يستمر الموت والمعاناة لسنوات في قطاعات أخرى مهملة. ومن يدفع ثمن هذا «الإصلاح» حتى يتحقق بعد سنوات مادامت آليات السلطة نفسها قائمة، وما دامت الأولوية لقص شريط وإقامة مشاريع، تُعلب في كلمات كبرى وعندما تفشل في تحقيق تلك الأهداف التي أعلن عنها في المرة الأولى، تتحول إلى مجرد جزء من الممانعة والروح المعنوية، كما قال السيسي عن مشروع قناة السويس، ولا تعرف كيف يمكن لمشروع قناة السويس الآن بعد أن فشل في تحقيق وعوده الاقتصادية أن ينجح في رفع الروح المعنوية، وسط صور الموت في قوارب هجرة وصحراء ليبيا وحوادث قطارات وطرق.
يُغلّب صوت المؤامرة من قبل البعض، ويساهم وقوع حوادث أخرى بعد حادث الإسكندرية في حديث البعض عن أن ما يحدث مؤامرة لبيع هيئة السكة الحديد، وهو ما يعارضه البعض بمنطق مؤلم آخر، وهو أن السلطة لا تهتم برأى الجماهير وهو منطق يتماشى مع ما حدث في تيران وصنافير، وما يحدث في جزيرة الوراق وغيرها. بالمقابل يسارع البعض للرد بالأسلوب نفسه، ولكن من خطاب السلطة، حيث الحديث عن أهل الشر واستهداف الوزير، وكأن الحدث جديد على المشهد المصري، أو أن الكوارث نتاج للإرهاب فقط.
أعود لتعليق لمؤسس مجموعة مايكروسوفت، بيل غيتس، في يونيو 2016 قال فيه: «إنه من البديهي بالنسبة لي أن أي شخص يعيش في الفقر المدقع سيحسن وضعه إن اقتنى بعض الدجاج»، وهو التعليق الذي جاء على هامش مشروع لتقديم مئة دجاجة إلى عائلات تعيش تحت خط الفقر في إفريقيا جنوب الصحراء. ولكن في واقعنا نتعامل مع سلطة ترى أن الخدمات تقدم حسب الدفع، وانها تملك أن تحاسب المواطن ولكن المواطن لا يملك أن يحاسبها على تخصيص الموارد، وأنها تملك أن تغير أهداف مشروع بعد فشله وتشكل لجانا بعد كارثة، ولكنها لا تقف في مواجهة أسباب الكارثة الحقيقية وتركز على قص الشريط والصورة أكثر من المواطن والمعاناة.
كاتبة مصرية
عبير ياسين