الموت والفرصة الثانية الغائبة

حجم الخط
1

اعترف دوما بصعوبة الكتابة عن الموت وصعوبة الاقتراب منه، وربما الأكثر صعوبة ان تقترب منه في لحظة فقد وألم. الموت يأتي فجأة رغم أننا نعرف أنه مقبل سواء لمطلق الأشياء أو لمقدمات الموت التي تعلن عن نفسها بصور متعددة. 
ولكن عندما يأتي لا تملك مع التسليم بحكم القدر أي شيء أمام الحزن والشعور بالفقد والألم بدرجاته المختلفة. تتذكر محمود درويش وهو يؤكد أن «الموت يوجع الأحياء» وتكرر لنفسك كيف أن الألم جزء طبيعي من الفقد، وكيف أن الموت جزء طبيعي من الحياة، ولكن يظل طعم الألم طاغيا ومشاعر الحزن أعمق من قدرة الكلمات.
اتصور أن الشاعر يملك ما يسمح له باستخدام الكلمة في التعبير عن الموت والفقد، وربما الروائي وهو يملك القدرة على رسم شخصيات مفعمة بالحياة بالقدر نفسه الذي يملك به أن يصبغها بتفاصيل الموت والوداع، ومشاعر الحزن والألم. ولكن مقابل تلك الصور تقف كلماتي العادية ضعيفة وخائفة في مواجهة الموت، وتشعر ببرودة شديدة بحكم ألم الفقد ولا تعرف إن كان عليها أن تتقدم أو أن تتراجع وتتوقف حتى تترك الفرصة للحزن ليسيطر على المشهد بما يستحقه من صمت وألم.
وإن كان هناك نقاش دوما بيني وبين الكلمة، فالنقاش أشد عمقا في حالة الموت، لأنه بين الحزن والكلمة، حيث الصراع بينهما على من يملك القدرة على التعبير عن الألم والشعور بالفقد بدرجة أكبر، وإن كان للكلمة حق المشاركة من عدمه، وإن كانت تلك المشاركة تعبيرا عن قيمة الحزن أو تقليلا منه. جدال يحضر أحيانا عندما تصر الكلمة على أن تسجل اللحظة، ويغيب أحيانا أخرى عندما يصر الحزن على أن يسجل سيطرته على المشهد بحالة صمت كامل وتوقف عن الكتابة ضمن طقوسه الخاصة، التي ترى أن الحزن لا يكتمل إلا بالصمت، وتوقف مظاهر الحياة العادية. جدال يرتبط أيضا بلحظة الموت وما تثيره في الذاكرة من تداعيات، وما تفرضه على النفس من أعباء، وما تستحضره من صور وتفاصيل. ورغم أن الكلمات تصر على تسجيل الحضور فهو حضور ذاتي على هامش الموت والغياب.
يختلف الموت دوما في سياقه، كما أشياء كثيرة في الحياة، يختلف في التفاصيل، في شخص الميت والذكريات التي تجمعنا به، في صورته التي نحملها في الذاكرة، وكل ما مثله ويمثله لنا في الواقع. تزداد أسباب الحزن أحيانا لتعمق معنى الموت، العزيز الذي مات دون أن تقول له ما أردت أن تقوله يوما من كلمات الحب والتقدير، التي تصورت أن سلوكك كاف للتعبير عنها. الأب أو الأم الذي تتصور أن كل ما تفعله رسائل تنقل لهم ما ترغب في أن تحمله لهم من تقدير ومحبة وامتنان يفوق الكلمات. القريب الذي لا يمكن أن تنسى أفضاله وكيف أنه كان قريبا بالفعل والوجود بأكثر من أن يكون قريبا بحكم علاقات القرابة الرسمية على الأوراق. الصديق الذي اقتربت منه وعرفته عبر مواقف واختبرت الحياة صداقتكما عبر دروبها الكثيرة، فكانت أقوى وأقرب رغم التحديات. الذكريات التي تأتي فجأة والصور التي تسيطر على المشهد، والأصوات التي تتردد داخلك تتحول إلى جزء من مشهد الموت ولحظة الفقد.
الموت أيضا يعيد غيره من الأموات إلى الصورة، يموت عزيز فتأتي صور وذكريات كل من فقدت في السابق. تفاصيل تكون بعيدة عن ما يمر بك في حياتك اليومية، وتظل في الجزء الخلفي من الأحداث، وقد تتصور أنها تراجعت في الذاكرة بحكم الزمن، ولكن تفأجا بها حية وحاضرة وكأنها لم تفارقك أو لم تفارقها يوما. يموت قريب عزيز أو صديق مقرب، فتحضر الذاكرة التي تجمعك به لتسيطر على تفكيرك وتحضر معها كل التفاصيل الأخرى، كل من رحل، وأحيانا كل من تخاف أن يرحل أيضا. يأتى الموت ليأخذ معه عزيزا ويأتي معه بكل عزيز رحل من قبل، يأخذ منك فرحة قريبة ويستحضر معه ذكريات ومشاعر لفرحة كانت وأشخاص كان وجودهم جزءا من تلك الفرحة التا كانت مهمة بدرجة أهميتهم فا حياتك وقربهم وقيمتهم.
تتذكر كل من رحل من دون أن تقول كلمة وداع، أو تحضر لحظة غياب. كل من عرفت بمرضه ولم تستطع أن تكون إلى جواره، كل من عرفت متأخرا برغبته في مقابلتك أو رؤيتك قبل رحيله، وكل من حالت بينكما الجغرافيا أو غيرها من تفاصيل الحياة. تتذكر أشياء كثيرة تزيد من مساحة الحزن التي تسكنك في لحظة الموت، ولا تستطيع أن تفر منها، وربما لا ترغب أن تتركها. تتحول لحظة الحزن إلى جزء من مكانة العزيز والقريب ذاته. فالحب يرتب الفقد، والفقد يرتب الحزن، وتفاصيل الختام تعمق الفقد والحزن معا عندما تدرك غياب الفرصة الثانية للقاء.
أشياء كثيرة تؤجل في الحياة، ندرك، بدون صكوك أمان، أن لدينا الفرصة وكأننا نملك الزمن. نقيس أيامنا المقبلة بما نراه في تفاصيل الأيام العادية، فلا نضع المرض أو الموت في حساباتنا، ونتصور أن لدينا القدرة على أن نفعل في الغد ما لم نستطع أن نفعله اليوم. تتحول الحياة في عمقها إلى قائمة من الأولويات المؤجلة أحيانا في تصورنا لتراتب الأشياء، وما هو مهم وما هو أكثر أهمية، أو ما هو ملح وما هو أكثر إلحاحا. وفي هذا نتجاوز أحيانا عن حقائق الأشياء التي لا نسيطر عليها والتي تأتي فجأة ونتعامل معها على أنها زائر مفاجئ، رغم أنها الزائر الذي نعرف أنه سيأتي يوما وبشكل مؤكد.
ندرك أن الحياة تستمر بعد الموت بشكل أو بآخر، وندرك أن هناك من رحل من قبل، وهناك الكثير من الألم الذي يحفر مساراته في القلب بالفعل، وكل منه يؤكد على أن لحظة الألم مهما كانت عميقة تمر بصورة أو بأخرى وتترك مساحة لحياة قد تختلف في تفاصيلها بعد فقد عزيز بدرجة قرب خاصة، ولكنها تستمر. قد لا «نتدرب على النسيان لنستطيع العيش» كما يقول واسيني الأعرج بالضرورة، ولكن نتعايش مع حالة الفقد وتفاصيلها الموجعة. نعترف بأنها جزء من حالة الحب أيضا، وجزء من ذاكرة العزيز الذي فقدنا. تتحول تلك الذاكرة إلى خط متصل يمتد من ذكريات الحياة ويتواصل بعد الموت، حيث الحضور رغم الغياب، وحيث تفاصيل الروح والقلب والعقل التي ترسم ذكرياتها الخاصة. يمكن أن نتصور أننا التقينا بالصديق الذي حالت الفرصة دون اللقاء، وعرفنا برغبة القريب في اللقاء قبل موته، ولم تحل الجغرافيا وتفاصيل الحياة دون المقابلة، يمكن أن نرسم أجزاء من صورة كانت وأن نقول ما كان يفترض أن يقال، ويمكن أن نرسم نهايات مختلفة للقاء أخير بيننا وبين من كان يوما صديقا مقربا.
ولكن يظل أن هناك إدراكا مؤلما في لحظة الموت وتفاصيلها يصر على أن يعترف بالحقيقة، وهي أن كل ما نرسم من صور لتفاصيل لم تحدث ولما يفترض أن يكون في واقع مختلف جزءا من التحايل على الذات، جزءا من خداع الضمير أحيانا ومحاولة للهروب من حقيقة مؤلمة، وهي أن اللقاء لم يحدث وفرصة الوداع لم تتحقق، والأكثر أهمية أنه لا فرصة ثانية مع الموت.
ورغم كل الوجع الذي يثيره الموت ومشاعر الفقد وغياب الفرصة الثانية للقاء في الحياة، يظل من الجميل أن نحمل الذكريات وربما كما يقول الفيلسوف الفرنسى شارل مونتسكيو: «يجب أن لا نبكى على أصدقائنا، إنها رحمة أن نفقدهم بالموت ولا نفقدهم وهم أحياء». لعل في هذا جزء من حقيقة الألم ومشاعر الفقد، أننا ندرك أن الألم والفقد يزيد مع الحب والقيمة، وأننا نفتقد من كانوا أحياء في وجودهم في حياتنا وندرك أن رحيلهم المادي لا يعني غيابهم المعنوي، وهي صورة تختلف كثيرا عن من فقدنا في الحياة ودروبها فكان غيابهم المعنوي سابقا لغيابهم المادي ومدشنا لرحيلهم النهائي عن حياتنا. 
يظل جزء من الحزن في الحب، وجزء من الألم في الرحيل، وجزء من الفقد في إدراك غياب الفرصة الثانية ولكن كل تلك الأشياء التي ترتبط بالموت تشكل حالة خاصة من فقد عزيز يسكينا بصورة أو بأخرى رغم الرحيل.  
كاتبة مصرية

الموت والفرصة الثانية الغائبة

عبير ياسين

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية