«اللانداي»: شعر المرأة في أفغانستان في الحب والحرب

حجم الخط
0

اللاندي Landays كتاب قام بترجمة نماذجه الشعرية القصيرة المكثفة كل من عبدالله أبو شميس وحنان الجابري عن الإنكليزية إلى العربية شعرا، يستحق التوقف عنده بتأنّ، واهتمام، لا لأن فيه ما يعبر عن مآسي النساء في الشرق الإسلامي والعربي، ولا لأنه يعبر عن ثنائية الحب والحرب فحسب، وإنما لأن فيه من الصياغة الشعرية المكثفة الموجزة التي تتجنب التفاصيل، وتستبعد الاستطراد، والتطويل، ما يمكن أن يكون قدوة، ومثالا يحتذى لدى شعرائنا الذين يعانون اليوم من الخلط بين القصيدة القصيرة المعروفة في الآداب العالمية باسم Epigram وقصيدة الهايكو اليابانية، والقصيدة القصيرة جدا، التي نراها تتراكم في أشعار مريد البرغوثي، وإبراهيم نصرالله، وعلي البتيري، ومحمد إبراهيم لافي، وغيرهم الكثير من الشعراء الذين ما فتئوا يخوضون التجارب بحثا عن لون جديد من الشعر لم يتكرر في ماضي الزمان.
ومن حسن الحظ أن الدكتور عبدالله أبو شميس ـ مترجم هذه المقطوعات الشعرية القصيرة ـ شاعر قبل أن يكون مترجما، ولهذا نجده ينقل الأشعار الأفغانية من اللغة الإنكليزية إلى شعر عربيِّ اللغة والعروض. وهذا شيء ليس بالهين على المترجم، ولا باليسير. وهذه مزية لا ريب في أنها تعد في صالح المترجميْن، والكتاب، ابتداء. فالقارئ عدا عن أنه يستمتع بما في المقطوعات من دلالات على مشاعر المرأة في أفغانستان، يروق له أن يقرأ ذلك في نسق تلوح عليه إمارات الشعر الأصيل، المحكَّك، ولا سيما وفرة الجرس، وحلاوة الموسيقى، واطراد الإيقاع، وانتظام القوافي، على الرغم من أن الأصل في هذه اللانداي Landays ألا يلتزم الشاعر، أو الشاعرة فيه بالقوافي.
وهذا الكتابُ، على الرغم من تحديد المترجميْن لفحوى القصائد فيه من العنوان: الحب، والحرب، إلا أنه لا يقتصر عليهما، ففي هذه المقطوعات شعر وطني لا يمجِّد الحرب، ولا المحاربين، ولا يختلج بعواطف الحب اللاهب، والغرام المتأجج، تقول امرأة في إحدى القصائد:
الربيع البديع أتى
يمنح الأرض ألوانها
وهنالك في بلدي
تحت نار العدوّ
الشجيرات تخلعُ أغصانها
يمكننا أن نصنف هذه القصيدة في شيء آخر عدا الحب والحرب، فهي من الشعر الذي يتضمن دلالات الارتباط بالوطن، والسعي من أجل السلم فيه، والاستقرار، والتخلص من العدو الذي يبطش بكل شيء بما في ذلك الأشجار والغابات التي تتخلص من أغصانها حتى لا تشب فيها الحرائق، نلاحظ هنا توظيف المترجمين لتفعيلة فاعلن بصورتين متعاقبتين من صورها، أولاهما السالمة التامة، وثانيتهما المخبونة التي تغير فيها السبب الخفيف بحذف ثانيه الساكن، فأصبحت فعلن، وبهذا تكتسب المقطوعة كغيرها من الشعر العربي الموزون المزج بين المتدارك والخبَب، واللافت أيضا أن المترجميْن التزما بالقافية بنمطها التقليدي على الرغم من أن المقطوعة من النوع المعروف باسم الشعر الحر. فألوانها وأغصانها قافيتان متماثلتان ومتطابقتان، ويصدق عليها تعريف الخليل بن أحمد من المتحرك الأول في الكلمة إلى ألف الإطلاق، مرورا بهاء الخروج، وألف التأسيس، والإشباع. ومن هذه المقطوعات ما يشير إلى اغتراب المرأة، وحنينها للوطن، وهذا موضوع أظنه يشذ عن ثنائية الحب والحرب. تقول إحدى المقطوعات ما يأتي:
العيش بأرض الغربة
حطَّم قلبي
يا ربُّ
أعدني
لجبالي الشامخة
أعدني، يا ربي
فالمرأة التي تقول هذا تشكو النفي، ومرارة البعد عن الوطن، ولذا مثلما ذكرت امرأة أخرى الغابة التي تخلع أغصانها، تذكر هنا صاحبة هذه القصيدة الجبال الشامخة، فلكل من الشجيرات، والجبال، دورٌ في إلقاء الضوء على ارتباط الشاعرة المجهولة بالوطن . وفي موقع آخر تقول إحداهن :
المرأة في المنفى
لا تكفُّ عن الموت حيث تسير
فأدِرْ وجهها نحو الوطن
علَّها تنشق منه الشهيق الأخير.
والشاعرة التي تعبّرُ عن توقها للعودة إلى موطنها، وإلى مدينتها التي أجبرت على مغادرتها لسبب أو لآخر، ما تفتأ تحن إليها متلذذة بذكر المدينة (كابل) :
الدموع على وجنتي تتدحرج
كيف أنسى ذرى كابل
حين يكلِّلُها الثلج
على أن الحبّ في هذه المختارات، إذا جاز أنْ تسمى مختارات، يحتل مساحة كبيرة، ويؤكد انشغال المرأة الأفغانية بما هو محظور عليها الحديث فيه جهرا، ولأن هذه الأشعار مما يجري تداوله شفويا بين النساء، وفي المجالس، فقد تخطت الشاعرة الخطوط الممنوعة، وتجاوزت الحظر المضروب على ذكر العلاقة بين الجنسين، ونجد في هذه المقطوعات ما يكاد يكون تصريحا جريئا يشفُّ عن رغبة الشاعرة بالتواصل مع الحبيب، تقول إحدى المقطوعات:
عجلْ عجلْ
أمنحك الآن فمي
الموتُ يطوِّف في القرية
أخشى أنْ يخطفني
وهذا تعبير جريءٌ لاهثٌ، يظهرُ أشواق المرأة للامتزاج بالعاشق، ولا تراعي في التعبير عن الشوق أيَّ عادات أو تقاليد أو ضوابط من الأخلاق أو الدين. وفي مقطوعة أخرى تقول امرأة كثيرة الجرأة، شديدة الوَلهِ والعشق:
خذ فمي كله
عندما يتلألأ بدر التمام
وترشّفْ شفاهي في النور
تلك تقاليدُنا في الغرام
ولعل من أبرز ما يلفت النظر في هذه المقطوعات تلك الصياغة الموجزة جدا التي تصل إلى درجة الشحّ في الألفاظ، مع التعبير عن شيء يزيد كثيرا عما توحي به، وذلك مما يصدق عليه قول المتقدمين «المعنى الكثير في اللفظ القليل»، فهل نستطيع أن نجد قولا شعريا أبلغ في الدلالة على حال المرأة المحبطة من هذه المقطوعة القصيرة:
تبرَّجْتُ
لكنما في قديم ثيابي
كأني حديقة زهرٍ
بأرضٍ خرابِ
فالتصوُّر الذي يقوم على تشبيه المرأة الحسناء المتبرجة في الثياب القديمة المهترئة الكالحة بحديقة زهور في أرض قاحلةٍ، خربة، تصورٌ مثير، ويعبر عن رؤية شعرية نادرة، فلو تجاوزنا القافية، والنسق المتقارب للمقاطع بالاتكاء على «فعولن» والتدوير في السطرين الأول والثاني، فإن المفارقة التي تجمع بين الزهر، بما يعنيه من تفتح وحياة متجدّدَة، وأمل مشرق، والأرض القاحلة اليباب، يُضفي على هذا اللون من الشعر طابعا نادرا من الفن، والألق، على الرغم من أن صاحبة هذا الشعر، علاوة على أنها مجهولة الاسم، غير محترفة فيما نظنُ، ونحسبُ، كغيرها من صاحبات هذا الشعر اللانداي. ومهما يكن من أمر المزايا التي يتصف بها هذا الكتاب، فإن لنا عليه بعض الملاحظ التي نأمل ألا يضيق بها صدرا المترجميْن.
تتعلق الملحوظة الأولى بما ورد عند المترجمين في المقدمة (ص5) من نعتهما اللانداي بالشعر السري، فهذا غير دقيق، لقول صاحب المقدمة: وبحثت على الشبكة لأجد مقتطفات كثيرة من اللانداي مترجمة، ومنشورة على غير موقع إلكتروني، فكيف يستقيم وصف هذا اللانداي بالسرية، والذيوع على مواقع إلكترونية. وكنا نتمنى لو أن المقدم قال بدلا من هذا إن أصحاب هذه الأشعار مجهولون، ولعل هذا ما قصده. فهي لا تنسب لقائلــــين معروفيـــن كغــــيرها من الشعر. وفي الموقع ذاته يتساءل واضع المقدمة قائلا: كيف للغة النثر المحايدة أن تترجم الصرخة فتلمع كالبرق، وتلسع كالنار (ص5) فليس من السديد أو الحكمة أن نضع النثر في تعارض مع الشعر من حيث الدلالة على المشاعر لخلوه من الوزن، كما ليس من سداد الرأي، أو الحكمة، تفضيل الشعر على النثر لأجل الوزن الذي فيه، فرب شعر موزون أضعف في الدلالة على الوجدان من النثر غير الموزون. وقد تؤدي ترجمة الشعر شعرا موزونا مقفى لإفساد الأصل، والانحراف به عن معناه.
وملاحظة ثالثة لا ينبغي أنْ نهملها، فقد ذكر المترجمان في (ص6) من المقدمة أن المقطوعات التي قاما بتعريبها جمعها الشاعر الأفغاني السيد بهاء الدين مجروح (1928 ـ 1988) ونحن نتساءل بنيةٍ صافيةٍ لا شِيةَ فيها قطعا: لم لا يُذكر اسم جامع هذه الأشعار على غلاف الكتاب؟ فهذا شيء يتطلبه نفي الشبهة عن المترجمين، وأنهما يدعيان جمع هذه المختارات بنفسيهما، علاوة على الترجمة، صحيحٌ أنهما صرحا بالفضل لبهاء الدين مجروح في التقديم، ولكن هذا التصريح، في رأينا، غير كافٍ.. تُضاف إلى هذا أن الكتاب يحتوي مقدمات عدة، ولم يذكر اسم صاحب المقدمة لا الأولى ولا الثانية ولا ما يليها من مقدمات. والواضح الذي لا ريب فيه أن المقدمة الأولى ص 5 من المترجمين، لكن المقدمات المتعددة الأخرى تحتاج لذكر المقدم. وبعضها يكاد يكون دراسة للقصائد تنم عن معرفة بالأصول، وبالبيئة الأفغانية، وباللغة البشتونية، وذلك شيءٌ لا يدَّعيه المترجمان. أما ملاحظات المترجمين حول النظام العروضي للانداي، فهي ملاحظاتٌ جيِّدة، وتفيد القارئ العربي عامة، حتى لو لم تكن لديه دراية أو معرفة بهذا اللون من الشعر القائم على نظام بيتي مخصوص بعدد محدد من المقاطع، فالأول 9 مقاطع، والثاني 13 مقطعا. وقد قام المترجمان بتعريب الأشعار موزونة على وفق العروض العربي، ويوردان نموذجا عقّبا عليه بوجود 9 مقاطـــع في الأول، وثلاثة عشر في الثاني، وقالا بأن هذا مصادفة. وذكرا أن الشعر العربي لا يعتمد على المقاطع، وإنما على التفعيلات. وهذا في رأينا يحتاج لإعادة نظر.
فالوحدة الإيقاعية في العروض العربي هي المقطع، والتفعيلة تتألفُ من مقاطع، ففاعلن ثلاثة مقاطع لهذا كان المتدارك التام من 24 مقطعا 12 في كل شطر، وفعولن ثلاثة مقاطع والمتقارب التام من 24 مقطعا، وهذا ينسحبُ على الطويل والوافر، وغيره.. وغيره.. أما الزعم بأن عدد المقاطع في النموذج المذكور (ص 8 ) من التقديم من 9 مقاطع و13 مقطعا، فهو أيضا زعم يحتاج إلى مراجعةٍ، وتثبت، وأظن أن التقطيع غير صحيح، فهو يقوم على الخلط بين المقاطع والأسباب والأوتاد، مع العلم بأن الوتد مجموعا ومفروقا يتألف من مقطعين لا من مقطع واحد . وكذلك السبب الثقيل يتألف من مقطعين لا من مقطع واحد.
وأيا ما يكن الأمر، فإنَّ كتاب اللانداي يعد القارئ بتجربة في القراءة الشعرية لا تتكرر في غيره من الكتب، أو الدواوين المترْجمة، وغير المترجمة.
أزمنة للنشر والتوزيع، عمان، 2018

ناقد وأكاديمي من الأردن

«اللانداي»: شعر المرأة في أفغانستان في الحب والحرب

د. إبراهيم خليل

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية