الهوية السردية ومقولة التقدير المصنفة

تُعَد مقولة التقدير المصنفة ذات أهمية كبرى في تمظهر الهوية، لا من حيث هي محدد نهائي للذات السردية الفاعلة، ولكن من حيث هي صيرورة في الزمان والمكان، أي بوصفها اختبارا للقدرة التي تتمتع بها الذات السردية الفاعلة في أثناء إنجاز مهامها، ومن ثمة فهي متصلة بالفعل الذي يُظهر طواعية العالم للتطلع أو نسبتها أو عدمها.
وهي متصلة بالتناسب بين العمل بوصفه قوة داخلية دافعة ومحفزة للفعل والقدرة على الإنجاز. وسمينا هذه المقولة المصنفة بالتقدير لأنها تتصل بالبعد الواقعي للعمل على مستوى الإنجاز (الفعل)، وعلاقة هذا الأخير بالذات السردية الفاعلة من حيث استعدادها من جهة، ومن حيث كونها مؤهلة لما تُقدم عليه من مهام. وصيغة التقدير الصرفية تُفيد بأن القدرة خاصية مكتسبة، وليست جوهرية، وهي تفعيل الذات عن طريق جعلها قادرة؛ أي تقديرها، وهذا التفعيل القدراتي نوعان: تفعيل قدراتي براني، وتفعيل قدراتي ذاتي؛ فالأول ماثل في تقدير ذات يمثلها المجتمع وثقافته ذاتًا أخرى، والثاني ماثل في تقدير الذات نفسَها.
وينبغي فهم التقدير بوصفه فيزيقيا أو ذهنيا أو هما معًا، وهو على وجهين: أ- بعده معطى وجاهزًا تزود به الذات منذ الولادة كما هو الأمر في الحكايات العتيقة (الملحمة- الحكاية الشعبية). ب- بوصفه مبنيًا غير جاهز تحاول الذات اكتسابه في أثناء الفعل. ومن ثمة لا بد من معالجة الهوية في حدود إظهار القدرة على الفعل وفق جدلية القوة منظورًا إليها من خلال ثنائية العجز والاستطاعة، بما يعنيه هذا من اختبار للذات. ويفضي هذا التحديد إلى الحديث عن هويتين:
أ- هوية الذات السردية الفاعلة في الحكي العريق، التي تُترجِم اصطفاء سابقًا على وجودها، وهو اصطفاء نظام اجتماعي يقوم على إبراز صلابته وديمومته من خلال جعل هذه الذات قادرة منذ البداية، ولا تعرف العجز.
ب- هوية الذات السردية الفاعلة في الحكي الحديث، التي تُترجِم التفاوت بين تطلعها الفردي وما يمنحها العالم من إمكانات لممارسة الفعل والتعبير عن قدرتها عليه. وينبغي فهم سريان مقولة التقدير المصنفة – في صياغة الهوية السردية- في إطار الصراع بين القوى، فلا حكي من دونه. ومن ثمة فالتقدير مرتبط دومًا بإمكان التوفيق في هذا الصراع أو عدمه. وهذا الصراع تام ضد نوعين من القوى:
أ- قوى ملموسة كما الأمر في الحكي العريق (عفاريت- أشرار- كائنات مسخية…الخ).
ب- قوى مجردة كما هو الأمر في الحكي الحديث (مؤسسات).
ولا يُترجِم تقدير الذات السردية الفاعلة – في الحالة الأولى- سوى هوية مجتمع في علاقته بما يُهدده من قوى تُربك نظامه؛ وتتضمن هذه الهوية في صلبها مفهوم البطولة التي ليست سوى القدرة المصطفاة التي هي قدرة نظام اجتماعي على البقاء ومقاومة مرض الزمان وسوء التاريخ. ويُترجم تقدير الذات نفسها – في الحالة الثانية- هوية فردانية في علاقتها بعالم يسلبها إمكان أن تكون نفسها، وتتضمن هذه الهوية في صلبها مفهوم الانفلات الذي هو القدرة المجربة التي تسعى إلى اختبار شكل مغاير للبقاء النوعي الذي يسعى إلى تحسين الوجود، ومقاومة السوء الاجتماعي، بما يعنيه هذا من رضا عن النفس، لا الرضا القائم على اعتراف النظام الاجتماعي بفعل الذات.
تتصل مقولة التقدير المصنفة بدرجة الإقبال على الفعل المتعلق بموضوع ما؛ أي أن الذات السردية الفاعلة لا تكتسب هويتها النهائية إلا من خلال ما تُظهره من قدرة على مواصلة الفعل أو عدمه؛ وإذا كان كل حكي مرتبطًا بمواصلة الفعل فمن اللازم أن يكُون التقدير مصوغًا في تشكيل الهوية من طريق درجة الحماس التي ليست في نهاية المطاف سوى تكييف القدرة مع طواعية الموضوع أو استعصائه، بما يعنيه هذا من اختيار للوسائل المعتمَدة في الإنجاز. وقد تكُون مقولة التقدير التي تظهر الهوية إما سابقة على التحقق (الإنجاز) أو مصاحبة له. فهي في الحالة الأولى معطاة، وآيلة إلى الذات من الاصطفاء الاجتماعي، وفي الحالة الثانية مبينة وخاضعة للتكيف مع ما يُسفر عنه الفعل من نتائج أثناء الفعل.
ولا بد من الإشارة- هنا- إلى الارتباط بين التقدير والموضوع في نمطي الحكي: العريق والحديث. ويتمظهر هذا الارتباط بوساطة صيغتي التهويل والتهوين. وهاتان الصيغتان تركيبيتان مستخدمتان من أجل إظهار طبيعة الذات السردية وهويتها. وهما تتعلقان بتمثلين للموضوع: إما بتهويله (صعب- معجز- مهلك…) أو تهوينه (سهل- في المتناول- قابل للتحقق). وتستخدم صيغة التهويل في الحكي العريق لتعبر عن مواجهة قدرة الذات السردية الفاعلة للمُعجز، حتى يتحقق إظهار هويتها الخارقة فوق البشرية التي تتجاوز محدودية الإرادة والفعل والإمكانات، وإنتاج المدهش في السلوك البشري تجاه ما يتعدى قدرته الطبيعية. وتستخدم صيغة التهوين في الحكي الحديث لتعبر عن عدم فحص القدرة في ضوء صعوبة الموضوع؛ بحيث يرى إلى هذا الأخير من زاوية طواعيته أو قبوله التحقق، وتمثل الغاية من هذا الاستخدام في إظهار الهوية المتشكلة من خلال التجريب والتعلم والتكيف، بما يعنيه هذا من مراجعة مستمرة للقدرة والوسائل تعبيرا عن عناد المادة من جهة، وعن البعد التكويني للذات السردية الفاعلة.
ترتبط مقولة التقدير المصنفة بالمقولات المصنفة (التحديد- التوجه- التثمين) التي عالجناها في المقالات الثلاث السابقة، غير أنها تُعَد في الحكي الحديث أكثر اتصالًا بمقولة التثمين المصنفة، وبالهوية المتخللة؛ لأن إدراك محدودية القدرة تجاه الموضوع تُفضي بالضرورة إلى مراجعة طبيعتها من قِبَل الذات السردية الفاعلة، ومراجعة الوسائل المعتمدة في إظهارها ايضًا؛ الشيء الذي يسمح بالحديث عن تقدير منظور إليه من زاوية تجريبية التقدير التي تعني أن الهوية السردية الحديثة قائمة على ثنائية الاستمرار والقطيعة؛ أي أن كل تقدير غير مجدٍ يعني التخلي عن بعض الأسس المبدئية في تحديد الذات نفسها وموضوعها؛ ومن ثمة التخلي عن بعض الأسس في تظهير هويتها. ولا يعني هذا التخلي الجزئي سوى محاولة إعادة بناء التقدير من جديد، بغاية تفعيل حماس الذات في إنجاز مهامها؛ ومن ثمة يستمر الفعل المتجه نحو موضوعه وفق عملية تكيف مع طبيعة إعادة التقدير. ويُعبر سرديا عن هذا التكيف الضامن لاستمرار الهوية بخاصيتين:
أ- التعديل في طبيعة الفعل أو شكل الموضوع.
ب- خاصية الملاءمة التي تعني مراجعة الوسائل المعتمَدة في الفعل بما يناسب الموضوع.
وقد يُفضي التقدير غير المجدي إلى التخلي الكلي عن كل الأسس المبدئية في تحديد الذات وموضوعها وهويتها؛ الشيء الذي يُفضي إلى النكوص، وحدوث القطيعة في الفعل تجاه موضوعه. ويُعبر سرديا عن هذا الأمر بخاصيتين: أ- الاستبدال الذي يُؤدي إلى تغيير الموضوع بموضوع مناسب للقدرة.
ب- التنازل الذي يُفضي إلى التخلي عن الموضوع نهائيا.
أكاديمي وأديب مغربي

الهوية السردية ومقولة التقدير المصنفة

عبد الرحيم جيران

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية