«تؤكد المحكمة أن مصر ليست نقطة على خريطة الكون، أو خطوط رسمها خطاط أو عالم جغرافيا على خرائطه، إنما هي بلد قديم، خلقه الله من رحم الطبيعة بين بحرين عظيمين ربط بينهما بدم وعرق بنيه برباط مادي ومعنوي.
وأن جيش مصر لم يكن أبدا «قديما أو حديثا جيش احتلال، وما أخرجته مصر خارج حدودها إلا دفاعا عن أمنها وأمن أمتها العربية».
ربما من المهم أن نسجل في البداية تلك الأجزاء القيمة من منطوق الحكم الصادر عن دائرة فض الطعون بالمحكمة الإدارية العليا، برئاسة نائب رئيس مجلس الدولة المستشار أحمد الشاذلي، في 16 يناير 2017 الذي تم فيه رفض الطعن المقدم من هيئة قضايا الدولة ممثلة عن رئاسة الجمهورية والحكومة، وتأييد الحكم الصادر من محكمة أول درجة، ببطلان اتفاقية ترسيم الحدود التي وقعها النظام مع السعودية وتم بموجبها التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير.
جاء الحكم ليقر ما استقر في ضمير كاتب تلك السطور، وفي ضمير من دافع عن الأرض ومن خاض معارك المحاكم ومعارك الوثائق. جاء ليقر ما استقر في تفاصيل الأرض وحبات الرمل، وما نبت فيها من دماء الشهداء والجرحى، التي تأبى أن توصم بأنها مجرد قوات غازية أو قوات أجيرة دافعت عن أرض الغير، ودخلت معركة لم تكن معركتها على أرض حاول البعض أن يقول إنها لم تكن أرضها.
جاء الحكم ليقر ما استقر في ضمير من نزل إلى الشارع وتظاهر وتحمل كل ما تعرض له، لأنه هتف بمصرية الجزر مقابل تعظيم النظام لكل الأصوات التي قالت العكس، ولكل من باع وكل من أعلن عن العثور المفاجئ على ما يسمى وثائق إنكار مصرية الجزر. جاء الحكم ليقر ما تردد بصور مختلفة بعده، وهو أن الأرض لها شعب يحميها، شعب لم تستطع سياسة تكثيف المعاناة والإلهاء والمعارك الصفرية أن تبعده عن بوصلة الأرض والوطن الكبير الذي يحتاجه. جاء ليقر بأن اللحظة ميلاد ممتد من فجر قد لا نراه ولا نشعر به أحيانا، ولكن ما يلبث أن يعلن عن نفسه في عمق الروح المصرية المرتبطة بالأرض، التي لم تكن يوما مجرد نقاط أو خطوط على خرائط مرسومة. جاء الحكم ليؤكد لكل شهيد عبر التاريخ أن الدم صك ملكية لا يمكن أن يعرض للبيع، وإن حدث لا يمكن أن نقبل بالبيع. وفي اللحظة أكد أن هناك أشياء جميلة في المحروسة رغم كل القبح والتقبيح وجهود تشويه الوطن، وأكد أن كل ما تمارسه السلطة التنفيذية، وكل ما يعلن عن فساد تركز مؤخرا في بعض الجهات القضائية يظل جزءا من الصورة التي تحمل رغم هذا جمالها الخاص، وتحمل أجزاء لم تتشوه أو تخضع للتشوه، كما هو الحال مع مجلس الدولة الذي انتصر بحكمه للوطن والتاريخ والضمير الوطني، ولم يخضع لحسابات المرحلة أو العصا والجزرة التي تحكم مصر.
وإن كان الحكم قد أقر أشياء، وأعلن تمسك المحكمة بما أقر في ضميرها وفي قناعتها وفي ضمير الوطن، فقد كان كاشفا عن أشياء أخرى لا يمكن أن نتجاوز عنها من أجل حماية الوطن من لحظة مماثلة يتكرر فيها التنازل والبيع، في واقع تبدو فيه كل الأشياء العبثية ممكنة، ما دام شعار التفويض والقرارات الصعبة تحكم اللحظة التي لا ترى إلا ما تسميه المشاريع الكبرى، من أجل تعظيم الحاكم وتسجيل الاسماء على جدران تقام وتمتد على حساب الوطن والشعب.
بداية جاء الحكم كاشفا عن تجاوز الدستور في توقيع الاتفاقية وفي التنازل عن الأرض، خاصة مع إرساء المحكمة الدستورية في ديسمبر 2016 لمبدأ قضائي، يؤكد أنه لا يجوز لجهة الإدارة التعلق بأعمال السيادة حال إبرام اتفاقية تتضمن التنازل عن جزء من إقليم الدولة. وتأكيدها على أن المادة (151) التي تؤكد على أنه «لا يجوز إبرام أي معاهدات تخالف أحكام الدستور أو يترتب عليها التنازل عن أي جزء من إقليم الدولة) تحظر إبرام المعاهدات بوصفه مفهوما أكثر اتساعا من التوقيع عليها. وأن السلطة التنفيذية لا يجوز لها أن تتمسك بأعمال السيادة متى وقعت في المخالفة التي حظرتها المادة المشار إليها، وأن قيام السلطة التنفيذية بذلك مخالفة للدستور، لا يعد من أعمال السيادة ولكن من أعمال الإدارة. وإن كان هذا الأمر واضحا وحكم المحكمة بإلغاء المعاهدة وتأكيد مصرية الجزر مؤكدا، يظل السؤال من يحاسب السلطة التنفيذية؟ حساب لا يبدأ من لحظة الحكم ولكن من لحظة الاتفاق والتوقيع بعيدا عن الشعب وعن الدستور، وللحظة التخويف والإرهاب المستخدم ضد من يقول بمصرية الجزر، وإساءة استعمال السلطة عبر تقديم ما تملكه الدولة من وثائق لنفى ملكية مصر للجزر، وحشد الجهود من أجل نشر هذا الخطاب ومحاولة التشكيك في ملكية مصر لأجزاء أخري من أراضيها، من أجل وقف الجدل على تيران وصنافير والتخويف بفقد المزيد من الأراضي، إلى إلقاء القبض على من يدافع عن الجزر وتقديم سلسلة من الاتهامات التي لابد أن نعيد طرحها بطريقة مختلفة في اللحظة، وأن نسأل من يعوض الوطن عما تعرض له من خسائر حقيقية ومخاطر محتملة، ومن يطبق الدستور ويحاسب من تجاوزه.
في الوقت نفسه لابد ألا نسقط في فخ خطاب كبش الفداء الذي يعلن في الحالات المشابهة، وبمقتضاه سارع بعض من أكد على تبني خطاب النظام، مؤكدا أن الشخصية ذات الخلفية العسكرية لا يمكن أن تتنازل عن أرض الوطن، لتأكيد أن المشكلة في الحكومة، مطالبا بإقالة رئيس الوزراء. محاولة مكشوفة لتجاوز المسؤولية الحقيقية في الأحداث التي وضعتنا فيها السلطة الحاكمة وهددت مصر بخسارة لا يمكن أن تغفر لجزء من أرضها، وبتنازل مذل للحظة والمستقبل، يؤسس لفكرة أن كل الأشياء في مصر قابلة للبيع بما فيها مصر نفسها. لا يمكن أن نغفل دور رئيس السلطة التنفيذية، رئيس الدولة عبد الفتاح السيسي القادم من الجيش والمخابرات، الذي لم يدرك على ما يبدو أن مصر ليست مجرد نقاط وخطوط على خريطة يمكن أن يعيد رسمها في الغرف المغلقة. الرئيس الذي طالب الجميع بالقبول والصمت اقتناعا بأنه يقوم بتنفيذ توصيات السيدة الوالدة رافضا الحفاظ على أشياء لا تخصه عبّر عن خطورة الخلط بين الحاكم ومال الدولة أو أرض الدولة في الدول غير الديمقراطية. قضية تحتاج إلى تأسيس قائم على أن الديمقراطية هي الحل، وأن فكرة الحاكم المخلص، أو حاكم الضرورة المفوض، أو الحاكم ابن المؤسسة الذي يستقر في مكانة فوق النقد والمحاسبة لا يمكن أن تحمي وطنا. وأنها إن قدمت بوصفها آلية حماية في لحظة قد تكون بوابة للجحيم نفسه عندما يتم استخدامها من أجل المصلحة أو ضد الوطن في لحظة أخرى.
وإن كانت ثورة يناير فشلت في تحقيق إصلاح وفرز حقيقي للعديد من الجهات والاسماء التي تمارس دورها في تبرير السلطوية والدفاع عن الكرسي، فقد تكون لحظة تيران وصنافير الكاشفة فرصة داخلية للإصلاح. فرصة لفرز حقيقي لمن يقف مع الوطن ويدافع عنه وعن كرامته وأرضه وشعبه، باعتبار أن الشعب المهان لا يمكن أن يترجم إلى وطن كريم والعكس صحيح. الكرامة الوطنية لا تتجزأ، ومن يمكن أن يتنازل عن مصر من أجل كرسي أو منصب لا يمكن أن يرسم مستقبلها، وإن كانت يناير لم تتخلص من عبء نظام الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك المستمر في الوجود والتوغل بصور مختلفة، لدرجة تبرير البعض للتنازل عن الجزر بسؤال مبارك نفسه وكأنه لم يغادر كرسيه بناء على ثورة، لا تجعله حجة في تحديد مصالح الوطن. إن كانت ثورة يناير قد فشلت في هذا الدور المهم فإن تيران وصنافير يجب أن تكون طاقة نور كاشفة لآليات الحكم الفاسدة، التي تؤسس لمصلحة جماعة على حساب الوطن والمواطن، ولتؤكد على أن الحاكم الفرد وجماعة المصلحة ليست الحل، ولكن الديمقراطية التي تقوم على المكاشفة والمحاسبة وإعلاء دولة القانون وقيمة المواطن صاحب السلطة.
ومن المفارقة أن حكم تيران وصنافير جاء بعد احتفال ضخم بإعلان شبكة تلفزيون جديدة تثار العديد من التساؤلات حول الجهة السيادية التي تقف خلفها، وحجم التمويل الذي يصل وفقا للأخبار المتناقلة إلى 80 مليون دولار. في ظل غياب المكاشفة والمحاسبة يمكن أن يحدث هذا وأن تطالب الشعب بالتقشف وترفع أسعار الدواء والغذاء والخدمات، التي تتحول لرفاهية للمواطن الطبيعي ثم تخصص مثل تلك الأموال بشكل مباشر أو غير مباشر لواجهة إعلامية لا تضيف للوطن أو المواطن، وأن تتابع المعاناة وفي الخلفية أخبار اجتماعات رئاسية تطالب بسرعة الانتهاء من العاصمة الإدارية الجديدة، وتتابع أخبار حفظ قضية تعرية السيدة القبطية في المنيا، مع أخبار تخصيص أراض لأكبر مسجد وكنيسة في العاصمة الجديدة. كل هذه الشكليات التي تأتي على حساب الوطن والمواطن لتأسيس صورة الحاكم المطلق القادر على اتخاذ قرارات صعبة لم يستطع غيره أن يتخذها، مجرد تنويعات على فكرة الزعيم، ولكنها تلك المرة لا تقف عند حدود مشروع فاشل، ولكن محاولة تنازل كاملة الاركان عن جزء من أرض الوطن لصالح اللحظة والكرسي والسلطة، وكلها أشياء تغيب مقابل الوطن الذي لم يكن ولن يكون مجرد نقاط أو خطوط على خريطة، ولكنه درس مهم من دروس التربية الوطنية التي غاب عنها البعض، على ما يبدو، وهو ما يرتب الحاجة للجنة قد تكون ذات أولوية عن لجنة الأخلاق التي يرغب النظام في تأسيسها.
كاتبة مصرية
عبير ياسين