وانت تتابع الكلمة التي ألقاها الرئيس المصري بمناسبة ثورة 23 يوليو، يمكن ان تطرح الكثير من علامات التعجب والاستفهام، وأن تقف للحظة في مواجهة غسان كنفاني وهو يؤكد أنه يحكي عن الحرية التي لا مقابل لها، الحرية التي هي نفسها المقابل، في مواجهة حديث الرئيس عن ضرورة إعادة تعريف الحرية لتتلاءم مع رؤية النظام ومتطلباته، فالحرية هي ما يريده الحاكم وما يضبط إيقاع الحياة للسلطة ويحقق الهدوء والسكينة لكل من يشغل منصبا في الدول التي تخاف من الحرية والديمقراطية والمساواة، بنفس درجة خوفها من المحاسبة والمكاشفة وتحول أفرادها لمواطنين في دولة مدنية حرة.
تقف في مواجهة الخطاب ومحاولة الخروج منه بمعنى في سياق الأحاديث السابقة التي تحاول أن تؤسس شرعية للنظام القائم بالعودة للماضي، سواء أكان ممثلا في شخص كعبد الناصر أو في فترة كثورة يوليو أو حرب أكتوبر. وبالاعتماد على تأسيس مفاهيم جديدة للمرحلة من خلال إعادة تعريف المفاهيم القائمة، وهي عملية من شأنها أن تجعل الواقع هو الشرعية ومقياس الاختبار. وبدلا من تأسيس شرعية إنجاز، واختبار الحكم بقدرته على ضمان الحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الانسانية، نجد أنفسنا في مواجهة تعريفات أخرى لا يفترض أن تمر بشكل عابر، لأنها تتجاوز اللحظة وتؤسس لشرعية اللحظة والمستقبل على طريقة التفويض نفسه كأسلوب في الحكم لدرجة جعلت تعامل الخطاب مع القرارات الاقتصادية الخاصة بالدعم نوعا من التفويض الجديد. رؤية يعبر عنها الرئيس بمنتهى السعادة وهو يؤكد فشل الخبراء والمحللين في قراءة ردود فعل الجماهير، كما حدث في طلبه الأول بالتفويض في يونيو/حزيران 2013.
تلك السعادة التي سيطرة على المشهد رغم أن الحديث عنها جاء بعد الحديث عن التحدى الوجودى الذي يواجه الدولة وشهداء الفرافرة، هى سعادة نابعة من التعامل مع الحدث ككل بوصفه تفويض جديد للرئيس دون النظر لإمكانية وجود تفسيرات أخرى. فكرة التفويض الجديد في إدارة الاقتصاد أو إدارة الدولة، تؤسس لقرارات أكثر صعوبة مما تم كما أشار الرئيس عدة مرات، كما تؤسس للتجاوز عن أراء الخبراء لأنهم لا يعرفون الشعب ولا يفهمون خصوصية علاقته بالحاكم، وتوفر المناخ للمزيد من الحرية في القرارات والأموال التي سيتم التعامل معها خارج ميزانية الدولة وما يعلن من أفكار لا توضح طرق تمويلها أو ضرورتها ولا شفافية التعريف بها.
وبعد أن عمل الرئيس على تأسيس العلاقة بين الحاضر وفترة الحرب والتحرير في خطابه بمناسبة حرب أكتوبر- العاشر من رمضان، عاد في ذكرى يوليو لتأسيس شرعية على أساس فترة الاحتلال والاستقلال. واضعا مطالب ثورة يناير بوصفها إعادة تسمية أو تحديث لمطالب وأهداف ثورة يوليو. فإن كانت يناير هي ثورة الشعب، فيوليو هي ثورة الجيش. وان كانت يناير مجرد جزء، فيوليو هي الكل الأكثر اتساعا. ومن شأن توسيع نطاق ثورة يوليو لتضم ثورة يناير تضييق نطاق يناير وأهدافها وما شهدته من تضحية ومكاسب. فهي، وفقا لتلك الرؤية، مجرد جزء من ثورة يوليو الكبرى التي قام بها الجيش. ومن شأن طرح ثورة يوليو كخط متصل لتحقيق مكاسب للنظام من أجل زيادة شرعيته وتقليص شرعية ثورة يناير. فهل هذا جزء من محاولة واضحة لتأسيس شرعية اللحظة على وقائع الماضي التي توحد فيها الشعب، وتأسيس تماسك الشعب في اللحظة على فترات تماسكه في الماضي. كما أن التأكيد على أن الثورة مستمرة من يوليو 1952 وسيلة مفيدة للسلطة لضم يناير 2011 ويونيو 2013 لخط واحد متصل يتعرج أحيانا ليعود لمسار يوليو. تلك الرؤية تتجاوز وجود أخطاء من قبل الحكم والحكام، لذلك لم يتحدث عن إخفاق، ولكن عن اشياء تحققت وأشياء في عملية التحقق، فالخطأ غير وارد ولا يمكن الإشارة لمسؤولية أو خطأ نظام سابق إلا إذا أراد النظام الحالي ذلك.
في حين أن الحديث عن المدة الزمنية الطويلة اللازمة لنجاح ثورة يوليو والتأكيد على انها مازالت مستمرة رغم كل تلك العقود، توسيع الإطار الزمني اللازم لمحاسبة النظام الحالي الذي لا يتجاوز دوره – في هذا السياق- محاولة استكمال ما لم يتحقق من مطالب يوليو، التي تمثل عملية طويلة ومستمرة لا يمكن حسابها بعدة عقود. وهو وضع يحمل سلبياته وتساؤلاته، لأنه يتجاوز عن تجارب نجاح أخرى في ألمانيا واليابان وكوريا الجنوبية وغيرها من الدول التي حققت نجاحا أكبر في مدة زمنية أقل، رغم البداية الزمنية المتقاربة لخطط التنمية في تلك الدول ومصر. كما ان إسقاطه على تقييم المرحلة وإنجازاتها عبر مدى زمني ممتد أمر لا يتماشى مع حديث وجوه النظام الحالي وإعلامه خلال فترة الرئيس الأسبق مرسي عن شرعية الإنجاز. وان أمكن الرد من داخل الرؤية الرسمية نفسها بأن تلك الدول لم يكن لديها نظام مرسي، الذي خرج عن مسار ثورة يوليو، بدون الحديث عن عقود مبارك التي تأتي ضمنا في سياق يوليو وعقودها الطويلة.
أما الحديث عن الجيش والشرطة باعتبار أنهما الدرع الذي فضل أن يتلقى الضربات عن المصريين، كما يتكرر في الأحاديث الأخيرة، وبما يحمله هذا ضمنا من معنى في ما يخص أسلوب القيام بالعمل وتقييمه، فيبدو أنه خطاب في حاجة إلى إعادة نظر، فالأصل ان تقارن بالصواب وليس بالخطأ. وان كانت بعض الجيوش لا تقوم بدورها في حماية الدولة أو الشعب، فالاصل في الجيوش أن تقوم بالدفاع والحماية. ولا يفترض أن يتحول هذا إلى خطاب على طريقة مبارك صاحب الضربة الجوية، بما يعنيه من تأسيس شرعية أخرى فوقية لا تمس في ما يفترض أنه جزء من الدور الذي يجب أن تقوم به المؤسسات وأن تحاسب وهي تقوم به.
بالمجمل فإن استخدام خطاب ثورة يوليو كمسار متصل يعيد اختيار أزمة أخرى لتقريب اللحظة الحالية للماضى وليس للمستقبل، وتأسيس شرعية الحاضر على ظروف الماضي، ومطالبة جماهير اللحظة بالتعامل مع معاناة اللحظة بطريقة الماضي من أجل مستقبل غير واضح المعالم، ولا يمكن القبول به ان كان يشبه الماضي الذي أنتج الحاضر. فتجارب الماضي بكل ما فيها من مساوئ هي التي أدت بنا إلى تلك اللحظة، وخروج الجماهير في يناير 2011 لم يكن ترحيبا بالماضي، ولكن رغبة في التغيير للمستقبل. والقياس بالماضي وما تحقق فيه سواء من تحرير الأرض أو تغيير نظام الحكم لا يمثل عوامل كافية لاتباع خطوات الماضي نفسه بما أسسه من واقع الفساد والإفساد والظلم وعدم المساواة وغياب العدالة وانتشار الفقر والجهل والتجهيل لعقود تالية، وهي كلها العوامل التي كانت من أسباب ثورة يناير بشكل ما.
يبدو أن مواطن اللحظة عليه مقايضة حريته وسعادته وحياته، وأن يعايش واقع التقشف والمعاناة لمدد غير واضحة من أجل مستقبل غير واضح. عليه أن يقايض الحرية بوعود عن عدالة اجتماعية ومساواة ودولة قانون لا تمت لما نعرفه عن تلك المفاهيم، ولكنها ترتبط بتلك المفاهيم في صورتها المعدلة، بعد إعادة تعريفها بطريقة تقيد حقوق المواطن من أجل الوطن وفقا لرؤية الحاكم للمواطن والوطن والمفاهيم الحاكمة. ولكن لأن عليه ان يرضخ من أجل هذا وأن يتبع تلك الرؤى ليكون جزءا من الكتلة الصلبة، فإنه سيمارس حريته في إسقاط الحرية، وإسقاط ما يعرفه عن العدالة الاجتماعية، والفارق بين العدالة وسيادة القانون.. سيفعل كل هذا بحرية. ويربي الامل ويردد أنه لم يكن يرغب بأكثر من حياة كالحياة ولكنه من أجل تلك الحياة التي أشار إليها درويش قرر إسقاط الحياة على أمل ان يكون إسقاطا مؤقتا لسنوات أو عقود حتى نجاح ثورة يوليو 1952.
٭ كاتبة مصرية
عبير ياسين