الناقد التلفزيوني والناشط السياسي ناجي شحاتة

حجم الخط
15

■ كادت الأحداث المتتابعة والمتسارعة أن تنسيني واحداً من «الواجبات الإجتماعية»، التي لا تفوتني أبداً، وهي الإحتفاء بزميل في النقد التلفزيوني هو «ناجي شحاتة»، فقد أستيقظ ذات صباح فأجده من كتاب هذه الزاوية «فضائيات وأرضيات»، يقولون بعد حديثه لجريدة «الوطن»، الذي كشف فيه جانباً من آرائه النقدية في بعض مقدمي البرامج التلفزيونية، أحيل للصلاحية، تمهيداً لخروجه من السلك القضائي، ليجد له موقعاً في النقد بعد أن تبين أن له وجهة نظر في بعض المذيعين، وأنه يشاهد برامج «التوك شو» ويتأثر بها في أحكامه السياسية!
لمن لا يعرف، فإن الأخ الزميل (باعتبار ما سيكون) ناجي شحاتة يرأس إحدى دوائر محكمة الجنايات، التي تتولى محاكمة بعض القضايا الخاصة بالإخوان المسلمين وغيرهم؟ وهو القاضي صاحب الشارب المتدلي على شفتيه، حتى يدفع للسؤال كيف يأكل، وفي بعض الصور بعيداً عن منصة القضاء، وكان يرتدي «الكاجيول»، ظهر للرأي العام بسلسلة تتدلى حول عنقه، على نحو كاشف بأننا أمام فنان. وقد أصدر العديد من أحكام الإعدام، فلم يكن لمثلي أن يتعرض له كقاض، أو يناقش أحكامه، حتى لا أقع تحت طائلة القانون، الذي يحظر تناول القاضي بالمدح أو بالقدح، مع خلاف هنا حول الأحكام، فبينما يرى البعض عدم جواز التعرض لها بالنقد، يرى آخرون أن الأحكام بصدورها تصبح تراثاً يجوز تفنيده ونقده ومحاكمته، فلا خوف من تأثير على القاضي وقد صدرت، لكني دائماً أخذ بالأحوط!
بيد أن الأخ الأستاذ، وليس سيادة المستشار، انتقل إلى تخصصنا الدقيق وهو «النقد التلفزيوني» في حوار لجريدة «الوطن»، تحول فيه إلى ناشط سياسي وناقد تلفزيوني، وقد أعطاني فكرة عن القضاء الحديث، فالقاضي على أيامنا كان ذلك الشخص، المبالغ في الوقار، والمتطرف في النأي عن الإدلاء برأيه في الأحداث والأشخاص، وهو الذي لا يوجد في بيته جهاز تلفزيون، وإذا وجد فلكي يشاهد نشرة الأخبار في التلفزيون الرسمي ثم يغلقه، والذي لا يختلط بالعامة والدهماء، وإذا زاره خطيب ابنته عامله كمتهم يوشك أن يأمر بإدخاله القفص، لولا عدم وجود قفص في المنزل!

«شحاتة» و«عكاشة»

يقولون إنه محظور على القاضي إبداء أراء سياسية، لكن الأخ الأستاذ «ناجي شحاتة» أجرت معه جريدة «الوطن» حواراً وكان له فيه رأي «توفيق عكاشة» نفسه من ثورة يناير، فالأخ توفيق وجارته بالجنب «حياة الدرديري» يصفونها بـ «25 خساير»، وهو الوصف نفسها، الذي استخدمه الأستاذ «ناجي»، وأرجع استخدامه لهذا الوصف لأنها دمرت أخلاق المصريين!
وعلى ذكر «توفيق عكاشة»، فقد راعني في حلقاته الأخيرة أن قام بترقية جارته «حياة»، و»شوفي يا حياة»، و»رأيك يا حياة»، لتصبح «الأستاذة حياة».
قال لها: شوفي يا أستاذة حياة، في حاجة ذكرت في القرآن مرة واحدة أرجو أن تكون من نصيبي. ولمعت عين الأستاذة وهي تنتظر ما توصل إليه بحر العلوم وترعة المفهومية، الذي يُخطئ في تلاوة بعض الآيات، فتصحح له «حياة» أحياناً.
بعد أن صمتت الأستاذة في انتظار الفتوحات العكاشية تلا قوله تعالي: «وما توفيقي إلا بالله»، ثم أردف: وأنا توفيق!
وكان المشهد يحتاج أن تهتف «حياة الدرديري»: تكبير، فيدخل طاقم العمل للأستوديو، وهو يؤوب معها: «الله أكبر»، ويأخذون العالم الجليل الشيخ «توفيقي» بالأحضان!
ما علينا، فبعد وصفه لثورة يناير بأنها «25 خساير»، لأنها دمرت أخلاق المصريين، أبدى «ناجي شحاتة» سعادته الغامرة بلقب «قاضي الإعدامات»، وخرج عن حدود اختصاصه إلى اختصاص رئيس مصلحة السجون، وأعلن أنه لا تعذيب في السجون. «ولكن جهاد ونية»! وانتقل ليهاجم محكمة النقض، في سابقة هي الأولى من نوعها أن يتطاول قاض على أحكام محكمة أعلى وأن يسخر منها.
وعندما تراجع عن ذلك ونفى ما نشر على لسانه، أعلنت جريدة «الوطن» أنها خففت كثيراً من آرائه الهجومية على محكمة النقض، ليطرح هذا سؤالاً مهنياً عن حدود دور الصحافي في حوار كهذا، وهل دوره أن يتدخل بتخفيف نقد قاض مسؤول في محكمة؟ وهل يكون الصحافي ملكياً أكثر من الملك؟!

الصحيفة تتحدى

ليس هذا وقت استدعاء القواعد المهنية في تصرف جريدة «الوطن»، وهي صحيفة موالية للانقلاب بالمناسبة، كما ليس وقت التطرق للآراء السياسية للناشط السياسي ناجي شحاتة، وإن رأى كثيرون أنها توصم أحكامه ضد ثوار يناير بالبطلان، وتمثل سبباً كافياً لالتماس إعادة النظر فيها، وباعترافه هو نفسه عندما قال في قناة «المحور» وفي برنامج «90 دقيقة» بعد ذلك نافياً المنشور على لسانه بجريدة «الوطن» بأنه يحظر على القاضي الحديث في السياسة.
«الوطن» ردت عليه بقواعد التحدي، وأذاعت بعض مقاطع حديثه، على نحو يفقده حيدة القاضي، ويحوله إلى ناشط سياسي، ولست معنياً بهذا الدور، لكن ما يعنيني حقاً هو أنه وإن خسرناه قاضياً فقد كسبناه ناقداً تلفزيونياً، له آراء في بعض مقدمي البرامج التلفزيونية ويصدر أحكام «قيمة» في حق بعضهم!
فآراء «ناجي شحاتة» السياسية إن صح نسبتها له، لا تجعله إضافة بالنسبة لي، وإنما تمثل إضافة لحركة «إحنا آسفين يا ريس»، التي تشكلت للتظاهر من أجل مبارك، ورفض محاكمته، وهي الحركة التي انتهت الآن إلى تأييد عبد الفتاح السيسي، وقد استمعت قبل يومين لصحافية كانت تتزعم هذه الحركة، على إحدى القنوات الفضائية وهي تذوب عشقاً وصبابة في السيسي. والناشط «ناجي شحاتة» يصف في حوار «الوطن» السيسي بأنه كقاطرة القطار التي تقود ويحاول بذل أقصى مجهود لدفع البلد إلى الأمام، ولكن هناك قوى داخلية مندسة وقوى خارجية تحاول تعطيله!
ولا أخفي أنني عندما قرأت اصطلاح «مندسة»، أيقنت بأن الرجل بإمكانه أن يتحول إلى ناشط سياسي بدون تدريب، فيكفي أنه استخدم كلمة «مندسة» في وصفه للقوى التي تحاول تعطيل جهود «السيد الرئيس».
لست مشغولاً حقيقة بناجي شحاتة القاضي، أو الناشط السياسي، فاهتمامي كله منصب على «ناجي شحاتة» الناقد التلفزيوني، الذي له آراء في بعض مقدمي البرامج تؤكد أنه مشغول مثلي بمشاهدتهم، وإن كان انشغالي بهم لكي أسود هذه الزاوية في صباح كل يوم سبت من «باب أكل العيش»، وقديماً قال أحد حكماء الصعيد: «أكل العيش مر» ، أما «ناجي شحاتة»، فيفعل هذا عن حب!
لقد سئل «شحاتة» عن رأيه في بعض الإعلاميين الموجودين على الساحة؟ وأدهشني أن الزميلة «هدى سعد»، وجهت له هذا السؤال، وهي ذهبت لتحاور قاضياً، أصدر الكثير من الأحكام بالإعدام التي نقضتها محكمة النقض وردتها إليه، ومن الواضح أن الزميلة تعرف اهتماماته، وربما أدلى برأيه قبل الحوار فيهم، فأيقنت أنها أمام «ناقد تلفزيوني».

الإساءة للدولة

في الإجابة على سؤال صحافية «الوطن»، ظهر في البداية «الناشط السياسي ناجي شحاتة»، فأكد على أن هناك فريقا من الإعلاميين يتعمد الإساءة لسلطات الدولة وبالتحديد الإساءة للشرطة وللقوات المسلحة،»وأنا كمواطن أكره أي إعلامي يفكر في هدم الدولة». وهو خطاب الأذرع الإعلامية نفسه لعبد الفتاح السيسي التي يقوم بتلقينها عباس كامل. لكنه بعد هذا انتقل ليتمدد على «دكة الناقد التلفزيوني» فيعلن إعجابه بثلاثة من مقدمي البرامج التلفزيونية: «أحمد موسى»، وهو يشعر بإخلاصه وخوفه على البلد، و»توفيق عكاشة»، لأنه مسل ويخاطب طائفة الفلاحين والعمال والأميين «وهو لا يحاول التكلف»، و»أسامة كمال» الذي هو في رأيه «متزن ومعتدل ولا غبار عليه»!
وفي المقابل هو لا يحب «تامر أمين» لأنه من بدع مبدأ التلون في مصر، لأنه يتحدث عن الأخلاق ويسهر في الملاهي الليلية. ولا يحب «شريف عامر» لأنه «غتت» وبرادعاوي، نسبة للدكتور محمد البرادعي. كما أبدى كراهيته لمنى الشاذلي لأنها أول من استضافت وائل غنيم والبرادعي.
هذا تصنيف في مجمله يؤكد جدارة «ناجي شحاتة» بالانخراط في صفوف حركة «إحنا آسفين يا ريس»، وبعضها يدخل في باب التصنيفات الأمنية وليس النقد التلفزيوني، مما يؤهله للعمل في جهاز الأمن الوطني، لكن كلي ثقة أنه بدورة واحدة في أصول النقد التلفزيوني، يمكن لنا أن نكسب ناقداً تلفزيونياً متفرغاً، وفي دورة التعليم بحاجة لأن يعلم الفرق بين النقد والتعرض للحياة الخاصة، فرأيه في «تامر أمين»، يخضعه للمادة (308) من قانون العقوبات، التي تجعل من المحتمل سجنه لو لجأ تامر للقضاء، حتى لو كان بالفعل يسهر في ملاهي ليلية!
اللافت أن الناقد التلفزيوني المتدرب «ناجي شحاتة»، عندما نفى في برنامج «المحور»، أن يكون أبدى هذه الآراء، مشيراً إلى أنه «ليس من المتصور عقلاً أن أبوح برأي في بعض الإعلاميين»، أذاعت «الوطن» مقطعاً من الحوار وهو الخاص بتامر أمين، وعند ذكره لسهرات تامر في الملاهي، سألته الصحافية: ولماذا يذهب لهذه الأماكن؟ فأجاب أنه ذهب إليها بالصدفة.. مع أن كلامه يوحي بأن تامر «دأب» على ذلك. ومع ذلك ولحسن ظني في الرجل فإنه وإن شاهده أكثر من مرة أو خيل له فلا ينقله إلى مستوى «دأب» هو أيضاً، فمن المؤكد أنها كلها مرات بالصدفة.
ويا عزيزي الزميل المتدرب «ناجي شحاتة»، الدرس الأول في الورشة الذي ينبغي أن تتعلمه هو أن هناك فرقا بين «النميمة» و»النقد التلفزيوني». ولاحظ يا زميلي، أنا لم نذهب لك كقاض، ولكنك انتقلت إلينا فالتفتنا إليك.
وكما يقول الأسطوات، جمع أسطى، في أعمال تصليح السيارات للملتحق حديثاً بالعمل: «تعالى أشربك الصنعة»!

٭ صحافي من مصر

سليم عزوز

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية