سنقتصر في مُعالجة علاقة الرواية التاريخيّة بالذاكرة الجماعيّة- في هذا المقال- على ما أرساه جان بسيير من تصوّر يُقيمه على قاعدة التجديل بين الحكي الأدبيّ والذاكرة والجماعة. وممّا هو لا فت للنظر- في تصوره هذا- أنّه يتَّخذ موقفًا حَذِرًا تُجاه الذاكرة الجماعيّة، ومدى مصداقيتها في بناء الحقيقي في مقابل الخيالي. وينبغي أن نتقبَّل حذره هذا في إطار الفهم الذي يرى إلى الذاكرة الجماعيّة بوصفها ماضيًا يخصُّ جماعةً ما، لكن من خلال المنظور الذي يرى إليها في مظهرها المزدوج من زاوية كونها مادّة، وطريقةً لحفظ هذه المادّة في الآن نفسه. كما ينبغي تقبّل كون الأدب بعامّة- والرواية التاريخيّة بخاصّة- إذا اتّصلا بهذه المادّة فعلى نحو مخصوص، واستثنائيّ، وبطريقة متحفيّة، بما تعنيه كلمة متحف من وظيفة لا تتعدّى إعداد المادّة وعرضها. ويتّخذ جان بسيير من الأدب ما بعد الحداثيّ مجالًا للتدليل على موقفه هذا القائم على الحذر من المُماثلة بين ما يتناوله الأدب والذاكرة الجماعيّة الحيّة المُرتبطة بتجرية جماعة ما.
وترتيبًا على هذا يرى جون بسيير أنّ ما يستطيعه الأدب- في هذا النطاق- هو تجسيم هذه الذاكرة بوساطة تمثيل الأفراد المجهولين الذين ينتمون إليها، لا المعروفين، والتي تسمّى بالتاريخ؛ أي اتّخاذ الأدب هؤلاء موضوعًا للحكي، وجعلهم في الآن نفسه مُمثِّلين لهذه الذاكرة بوصفها تاريخًا. وينبغي فهم المجهولية- هنا- بوصفها مفهوما تتضافر فوق أرضيته الرواية وتمثيل التاريخ، ويتبادلان هويتهما؛ فالمجهولية ترتبط بكون الرواية ليست نوعًا أدبيًّا جماعيًّا، بل هي فردية الطابع؛ ومن ثمّة فهي تدخل في صلب الكتابة الروائية التاريخية الأفراد المجهولين بوصفهم شخصيات مُمثِّلة لموضوعات الذاكرة الجماعية. وتتّصل التاريخية بكون الأدب يُشكِّل علاقته بالمادّة التاريخيّة (الفاعلون الكبار في التاريخ) اعتمادًا على فاعلية مُزدوجة: ا- اعتماد ما تُوفِّره الكتابة التاريخيّة من مادّة، وب- التقليد الذي ساد في الكتابة التاريخيّة، والذي يُقدَّم الماضي بمُوجبه كما لو كان مُستمِرًّا في الحاضر. ولا تصير الرواية ذات طبيعة ذاكرتيّة إلّا بفعل مهمّة نقل الماضي هذه.
لم يخرج جان بسيير في تصوّره هذا- على الرغم من حذره تُجاه استعمال الذاكرة الجماعيّة في المجال الروائيّ- عن القناعة التي ترى في الذاكرة ملكًا مُشاعًا، وأنّها موضوعة تحت رهن إشارة كلّ حقل تاريخيّ أو سرديّ. هكذا يعمل الروائي في تسريده المادة التاريخيّة من طريق استعمالها لصالح فنّه ووعيه؛ إذ يسكن وعيه الفرديّ الخاصّ في قلب التاريخ بوساطة التشخيص القائم على المجهولية بوساطة التخييل؛ لكن يضرّ بتصوّره هذا ما ساد في الفكر النقديّ السرديّ الغربيّ من نظرٍ يرى إلى علاقة الذات بالموضوع بوصفها مُباشرة. وينبغي تبعا لهذا الفهم إعادة النظر في مسألة إسكان الوعي الفردي الخاصّ في التاريخ- أو الذاكرة الجماعيّة المُستعادة؛ فهي لا تحدث وفق اتّصال مباشر بينها وهذا الوعي، بل وفق ما يتوسّط بينهما من أوعاء سابقة تسكن التاريخ؛ فهذا الأخير ليس مجرد أحداث، بل هو أيضا سكن لتأويلات مُختلفة، منها تلك التي صاحبت التاريخ عبر الأزمنة، ومنها تلك التي تهجر من الحاضر نحو الماضي. ولا ينفصل التخييل- على مُستوى اختلاق حبكة للتاريخ- عن هذه الأوعاء التوسُطية وهي تدخل في جدل مع حركة وعي الروائي النازلة من الحاضر نحو الماضي؛ إذ يُكيَّف بناء حكاية التاريخ، وتجسيمُ الشخصيات مع هذا التوسّط على مُستوى صياغة الوعي الخاص لمن يكتب.
ولا ينبغي الاقتصار على المُلاحظة السابقة، بل لابدّ أيضًا من التريّث في صدد موقف جان بسيير الذي يلح على فردية الرواية، وفردية الوعي الذي يُشكِّلها، وكذلك إسكان الوعي الفرديّ غير الموسّط في التاريخ؛ إذ من اللّازم مُراعاة إمكان نوع من التجديل بين الفردي والجماعي في تخييل التاريخ، وفي بناء الذاكرة الجماعيّة. يُمْكِن تبيّن هذا الأمر بالعودة إلى كريستوف ديزيري أتنـﯕانا في دراسته حول كلٍّ من أمين معلوف، وجان- ماري كوستاﭫ لوكليزو؛ حيث يرى بأن كلًّا منهما يُحاول أن يهتمّ بطريقته الخاصّة بالسياق الاجتماعيّ في بناء ذاكرة التاريخ الجماعيّة، ويُؤكِّد على أنّهما يطمحان معًا إلى القبض على رابط معيَّن بين «الفردي والجماعي لتأسيس مُتخيَّل اجتماعيّ وتاريخيّ». ولا يَتعيّن هذا الرابط في ما هو وعي- أو فكر يسكنه الروائي في التاريخ فحسب، بل أيضًا في الخيط السرديّ الذي تُصاغ بمُوجبه الحبكة؛ إذ تعكس في الغالب سؤالًا جوهريًّا: «كيف يُمْكِن الوصول من خلال توتّر بين الفرد والمُجتمع- بفعل عطب هوياتيّ- إلى علاقة تناغم بينهما؟». يتبيّن لنا أنّ إسكان الوعي الفرديّ في التاريخ، لا يتمّ إلّا في حدود الربط بين الذاكرة والهوية. وليس المقصود بالذاكرة- في هذا النطاق ذاكرة التاريخ بوصفها تسجيلا وثائقيّا، أو ذاكرة شفهيّة مرويّة، بل المقصود ذاكرة من كان موضوعًا لفعل لتاريخ، ومَنْ وَرَث عنه أثره، وعلاقة هذه الذاكرة (موضوع التاريخ) بالهوية الجماعيّة بوصفها مُشترك تجربة تاريخيّة، والرؤية إلى هذه العلاقة من زاوية البحث عن هوية ذاتيّة، إمّا بالانفصال عن الجماعة أو بخلق تسوية معها. إنّ اللاوعي التاريخيّ هو مجال هذا التعالق بين كلٍّ من التاريخ والذاكرة الجماعيّة والذاكرة الفرديّة والهوية. ويُشكِّل هذا اللاوعي الحاضر، ويعمل النص الروائيّ- التاريخيّ على فهم هذا التشكيل. وتوضّح رواية «إفنو» لوالتر سكوت هذا التعالق؛ فالروائي اسكتلندي يعيش داخل فضاء الوحدة مع إنجلترا، وهذه الوحدة ذاتها لها جذرها الضارب في التاريخ، ويعود إلى غزو النورمانديّين إنجلترا وإجبار الساكسونيّين على العيش تحت سلطتهم، وتكوّنت انجترا عبر الزمان وفق هذا المزيج، لكنّ الصراع بين الهويتين ظلّ حاضرًا. لا يسرد والتر سكوت- إذن- تاريخًا مُحدَّدًا، بقدر ما يسرد علاقة هوية بذاكرة مُوغلة في القدم. وتحضر هذه الذاكرة في الحاصر بوصفها أثرًا مُؤثِّرًا في الحياة والعيش، عبر نصوص، وعبر بقايا تقاليد مُختلفة، وعبر أنثربولوجيا مخصوصة. ومن ثمّة فكلّ روائية تاريخية هي متصلة بلا وعي تاريخي. يُشكِّل الراهن وأسئلته، وهذا الراهن يفرض تطلّباته على نحو غير مُباشر، ويتكفّل التخييل بهذه المهمّة على أحسن وجه؛ حيث يضطلع التشخيص بتوفير الدعامات له.
*أكاديمي وأديب مغربي
عبد الرحيم جيران