كثور هائج صرخ: لماذا قطر؟ حتى خشيت من صراخه أن «يُطق له عرق»، وبدا لي أنه في حالة لا يصلح معها إلا أن يلوح له بقميص أحمر، فالثور الهائج، وهذه معلومة وليس تحليلاً، يشل حركته باللون الأحمر، لأسباب لم يتوصل إليها العلم الحديث، ولهذا قالت العرب: «لو كان حبيبك ثور البس له أحمر»!
فحالة من الجنون انتابت الأذرع الإعلامية للانقلاب، في الليلة الأولى لانتخابات رئاسة اليونسكو، وتفوق المرشح القطري، مع أن المعركة في بدايتها، والقصة لم تتم فصولاً، وبدت الاستوديوهات كما لو كانت تبث من مستشفى الأمراض العقلية في «الخانكة»، فحالة جنون انتابت مقدمي البرامج، في القنوات المصرية، يوشك أحدهم أن يضرب رأسه في أقرب حائط، فقطر فازت بالمركز الأول، ولماذا قطر؟ هكذا هتف عمرو أديب، فتركته إلى أحمد موسى فوجدت عينيه توشك أن تغادر مكانها، وأن عروقه توشك على الانفجار، فقطر قامت برشوة العالم، وحديث الرشوة، و»فلوس قطر»، كانت هي الفكرة التي وصلت إليهم ممن يدير الإعلام المصري، وقد ذكر يوسف الحسيني، أن قطر اخترقت الموقع الإلكتروني لمنظمة اليونسكو، وأرسلت رسائل إلى الصحافيين ومندوبي الدول لانتخاب مرشح قطر. ولا تسأل عن القيمة لهذه الرسائل وهذا الاختراق، فحرارة القوم كانت في أوجها، وهو ما يفسر حالة الهذيان التي انتابتهم والتي لا يجوز حيالها توجيه الأسئلة المنطقية!
يكفي ذكر «فلوس قطر»، حتى يصاب الانقلابي المصري بلوثة عقلية، فـ «الفلوس» هي «الرز»، الذي تبخل به قطر على السيسي، وهو ما كان سبباً في حملات إعلامية لابتزاز الدوحة، وإذا كان السيسي سبق له أن أعتذر للأمير عن تطاول الإعلام المصري على والدته الشيخة موزا، فقد كان ينتظر بعد هذا الاعتذار، وصول أول «شُحنة رز»، ولما لم تصل، عاود الإعلام السيساوي من جديد، «الردح» و»فرش الملاية»، وممارسة العداء ضد قطر!
أحمد موسى قال إن قيمة ما رصدته قطر لفوز مرشحها في اليونسكو هو (500) مليون دولار، هكذا تمكن من حصر هذه الأموال، ولأن موسى لم يكن هناك، فهذه التقديرات، هي الخاصة بالوفد المصري الذي يرافق مرشحة السيسي، مشيرة خطاب، والذي يبدو أنه لم ينشغل بفوز المرشحة بقدر انشغاله بوضع تصورات للرز القطري المدفوع. لا نعرف أين هو المال السعودي والإماراتي في هذه المعركة، ما دامت الوفود المشاركة تحركها الرشاوى المالية، لا سيما وأن مرشحة السيسي تم الدفع بها، في مواجهة المرشح القطري، لأن الإعلان عند خوض القاهرة غمار المنافسة، كان بعد إعلان قطر المنافسة، اللهم إلا إذا كان السيسي حصل على المبالغ السعودية والإماراتية لنفسه، وذلك بدلاً من أن يحصل على عمولته منها فقط!
وصلة جنون
وبعيداً عن المال السعودي والإماراتي، فإن مصر ليست دولة فقيرة، وما ينفقه عبد الفتاح السيسي في مشروعاته الخائبة يكفي للمنافسة، سواء في صفقات سلاح يوضع في المخازن، وفي شراء قنوات تلفزيونية هي موالية له بقوة السلاح، وسواء ما يبدده في مشروعات فاشلة ليست لها دراسات جدوى، وما يتحصل عليه نتيجة الاتجار في الأراضي، فيكفي ما ينفقه في صفقة واحدة لأن تفوز مرشحته لرئاسة اليونسكو من «أول طلعة»، إذا كانت المسألة مرتبطة بـ «الفلوس»، وكان صحيحاً أن العالم كله صار مرتشياً!
في وصلة الجنون المنصوبة في الاستوديوهات، طل عمرو أديب عبر إحدى فضائيات السيسي، وهو يصرخ بعلو الصوت، ويتساءل في غضب عارم: «لماذا قطر؟»، التي حصلت على حق تنظيم كأس العالم، والتي تفوز في كل منتدى دولي، وبدا غاضباً من العالم الغربي كله، الذي وصفه بـ «المخجل» والذي يحارب الإرهاب ويقف مع دولة داعمة له!
لقد كذب القوم حتى صدقوا أنفسهم، واتهموا قطر برعاية الإرهاب، ليدغدغوا المشاعر الغربية، لكن فاتهم لخلل في أعلى الرأس، أن ملف الإرهاب ليس بأيديهم، فهم مكلفون للقيام بأدوار فيه، وليسوا أصحاب القرار، لأنه ملف في يد الراعي الأمريكي، الذي لم يبال باتهامهم لقطر برعاية الإرهاب، ومن أدلتهم وجود قيادات حمساوية في قطر، ولم تكد تمر سوى أسابيع على ذلك حتى كان وفد من حماس في القاهرة، وكان مدير المخابرات المصرية في ضيافة زعيم الحركة في غزة!
ما علينا، فمن العبث وضيق الأفق، أن ينشغل أي إنسان بالرد على اتهامات القوم، التي انتقلت من دفع قطر للرشاوى، لا سيما للأفارقة، إلى وقوف العالم معها رغم أنها ترعى الإرهاب، لتكون ثالثة الأثافي هى الإعلان عن أن مرشح قطر يحظى بتأييد إسرائيل، ليكون الـ «سكريبت» الآتي إلى مقدمي البرامج يتضمن ثلاث نقاط: «الفلوس»، «ورعاية الإرهاب»، و«التأييد الإسرائيلي»!
الظاهرة العكاشية
موسى أعلن بصريح العبارة أن إسرائيل دعمت مرشح قطر، وأن هناك تنسيقا بين «الكيان القطري» ونظيره الإسرائيلي، لإنجاح المرشح القطري، وفي برنامج «90 دقيقة» على قناة «المحور» أعلنت من تم تقديمها خبيرة في اليونسكو وتدعى «علية إبراهيم» أن مرشح قطر وعد إسرائيل بحذف المسجد الأقصى من قائمة التراث… انظر إلى الظاهرة «العكاشية» وقد تمددت في المجال الجوي، فاختفى «توفيق عكاشة» وبقيت ظاهرته، التي يبدو أنها «تقفيل» الإدارة الهندسية بالجيش، وهى ظاهرة تليق بالضحالة الفكرية والعقلية، التي تجد رعاية من قبل سلطة العسكر، فكيف للقنوات التلفزيونية وقد صارت ملكيتها مقطوع بها لقائد الانقلاب، أن تروج لهذه الخزعبلات؟!
في استدعاء إسرائيل، نسي القوم أن عبد الفتاح السيسي هو الحاكم الوحيد الذي خطب في الأمم المتحدة مؤخراً، فتقرب للإسرائيليين بالنوافل، وحدد مهامه الوظيفية بحماية أمن إسرائيل، ودعا الشعب الإسرائيلي للالتفاف حول قيادته الرشيدة برئاسة نتنياهو، والذي أشاد بدوره بعبد الفتاح السيسي، في حين أن كل المتحدثين تكلموا عن بلادهم، وأمير قطر هو الذي تكلم نيابة عن الأمة عن القضية الفلسطينية، وليس عبد الفتاح السيسي، لكن وكما قال القائل: «رمتني بدائها وانسلت»!
فالمرشحتان المصرية والفرنسية الأقرب إلى إسرائيل، والأولى أرسلت في اليوم الأول شكراً خاصاً لرئيسة الجالية اليهودية في مصر على موقفها الداعم لها، لكن في حفلات الزار المنصوبة لا مكان للمنطق، فالعقل نفسه، إن وجد، في اجازة!
الإعلام السيساوي في معالجته لأي أمر فيه دولة قطر، ينطلق من فكرة تاريخ مصر، وصغر الدولة القطرية، وهو تاريخ لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يعبر عنه عبد الفتاح السيسي وصحبه، ثم إن الدولة الصغيرة استطاعت أن تتفوق في مجال التعليم والتنمية من دول هبط بها حكامها لمستوى كيد النساء، ولماذا يجري الحديث عن كبر الدولة وصغرها والإمارات هي التي تقرر مصير مصر، وبمالها ساهمت في الانقلاب على اختيار الشعب المصري، ونصبت رئيساً من يفتقد القيمة في أي مجال، بما في ذلك مجاله الوظيفي، وتمكنت الإمارات الصغيرة من شراء أراضي مصرية رغم أنف من يملكونها بواسطة وكيل أعمالها في القاهرة.
ثقافة «النيش»
وقطر عندما فكرت في ترشيح شخصية لمؤسسة عريقة كاليونسكو، لم تدفع بأي مرشح، وإنما دفعت بشخصية مرموقة، لديها سجل يمكنها أن تباهي به، وليس على الطريقة العسكرية: ضع يدك في «النيش» وأتي بأول من يصادفك.
«النيش لمن لا يعلم، هو أحد مكونات «السفرة»، وإذا كانت حجرة السفرة نفسها، قد يلزم بها العريس أو أهل العروس، إلا أن ما بها هو جزء من مستلزمات المطبخ، ويقع، بالتالي، على العروس عند تكوين شقة الزوجية، وما في «النيش» غالباً لا يستخدم إلا عند حضور ضيوف، ولأن النمط الحديث للحياة صار فيه الشعار «صاحبي وصاحبك على المقهى»، فاستقبال الضيوف في البيوت يكون نادراً، فإن ما في «النيش» يكون منسياً، والفكرة هى ضع يدك في «النيش» وأتي بأي شيء، وكذلك السيسي عندما وضع يده في «النيش»، حسب زميلتنا «خيرية شعلان»، ليأتي بمحمية طبيعية هى «مشيرة خطاب» ويدفع بها مرشحة لمصر في اليونسكو، وهى واحد بلا قيمة علمية، وقيمتها الوحيدة إنها كانت من وصيفات «سوزان مبارك»!
ولهذا فهي مرشحة السيسي، وليست مرشحة مصر، وإن كانت الأذرع الإعلامية لعبد الفتاح السيسي، طالبت المصريين بالوقوف معها، وكأنها تخوض الانتخابات البلدية، فالشعب المصري ليس له حق التصويت، وهو أداء محلي يذكرنا عندما نافست مصر على كأس العالم بوزير الشباب والرياضة، في عهد مبارك، ومُنيت بالصفر إياه، لأنه الدعاية كانت في الأندية ومراكز الشباب في القرى والنجوع وعلى طريقة المهرجانات، وظنوا أن المرشح المصري سينجح حتما، لزخم الدعاية المحلية، وبالمناسبة فقد اعترف بأن مصر دفعت رشاوى قدرها بخمسة ملايين دولار، ووصفها بالمبلغ البسيط الذي لم يمكنه من المنافسة!
كان السيسي بين خيارين: الأول أن يقوم بدور «الكبير»، ممثل مصر الكبيرة، ويساند المرشح القطري، الذي أعلن مبكرا خوضه للانتخابات، وفي حال نجاحه كان يمكن لجامعة القاهرة، تعوض انهيار ترتيبها في مجال التقييم العلمي، وأن ترفع الأعلام وتستدعي المرشح القطري لتحتفل به، باعتباره تخرج فيها، وترد الاعتبار بهذا الحضور لكلية دار العلوم، التي تخرج فيها عمالقة في الفكر، والأدب، والدعوة. ولأن القيام بدور «الكبير» أمر يستدعي مقومات خاصة، لا تتوفر في المذكور فكان عليه أني يلجأ للخيار الثاني وهو أن يأتي بأديب، أو فنان معروف عالمياً، أو يملك «سي في» يمكن تقديمه للعالم، ومن أول بهاء طاهر، إلى سميحة أيوب، إلى علاء الأسواني!
بيد أنها أزمة الاختيار عند السيسي، الذي يستشعر ضآلة قدراته الذهنية، فتكون اختياراته كلها من صنف الرويبضة، ولو كان بجواره من يجرؤ على الكلام لأخبره أن اليونسكو، ليس صالة ديسكو، وأن مديرها ليس مهمته «جمع النقوط» في نهاية السهرة، لإرسال «الفكة» لصندوق «تحيا مصر»!
إنها أزمة سلطة فاشلة، ولا تريد الاعتراف بذلك، فتخوض معاركها الكبرى بأسلوب «الردح» و»فرش الملاية»!
في حين أن الكبار لا يفرشون الملاية، وانظر إلى قطر الدولة الصغيرة.
صحافي من مصر
الكبار لا يفرشون الملاية… واليونسكو ليست صالة ديسكو!
سليم عزوز