تنعم بعض العائلات باسم شهرة يدلّ على انتمائها إلى عشيرة ما، أو إلى موطنها الأصلي، أو إلى الصنعة التي توارثتها أبّا عن جدّ، أو العلامة الفارقة التي تميّزها عن باقي العوائل، على سبيل النعت. وقد يعزو بعضهم لقب سلالة شنابِل، وتعني «منقار» بالألمانيّة، إلى طول أنوف أعضائها. وكان الأحرى بهذه العائلة على وجه الخصوص أن تغيّر لقبها إلى «أبو البيانو» لشدّة تماهي ابنها، آرتور (1882-1951)، مع تلك الآلة. فهو لم يكن أوّل من ابتكرها أو عزفها أو سجّل عزفه عليها، كما لم يتميّز أداؤه باستعراض قدرته على الإسراع في المقاطع السريعة أصلا، إذ ثمة الكثيرون ممن يهوون استعراضات كهذه. أما شنابل فقد تميّز عزفه بسبر أغوار ما خطّه النوابغ من بني قومه النّاطقين بالألمانيّة في محاولة لاكتناه ما أرادوا التعبير عنه في مؤلفاتهم.
وكان من حسن حظ شنابِل وحظنا نحن، معشر عشّاق الموسيقى تزامن ظهوره على المسرح العالمي بتوفّر أجهزة التقاط وتسجيل الموسيقى على مستوى لا بأس به. وما زالت شركات الإنتاج تنقّي صفائح التسجيلات الأصلية كي تستنسخها وتوزّعها في كل بلدان العالم حتى يومنا هذا على شكل اسطوانات أو أقراص رقمية. بل ما تزال أجيال المهتمّين بموسيقى البيانو تقتني هذه الأقراص وتصغي إليها عن كثب رغم توفّرها عبر يوتيوب مجّانا.
وكان لشنابل شرف الريادة في ترسيخ أعمال مؤلفين ألمان ونمساويين عدة في المهاد الثقافي العالمي سيأتي ذكرهم. فكان أول من عزف جميع سوناتات بيتهوفن (1770-1827) الاثنتين والثلاثين على التوالي في أمسيات توزّعت على بضعة أسابيع على مسرح الشعب في برلين في شتاء 1927 (ما ينوف عن عشر ساعات من الأداء) في الذكرى المئوية لوفاة بيتهوفن. ثم أعاد الكرّة في شتاء 1933 في القاعة الفلهارمونية في برلين وأتبع ذلك الإنجاز بتسجيل سلسلة السوناتات هذه وإصدارها في مجلّد متكامل في عام 1935 في لندن، ما حدا بالناقد الموسيقي الأمريكي في صحيفة «نيويورك تايمز» هارولد تشارلز شونبيرغ، إلى تلقيبه بـ «الرجل الذي اخترع بيتهوفن». إذ لولا إصرار شنابل على تسجيل هذه السوناتات رغم المصاعب الموسيقية والعقبات التقنية لتأخر سماع الناس على نطاق العالم باسم بيتهوفن، ناهيك عن موسيقاه، لسنين، إن لم نقل لعقود عديدة أُخرى.
ولنضع نصب أعيننا أن التسجيل في تلك الحقبة لم يكن يسمح بإزالة المقاطع غير الموفّقة من حركة موسيقية ما واستبدالها، أو ترقيعها، بأخرى جاءت على نحو أنجح، إذ يضطر الجميع والحال هذه إلى إعادة الكرّة من البداية! ولطالما حصل العكس كذلك، فكانت كل شروط العزف الناجح متوفّرة والإلهام على أشدّه لكن الصدمة تتبيّن في نهاية المطاف حيث يكون قد احترق سلك من الأسلاك ولم ينتبه إليه أحد، مثلا، فيعود الجميع إدراجهم كي يبتدئوا من جديد.
ولكن، وفي حال نجاح شبه معجزة التسجيل هذه، يتوفر لدى مقدم برنامج إذاعي، مثلا، كنز من الموسيقى لفترة من الزمن يصل بها إلى آذان ملايين الناس، إذا افترضنا أن الشبكة كائنة في مدينة مكتظة بالناس. فإما ذلك أو أن يستضيف في الاستديو لديه وعلى الهواء مباشرة عازفا ذا آلة خفيفة الوزن، إذ قد لا يتسع الاستديو للبيانو، مثلا، لضخامة المعدات الخاصة بالبث آنذاك!
وكان شنابل قد تتلمذ (1891-1897) رغم صغر سنّه اللافت، على يد أحد أهم أساتذة البيانو في المؤسسة التي صارت تدعى اليوم «جامعة الموسيقى وفنون الأداء في فِيينّا»، تيودور لشيتيتسكي (1830-1915)، الذي انحدر من نفس الإقليم البولندي الجنوبي تحت الاحتلال النمساوي الذي وُلد فيه شنابل. واشتهر عن هذا الأستاذ نبوءته عن مستقبل تلميذه النجيب اليافع شنابل: «لن تصبح يوما مجرد عازف بيانو، إذ إنك منذ الآن موسيقار!».
فماذا فعل شنابل كي يجسّد هذه النبوءة؟ راح يبحث، أولا، عن المخطوطات الأصلية بيد بيتهوفن لسوناتاته، فاكتشف أن الطبعات التجارية منها تنوء بالأخطاء، فأخذ على عاتقه تحقيقها كلها ثم نشرها في طبعة طبق الأصل تكثر فيها شروحاته حول أوجه عديدة لعزف كل حركة، واقتراحاته بشأن استعمال هذا الإصبع أو ذاك لعزف هذه النوتة أو تلك، وعند أي نقطة يتوجّب استعمال الدّوّاسة اليمنى أو اليسرى أو الاثنتين معا، ثم متى علينا أن نرفع قدمينا عنهما، وهلمّ جرّا. وسرعان ما أصبحت طبعته هذه المرجع الأول والأخير للعازفين قاطبة، محترفين كانوا أم تلاميذا.
ثم عاود الكرّة مع سوناتات موتسارت (1756-1791) التي لم تكن محطّ انتباه عازفي ذلك الزمان إلا في ما ندر خلافا لعدد محدود من كونتشيرتواته للبيانو والأوركسترا، ثم قام بتسجيل معظمها. ثم قاده فضوله إلى موسيقى شوبرت (1797-1828) للبيانو التي كان قد طواها النسيان تماما آنذاك، فقرر أن يكثر من عزفها، على العكس تماما من جميع معاصريه، وسجّل معظمها هي الأخرى. لكن برامج حفلاته كانت تتسع لتشمل موسيقى لشومان (1810-1856) وبرامز (1833-1897) وباخ (1685-1750) بالطبع وآخرين كذلك ولكن على وتيرة أخف.
وتخلل عمله في التحقيق هذا جولات موسيقية في معظم بلدان أوروبا وأمريكا الشمالية مدة ثلاث سنين ظلت سمة حياته المليئة بالتجوال لأجل العزف أو التدريس، أو كليهما، حتى بعد أن انتقل للمعيشة في برلين في 1900 حيث التقى بمغنية الكونترالتو ذات الصوت الرخيم تيريزه بير (1876-1959) التي تزوج منها في 1905، فاشتركا في أداء الأغاني الفنية التي يزخر بها تراث الناطقين بالألمانية على مدى ما يقارب ثلاثة عقود تكلّلت بسلسلة من الحفلات ركّزت على أغاني شوبرت قدّماها في برلين في 1928. وكان لهذه العلاقة، التي نشأت في ظل فن الموسيقى ثم نشأ عنها سلالة من الفنانين، أبلغ الأثر في استقرار شنابل النفسي والعاطفي، وفي إعطائه الزخم اللازم لإنجاز ما كان قد يعجز عنه آخرون من معاصريه، وذلك لخمسة عقود أخرى من العطاء من تحقيق ونشر وعزف وتدريس وتسجيل ومرافقة آخرين من المغنين أو العازفين في العزف على البيانو، في بلدان شتى من العالم منذ لقائه برفيقة حياته. وقد قامت حفيدتهما، آن شنابل موتييه، بجمع آلاف الرسائل بينهما للفترة من 1901-1951 ونشرها في صيف 2016 في مجلد ضخم باللغة التي وردت فيها، أي الألمانية. وهي تشرف الآن على فريق من المختصين يترجم هذ الكمّ الهائل من المراسلات إلى الإنكليزية بغية نشره خلال خمسة أعوام من الآن كي يستفيد منه الباحثون والموسيقيون من غير الناطقين بالألمانية.
لقد رُزق آرتور وتيريزه شنابل بإبنين، كارل أولرِخ (1909-2001) الذي نجح كعازف بيانو في أوروبا أولا ثم انطلاقا من نيويورك، رغم لمعان نجم والده الشديد، وشتيفان (1912-1999) الذي شقّ طريقه كممثل مسرحي وتلفزيوني وسينمائي في هوليوود.
واختص كارل أولرخ بالعزف الثنائي على البيانو، سواء بأربعة أيدٍ على آلة واحدة أو بعازفين على آلتين. ويتطلب هذا النوع من العزف سمعا مرهفا وتناسقا متناهيا كي يبدو للمستمع وكأن ثمة عازف واحد بعشرين إصبعا! فكانت بداية مسيرته الموسيقية مع والده، حيث سجّلا العديد من القطع لثنائي البيانو وكانا يتبادلان موقعيهما وقد أقسما ألاّ يبوحا بالسرّ لأحد! وما زال المستمعون اليوم يجهلون من منهما عزف الصوت الأول (أي الأعلى) في القطعة الفلانية على نحو فذّ، ومن عزف الصوت الثاني في القطعة العلاّنية على نحو أخّاذ!
وحين التقى بزوجته، هيلين فوغل (1911-1974)، أسس كارل أولرخ معها ثنائي شنابل للبيانو، وتجوّلا معا في شتى مدن الولايات المتحدة وفي معظم مقاطعات كندا كذلك إبّان الحرب العالمية الثانية ثم في جلّ أوروبا بعد أن وضعت الحرب أوزارها، وتمتّعا بنجاحات باهرة أينما حلاّ سواء عزفا وحدهما أو بالاشتراك مع الأوركسترا.
وتوصّل كارل أولرخ إلى أسلوب خاص في تعليم العزف على البيانو يوصي بتحريك الذراعين بأكملهما، من الكتفين وحتى أطراف الأصابع. واشتهر بكتاب حدد فيه معالم هذا الأسلوب لأحد تلاميذه، ثم خطّ هو كتابا بنفسه في 1950 يقع في تسع وثلاثين صفحة بخصوص استعمال الدّوّاسات وحسب! وظل يدرّس في نيويورك طوال السنة الدراسية وعلى ضفاف بحيرة كومو في شمال إيطاليا، حيث بيت سلالة شنابل، كل صيف ما يقرب من خمسين سنة!
ولم تظهر آن شنابل في طفولتها وشبابها اهتماما بالموسيقى بل بالتصميم الداخلي، لكن والدها اقترح عليها أن تختص في شؤون نشر الكتب، فلبّت رغبته على مضض، لكن ابنها، كلود، من زوجها المهندس فرانسوا موتييه السويسريّ الأصل، أظهر منذ نعومة اظفاره شغفا بالموسيقى وموهبة فيها جامحتين فاختص هو الآخر في البيانو في كلّيّة هارت للموسيقى في جامعة كونتِكت وتخرّج فيها ببكالوريوس في أداء البيانو في 1994. وقد استمعت لتسجيل لحفلة تخرجه بدا فيها أنه قد سحر الحضور بعزفه المعبّر. وقد يبدو للقارئ عند هذه النقطة أن القدر شاء أن تقفز موهبة الموسيقى عن جيل والدته، آن، كي تزدهر بين يدي كلود. لكن سرعان ما ظهر لدى كلود التهاب الأوتار في ذراعيه، ما جعله يغيّر مجرى حياته صوب الدكتوراه في اللسانيات في جامعة أريزونا. ثم ظهر لديه سرطان في الدماغ، لكنه بدا وكأنه يتعايش معه بشيء من العلاج والعديد من المعجزات، وهو ما لم يكن من حظ جدّته لأمه. ثم كانت ضربة القدر القاضية حادث مرور مروّعا أودى بحياته رغم أنه كان أحد الركّاب وحسب (1972-2002).
ولكي لا تكون تلك نهاية الحكاية، سهر والدا كلود، آن وفرانسوا، على إنشاء «مؤسسة شنابل الموسيقية» لتخليد ذكرى جميع أعضاء سلالة شنابل الموسيقيين ومنجزاتهم. والحقّ أن المرء ليعجب من غزارة العطاء الموسيقي على مدى القرن العشرين برمّته وبخاصة عند معاينة أي منهاج لحفلة بيانو لا على التعيين، ومن أي قاعة في العالم. إذ ليس ثمة منهاج إلا وتبدو عليه بصمات أصابع آرتور شنابل بوضوح. فحتى عازفو البيانو متوسّطو المستوى يتمثّلون بصيغة المناهج التي كان رائدها آرتور شنابل (عن علم أو غير علم!): من الافتتاح بشيء من باخ ثم الانتقال إلى سوناتة لموتسارت أو لبيتهوفن ثم استراحة فشيء من شوبرت، مثلا، والختام بشيء من شوبان. ثم إذا ما تتبّع المرء سلسلة أساتذة البيانو لعازف ما، فسرعان ما يظهر أن أستاذ فلان كان قد درس لدى شنابل الأب، أو الابن، أو أحد المئات من تلاميذ الأول أو الثاني. وهو ما يجعل المرء يشعر بصغر العالم رغم ضخامته، وبتلاصق عناصر عالم الموسيقى وتشابهها، رغم ما تبدو عليه من تفكك واختلاف، وبحضور الأساتذة والمؤلفين القدامى مهما بدا عليهم القِدم.
بشّار عبد الواحد لؤلؤة