سنوات طويلة مرت على الأحداث التي أثارت تلك الخواطر في ميلادها الأول ولكنها ظلت حاضرة تعود للواجهة من وقت لآخر، لا يختلف إن كان ما يثيرها حدثاً شخصياً أو عاماً فالفارق خيط رفيع يصعب معه الفصل في الكثير من الأحيان. واقع يتماهى فيه الوطن مع الذات، ويتحول الحلم الشخصي إلى جزء من الحلم بالوطن المنتظر، والوطن إلى مكون أساسي من الحلم الشخصي.
وضع طبيعي إن أردت حياة على طريقة الشاعر محمود درويش، وإن اعتبرت الوطن كما عبر عنه «حياتك وقضيتك معاً». معادلة بسيطة للغاية فكيف تستطيع أن تكون حراً في وطن مقيد؟ وكيف يمكن أن تحصل على أمان في واقع مضطرب؟ وكيف تحقق أمانك الشخصي بمعزل عن أمان الجميع والوطن؟ كيف تستطيع أن تستمتع وكل ما حولك ينطق بالمعاناة، فمع افتراض أن المعاناة تتجاوزك بالمعنى المباشر للكلمة، تظل جزءًا من تفاصيل الحياة ومشاهداتها، وملامح البشر وحديث الصمت الذي يغلف الاشياء وينطق بحديث شديد الوضوح للذات المعنية بواقع الوطن ومستقبله.
سنوات مرت على قراءة مقال لكاتب إسرائيلي كانت تحمل العنوان المستخدم في هذا الموضوع «المكالمة التي لم تأتِ»، عبارة ظلت حاضرة بوصفها تعبيراً شديد العمق قد يعبر عن أشياء كثيرة في الحياة بحضورها أو غيابها. المقال الذي كان يتناول محادثات السلام الإسرائيلية – السورية كان يشير إلى انتظار رئيس الوزراء الإسرائيلي في ذلك الوقت إيهود باراك لاتصال يفترض أن يأتي من الرئيس الأمريكي في تلك الفترة بيل كلينتون يخبره فيها بقبول الطرف السوري للمقترح الإسرائيلي الخاص بالمفاوضات. هذه المكالمة التي لم تأتِ كان بإمكانها أن تغير الكثير من الأحداث ليس فقط على الصعيد الإسرائيلي والأمريكي ولكن على الصعيد السوري والشرق أوسطي. ولكن هذه المكالمة لم تتم ولم يقبل الطرف السوري بالتسوية وظللنا نراوح لسنوات حول النقاط نفسها ونتمنى أن نصل إلى ما كان مطروحاً وربما إلى أقل منه ناهيك عن كل التطورات التالية التي تجاوزت تسوية وضع الجولان إلى المساس بوضع سوريا وإعادة تشكيل المنطقة وفقاً لأجندات مختلفة لا يمكن تبرئة النظم الحاكمة منها وهو ما يتجاوز حدود الاهتمام بالتفاصيل هنا دون أن يتجاوز أهمية المعنى والقيمة وإعادة تعريف الفرص الضائعة في المنطقة.
وبالعودة إلى حديث المكالمة التي لم تأتِ يمكن القول بأن المعنى هنا مجازي لأن المؤكد أن باراك تلقى مكالمة من الطرف الأمريكي بخصوص الموقف السوري، ولكنها مكالمة لم تحمل ما أراد سماعه، أي أنها مكالمة على عكس ما تمنى المنتظر أن يسمع. فما جاء هو مكالمة ولكنها ليست المكالمة، لأنها ببساطة لم تحمل الأخبار التي كان الطرف الإسرائيلي ينتظر سماعها.
هنا يحمل عمق المعنى فارقاً مهماً بين مكالمة منتظرة ومكالمة تأتي بدون انتظار، بين كلمة نتوقعها ونرجو أن تصل إلينا ولا تأتي وكلمات قد نتعامل معها بأقل مما تستحق لأنها لم تكن منتظرة، بين رسالة منتظرة ورسالة تهمش رغم ما كان يمكن أن تحظى به إن لم تكن هناك حالة انتظار لغيرها. تشبه تلك المكالمة الكثير من المكالمات والرسائل المنتظرة في حياتنا، فهناك مكالمات ورسائل ننتظرها فلا تأتي، ومكالمات ورسائل تأتي بدون أن ننتظرها. مكالمات تغير حياتنا عندما تأتي، ومكالمات تغير حياتنا عندما لا تأتي. ولكل مكالمة في حياتنا قصة إذا كان لها معنى.
من منا لم يتلق يوماً مكالمة لا ينتظرها، ومن منا لم ينتظر مكالمة لم تأتِ؟ تأتيك يوماً مكالمة بخبر مفرح، لم تكن تتوقعها ولكن من يرفض الفرح والسعادة، نفرح بالمكالمة والمتصل، نستبشر به باعتباره مصدر سعادة. حتى المتصل نفسه يعرف لطبيعة ما يحمله من أخبار أنه محل ترحيب واستبشار فيسارع في الاتصال ونقل الأخبار ويسعد كلما تم تذكره بوصفه المصدر الذي نال شرف نقل الخبر محل المكالمة المعنية. بالمقابل عندما تأتيك مكالمة أخرى غير متوقعة تحمل خبراً محزناً ومؤلماً، خبر رحيل عزيز مثلاً، فإن من ينقل الخبر لا يرغب في القيام به ولكنه لا يملك خياراً آخر، فلا بد أن يقوم أحد بتلك المهمة. ويخشى من يبلغ الخبر حقيقة ما يحدث وأنه المصدر الذي سيتكرر اسمه دوماً بوصفه مصدر الخبر أو مصدر الألم.
للكلمة معنى مهما كانت ولكن المهم أن تقال، في بعض الأحيان لا تقال الكلمات، تقف في مساحة ما بين الداخل والخارج ترغب أن يقولها أحد وأن يسمعها أحد، ولكنها لا تقال ولا تسمع فتختنق بألم وحسرة. الكلمات لها أدوار وعندما لا تقوم بأدوارها تذبل وتموت.
على مستوى الوطن هناك مكالمات كثيرة منتظرة ورسائل تأتي دون انتظار أو تأتي في صورة تسريبات. أن نتصور الرسائل التي انتظرها الرئيس السابق محمد حسني مبارك أو غيره من الرؤساء العرب في ثورات الربيع العربي أو الرسائل التي انتظرها الثوار في الميادين في مصر كما في غيرها يمكن أن يوضح جزءاً من قيمة المكالمة والرسالة المنتظرة.
وإن كانت إسرائيل تملك أن تسأل رئيس الوزراء عن الفرص الضائعة من لقاء البحر الميت والذي لم نعرف عنه إلا من التسريبات الإسرائيلية، فإن مكالمات كثيرة بين تلك الأطراف تحمل الكثير من الأهمية للوطن وللمنطقة ولكنها لا تعلن ولا يحاسب أحد على ما تحمله من رسائل واتفاقيات لا تصل للمواطن وإن وصلت تصل عبر تسريبات تخص الآخر ولا تعبر عن كل ما يحمل أهمية للوطن.
أحياناً يكون من المهم أن تأتي المكالمة حتى نكتب كلمة نهاية ما، أو نفتح أبواب بداية جديدة. ولكن إن كان من الصعب على المستوى الشخصي أن نغلق تلك الأبواب بسهولة أحياناً، فإن الوطن يتطلب أن نترك الباب مفتوحاً لمحاسبة دائمة تدرك أن غياب العلنية أو إعلان بعض الرسائل التي قد تفرح الجماهير- كما حدث مع إعلان تنحي مبارك أو غيرها من المطالب في مسار الثورة – لا يعني أن الأمور بخير وأن مكالمة الجماهير أوصلت الرسالة الحقيقية منها وهي الحاجة لتغيير النظام وليس الانحناء في مواجهة الثورة من أجل عودة النظام بكل الأوجه القبيحة التي كانت.
أشياء كثيرة تعيد إلى الذاكرة خواطر المكالمة المنتظرة في مواجهة الوهم ومخاطره على الذات وعلى الوطن. مخاطر لا يمكن التغلب عليها دون الاعتراف بأن المكالمة لم تأت بالرسالة المنتظرة، والوهم ليس هو الحل، والاعتراف بالحقيقة بداية الحل والوصول لتحرر الذات والوطن.
كاتبة مصرية
عبير ياسين