السيسي: تثبيت الدولة في خدمة مقابر الذاكرة

حجم الخط
0

تمحور جزء أساسي من النقاش في مصر في نوفمبر 2014 عن «معتقل الرواية»، الذي لعب دوره في الحقيقة وليس في عالم الدراما، طالب تم إلقاء القبض عليه وبحوزته رواية جورج أرويل «1984». 
وعلى الرغم من مراجعة الرواية وقتها وتناول ما فيها من تشابهات مع الواقع في اللحظة، إلا أنها مثل أشياء كثيرة تسجل حضورها عندما تكون قادرة على كشف بعض أبعاد المشهد، عبر التقاطع مع الواقع، وربما لهذا السبب عادت إلى الواجهة مع حديث الرئيس عبد الفتاح السيسي في فاعليات جلسة «آليات مواجهة صناعة الدولة الفاشلة» في 25 يوليو 2017 عن تثبيت الدولة، ومخاطر إسقاطها وضرورة خلق حالة فوبيا لدى الشعب من إسقاط الدولة. وعلى الرغم من أن بعض الأفكار تكون براقة في صيغتها الأولى، ومن السهل أن تحظى بالإجماع عليها، مثل شعار «تحيا مصر» الذي يحمل معنى تثبيت الدولة أو عدم إسقاطها، إلا أن تسييس الخطاب، أو ما يأتي في ثناياه، يظل هو المفتاح الأساسي لتفكيك المشهد وفهم أبعاده.
ورغم تعدد المرات التي أشار فيها السيسي إلى فكرة إسقاط الدولة، بشكل مباشر أو غير مباشر، عبر التخويف من مصير دول الجوار وأهل الشر واستهداف مصر، إلا إن جزءا كبيرا من المضمون ظل يتناقض في خطاباته، من الحديث عن مصر التي وعد بأن نراها قريبا بقوله «بكره تشوفو مصر»، إلى الحديث عن «أشباه الدول» و»الطابونة». أما المواطن فظل يراوح أيضا في حديثه، فهو مرات مكرم في عبارات كبرى، سواء بحكم التفويض أو لما يمثله من كتلة صلبة وعامل صبر وصمود في وجه التحديات، ومرات أكثر هو سبب المشكلة أو جزء أساسي منها بما يستلزم إنشاء «لجنة أخلاق» تساهم في خلق المواطن القادر على حماية الوطن من السقوط، باعتبار أن تجربة دول الجوار أثبتت أن التعليم لا يصلح في وطن ضائع. وفي انتظار الإخلاق والتعليم، الذي يمكن أن تقدمه الدولة لإنتاج المواطن صاحب المواصفات العسكرية، الذي يقبل ما يقدم له ولا يناقش أو يجادل، فإن المواطن عليه أن يدرك «أننا فقرا قوي» كما قال في أحاديث سابقة، أو كما أوضح في ختام مؤتمر الإسكندرية، عندما أكد على أن هناك هبات ربانية تمتعت بها مصر، وأن تلك الهبات «مقترنة بقدر محتوم، هو أن نكون في طليعة صناع التاريخ والحضارة ومدافعين عنهما ضد كل هجمة تريد ان تنال منهما، وذلك قدر لا يمكن الهروب منه». نخرج من حديث السيسي بأن هناك تحديات وتضحيات، وأن قدرنا هو استمرار التضحية مادامت التحديات مستمرة بوصفها مرتبطة بالهبات.
وإن كانت التحديات والتضحيات مستمرة فالسؤال المنطقي في مواجهة السلطة يتركز في السؤال عن الإنجازات، وهو سؤال يتعاظم في الدول الديمقراطية بشكل دائم، وإن تعاظم في أوقات محددة في معظم الدول، مثل فترات الانتخابات. ولكن في مصر تظل الرغبة قائمة في تأكيد استمرار حالة الثقة والتفويض في شخص الحاكم، من خلال صور لجان لا تبحث عن ناخبين ولا تحتاج إلى مد فترة تصويت، أو تقديم جوائز وأساليب تشجيع للناخبين، للتوجه إلى صناديق الاقتراع، كما حدث في انتخابات رئاسية سابقة، تم تغليفها بنسب وأرقام تزيد من قيمة المشاركة، وتؤكد على استمرار حالة الثقة والتفويض، وهي الحالة التي يحرص الرئيس على التأكيد عليها بصور مختلفة في أحاديثه، خاصة عندما يشير لقرارات اقتصادية صعبة، ويربط بين القبول الصامت أو الاعترض الهادئ، وبين حالة التفويض الشخصي. 
المطلوب اذن ليس الفوز فقط، الذي قد يكون مؤكدا في ظل المعطيات القائمة، وفي ظل ترشح السيسي المتصور، ولكن أن يكون مشهد الفوز نوعا من التفويض والشرعية في الداخل والخارج، لاتخاذ المزيد من القرارات الصعبة والتفرد بالسلطة، بدرجة تتجاوز اللحظة، لأن ما يأتي من قبول يعني قبول ما سبق والدعوة للاستمرار على الطريق نفسه وبالوسائل نفسها. وإن كان كارت التفويض مهم في الداخل، خاصة مع تقليص مساحات العمل السياسي العام وإعادة تشكيل المشهد السياسي والإعلامي، بما يتوافق مع رغبات الحاكم، فإن جزءا أساسيا من عملية التفويض عبر الانتخابات، هو تقديم رسالة للخارج تمكن السيسي من التأكيد على تأييد الشعب لجميع سياساته، ودعمه لما يفعل، وأنه مطلق الحرية في اتخاذ ما يشاء من قرارات، بداية من التجاوز عن الحقوق، أو التفريط في الأرض أو غيرها من المواقف التي تتم خلف الأبواب المغلقة. وإن كانت الصناديق تحاكم وتحاسب في النظم الديمقراطية، ويمكن أن تنتج مؤسسات تدافع عن حقوق، وتمنع سيطرة سلطة بشكل منفرد، أو على حساب غيرها من السلطات، فإن الصناديق في غياب الديمقراطية مجرد وسيلة لتجميل القبح وتلميع السلطوية.
تبدو عملية تثبت الدولة، وفقا لحديث السيسي بوصفها الشاغل الأساسي للسنوات التي مرت، ومصدر الخوف الرئيسي الذي سيطر عليه بقوله: «لما جيت قلت إن الاستراتيجية بتاعتنا هي تثبيت الدولة المصرية.. محاور الحركة اللي احنا اشتغلنا عليها في رؤيتنا تجاه تثبيت الدولة المصرية، هي معالجة كل الأسباب التي تؤدي إلى إسقاط الدولة.. قلت إنها هتأخذ مننا أربع سنوات». وبالإعلان عن هذا الهدف الجامع في تلك اللحظة والشامل لفترة الحكم، يتصور أنه نجح في تحقيقه، أو على الأقل الجزء الأكبر منه، على طريقة إنجاز الغياب الذي تم طرحه من قبل، حيث يتحول إنجاز غياب سقوط الدولة إلى الإنجاز الأكبر لمرحلة الإعداد للانتخابات الرئاسية، وتقديم إنجازات السيسي ووضع عباراته السابقة عن «أحسن من دول الجوار» في أطر ذات مسمى أكاديمي براق يتيح إعادة نشر السلع القديمة، ولكن في أوعية جديدة، ولكنه هذه المرة وعاء أكثر اتساعا، يسمح بوضع الكثير من المشروعات التي أعلنت ولم تحقق أهدافها على الأرض، والتحديات التي ما زالت قائمة، بوصفها جزءا من القدر، والتضحيات التي يجب أن تستمر بوصفها ثمن الهبات التي تتمتع بها مصر.
في كلمات قليلة خلق السيسي مقبرة ذاكرة كبرى، وأسقط فيها الكثير من الوعود التي قيلت وقدم وسيلة لكشف حساب جديد للإنجازات وعدادا يؤكد على نجاحه في تحقيق الأهداف التي أرادها، باعتبار أن تلك الأهداف أعلن عنها الآن، ولم يعلن عنها وقت اتخاذ المواقف. نصبح في مواجهة مقبرة ذاكرة على طريقة رواية «1984» لا تحتاج معها السلطة إلى تحقيق إنجاز حقيقي، فما دامت قادرة على تغيير الأرقام يمكن أن تتحدث عن تحقيق وفرة بديلا عن حالة العجز القائمة حقا، أو تؤكد أن البطالة انخفضت رغم عدم وجود مؤشرات لهذا على الأرض، وربما تغير الأهداف أيضا ويتحول مشروع مثل قناة السويس الجديدة بكل ما صاحبها من خطابات ودعاية تصل بها إلى منافسة إنجاز السد العالي، الذي ارتبط بعبد الناصر، في ظل مقبرة الذاكرة المسماة تثبيت الدولة إلى ترس صغير في هدف دعم معنويات الشعب، الذي يمثل بدوره جزءا من إطار تثبيت الدولة. ويصل الأمر لتصور أن هذا وحده سبب كاف للحكم – ضمنا- بنجاح المشروع وتحقق هدفه بقوله: «عملنا الاستراتيجية بتاعتنا إن احنا نثبت ونقوى ما أمكن، حتى مشروع زي مشروع قناة السويس مش ده كان الهدف الرئيسي، لكن انت عايز تبني حالة من الدعم المعنوي والممانعة المعنوية للشعب المصري، بعد فترة صعبة استمرت تقريبا أربع سنين أو اكثر. فانت عايز تعمل له ممانعة عايز تدي له روح معنوية أكثر… حتى لو كان أن الهدف من المشروع لوحده فقط. فقط أن انت تعمل الممانعة المعنوية ده لهذا الشعب حتى يستطيع أن يصمد معك سنه، اللي هي سنة تنفيذ المشروع… المبلغ بتاع المشروع ده كله مش كثير في الحفاظ على دولة قوامها 90- 100 مليون». وبهذا يسقط في مقبرة الذاكرة كل الحديث عن دراسات جدوى المشروعات، والثقة في العائد الاقتصادي، أو تقييم ما حدث من آثار على الاقتصاد، في ظل توجيه الأموال إلى مشروع القناة، وما أنفق عليها وعلى الاحتفال بها دون عائد حقيقي، وربما بأثر سلبي على معنويات وواقع الشعب لسنوات.
كما يتم التجاوز كليا عن كل ما سبق 30 يونيو/حزيران التي تتحول لنقطة البداية في جهود تثبيت الدولة، في حين أن كل ما سبقها – وبشكل واضح ثورة 25 يناير- مجرد أسباب للمعاناة والتهديد والتحديات، التي يعمل السيسي على إنقاذ الدولة منها. وتتحول مقبرة الذاكرة الجديدة إلى إنجاز الغياب الأكبر في ملف المرشح الرئاسي، الذي جاء للسلطة من دون برنامج ويدخل الانتخابات بانجاز غياب سقوط الدولة المصرية، حتى إن كانت مجرد «أشباه» فقيرة وفي انتظار لجنة أخلاق.
كاتبة مصرية

السيسي: تثبيت الدولة في خدمة مقابر الذاكرة

عبير ياسين

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية