في أثناء مشاركته في ندوة مناقشة أزمة سعر الصرف على هامش المؤتمر الوطني للشباب الذي انعقد في شرم الشيخ، أكد الرئيس عبد الفتاح السيسي للشباب في 26 أكتوبر 2016 أنه واحد منهم ولدعم تلك الفكرة قال: «والله العظيم انا قعدت 10 سنين ثلاجتي كان فيها ميه بس»،وكما هي العادة تقلص الجدل في مساحة ضيقة من المعنى المقصود من تلك العبارة.
وإلى جانب الاهتمام الساخر الذي حصلت عليه، كما هو متوقع، حاول البعض حصرها في نقطة بعيدة، عبر التأكيد على أن الرئيس هدف منها تأكيد أن المعاناة ليست حكرا على أحد، وأن حديثه يلامس حال المعاناة التي تعيش فيها الكثير من الأسر المصرية في اللحظة، إلا أن تلك المقاربة تغفل ما جاء في الحديث وتقتطع الجزء الذي يحمل المعنى.
وحتى ندرك رسالة السيسي علينا أن ننظر للحديث وسياقه. ففي كلمته التي بدأت بالقسم المشار إليه، قال السيسي: «ما حدش سمع صوتي، 10 سنين ثلاجتي فيها ميه بس وما حدش سمع صوتي، ما حدش سمع صوتي وأنا من أسرة غنية جدا.. أنا آسف إن أنا أقول كده عن نفسي لكن عزة النفس وعفة النفس ده أمر ما بيجيش بالساهل، إن أنت تعتمد على نفسك بس أمر مش سهل». وهنا ندرك أن الهدف يتجاوز تأكيد المعاناة، خاصة مع تأكيده على ثراء أسرته وما نقل عن ثروته خلال فترة الانتخابات وما بعدها عندما تم الحديث عن تبرعه من مرتبه للدولة على أساس عدم الحاجة.
وبعيدا عن تكذيب القصة من عدمها، تظل النقطة الأكثر أهمية هي التعامل مع المعاناة، التي تمثل الدرس الذي يقدمه السيسي للشعب، الذي يؤكد دوما على حاجته للتعلم واحتياجه للأخلاق والقيم ولجنة الأخلاق التي ساعدت – من وجهة نظره – على تنمية وتقدم الدول الغربية. المراد إن المعاناة يمكن أن يتشابه فيها الناس لكن الفارق في درجة الصمت وأن «ما حدش يسمع صوت» لصاحب المعاناة امتثالا له بوصفه القدوة والحاكم الذي يعرف مرض مصر وعلاجها. وإن كان السيسي قد أكد من قبل على أن الحرية هي حرية الرأي دون حرية التعبير، فإن المعاناة يشترك فيها الجميع والفارق في الصمت من عدمه وفقا لدرجة عزة النفس وعفة النفس. ما يتجاوز عنه السيسي أن قرار التعبير عن معاناته من عدمه يظل أمرا شخصيا لا يصلح لوصف العلاقة بين الشعب والنظام، حيث لا توجد قاعدة تؤكد على أن قيمة الشعوب تتوقف على صمتها وعدم تعبيرها عن رأيها في السياسات والمواقف التي يقوم بها النظام، التي تؤدي لزيادة معاناة تلك الجماهير نفسها. ولا يخلو العالم من كتابات وحملات ومظاهرات وصور مختلفة من التعبير عن معاناة الشعوب في بقاع الأرض المختلفة، باختلاف الوسائل المتاحة للتعبير والتعامل معها. وفي النهاية لا يتهم أحد الشعوب بعدم التمتع بالقدر الكافي من «عزة النفس وعفة النفس» عندما تعبر عن معاناتها لأنها هي التي تدفع ثمن الصمت. ولتأكيد أن المطلوب هو حالة الصمت، حرص السيسي على التذكير بدور «المنقذ» وحالة التفويض بقوله: «كان ممكن أخلص الفترة المتبقية واسيبكم للمجهول، لكن أنا اخترت الطريق الصعب». ولا أعرف تحديدا من صاحب فكرة أن حكم مصر تحديدا يحتاج إلى كل هذا التواضع من الحكام لدرجة تضخم الحاكم وتصوره أنه أعلى من الدولة وسلطته أعلى من الشعب ووجوده أهم من الوطن؟
الخطير في تلك العبارات أنها تتقاطع مع تعبيرات أخرى تكشف الكثير عن السيسي والنظام ومخاطر المشهد الذي تتكشف ملامحه عبر الوقت في التفاصيل الصغيرة، بعد أن ظهرت خلال الانتخابات وما بعدها في عبارات كبرى كانت تحتاج لقراءة ما بين السطور، أما الآن فالحقيقة واضحة لمن يريد أن يجدها. ففي صفحته على الفيسبوك أكد «أن الأب الحقيقي يحب كل أبنائه»، معيدا تشبيه العلاقة في الدولة بالأسرة، والحاكم بالأب في تشبيهات تتجاوز دور الدولة واختلافها عن حالة الأسرة. فعليا، لا أبحث عن أسرة أو أب لكن أبحث عن دولة، وعن مسؤول لا يهم أن أحبه ولكن المهم أن يقوم بدوره وأن يحاسب في قيامه بهذا الدور وفقا لمهام الدور ومسؤولياته. حالة الأسرة ربما تتوقف فيها عن الشكوى لخارجك، ولكن في حالة الوطن لابد أن يعبر فيها المواطن عن رأيه، وأن يكشف عن هذا الرأي بالوسائل السلمية المتاحة حتى يتيح للمسؤول الفرصة للنظر في سياساته وتقييمها وإعادة النظر فيها قبل أن يترتب المزيد من المخاطر والخسائر، وقبل أن تحين الفرصة لانتخابات تسمح بدورها في النظم الديمقراطية بتغيير المسؤول أو الحزب الحاكم، حسب النظام المعمول به، بما يمكن من ضخ دماء جديدة وإيصال رسالة رفض للسياسات التي كانت قائمة.
تتشابك حالة المطالبة بالصمت باسم عزة النفس وعفة النفس، مع تصور السيسي للدولة وفقا للحالة الأبوية، حيث الأسرة والأب وافتراض العدالة في الحب وتوزيع الموارد، وهو وضع لا يحدث في واقع الدولة، بدليل أن أبناء المسؤولين لا يحصلون على القدر نفسه من المعاناة، وأبناء الشعب لا يحصلون على القدر نفسه من الفرص. كما أن السيسي لم يحدد الفترة التي حدثت فيها تلك المعاناة وسبل التعامل معها. وإن كان البعض استخدم الحديث للتأكيد على أن الفقر ليس عيبا وأن المعاناة لا تقتصر على أحد، بل وصل البعض للحديث عن أن المعاناة تصل للجيش، وكأن هذا كافيا لنفي الكثير من أخبار ووقائع التجاوزات أو استغلال النفوذ وسوء تخصيص الموارد وغياب العدالة الاجتماعية. كما أن من يتحدث عن أن تلك المعاناة كفيلة لتأكيد ثقة المواطنين في الحاكم وتأكيد أنه مجرد واحد من الناس يغيب عنها الاخلال بأسس المقارنة، فإن كان السيسي قد عانى بشكل ما، فإن معاناته انتهت، أما الكثيرون في الوطن فلا يملكون رفاهية الخروج من دوائر المعاناة والدخول في قصص الرخاء المقبل التي تتناقل مثل الميراث من رئيس لرئيس.
في الوقت نفسه فإن توفر الثلاجة يمكن أن يثير حقد من لا يملكها، ومن يرى في تشغيلها ودفع الكهرباء للحصول على المياه «الساقعة» فقط رفاهية ورخاء لا يتمتع به من لا يحصل على مياه نظيفة أو تصل له خدمة الكهرباء أصلا. كما ان تلك المعاناة المفترضة لم تؤثر في الخدمات الأخرى فلم نسمع عن تأثر ترقيه الوظيفي أو حصول الأبناء على التعليم وفرص العمل التي لا تتوفر أيضا لعدد غير قليل في المحروسة. ربما كان يجدر بالرئيس تقصير مدة المعاناة لعلها تكون أكثر اقناعا، ولكن مهما كانت المعاناة المفترضة فإنها لا تتساوى مع حالة معاناة الكثير من المصريين في الحياة الحقيقية من نظام لنظام، أما انخفاض سعر الجنيه الحالي وارتفاع الأسعار والفجوة بين الدخل والأسعار فهو وضع لا يتشابه مع الفترات السابقة، لدرجة تحول الكثير من السلع إلى رفاهية والخدمات الجيدة إلى أحلام.
يضاف لهذا نقطة أخرى مهمة وهي تعليق السيسي عن ضبط النفس، بقوله: «خلال العامين الماضيين حجم ضبط النفس من الدولة تجاه الشعب كان كبيرا، لتجنب حالة الاحتقان السائد». وهو تعبير لابد أن يتبعه سؤال عن المقصود بضبط نفس الدولة تجاه الشعب؟ وما الذي يمكن أن يحدث إن لم تضبط الدولة النفس في تعاملها مع الناس؟ هل ستقوم بسحب الجنسية وطردهم خارج الحدود؟ أم تزج بمن ترغب في السجون؟ أم تمنع عنهم الخدمات وتقطع عنهم المصروف؟ حديث السيسي يتماشى مع فكرة أنه الأب صاحب السلطة المطلقة، وأن الجميع أبناء متساوون في تلقي الأوامر والامتثال لها والقبول بما يحصلون عليه خوفا من الحرمان من الميراث على ما يبدو. ولا تعرف ما هو تعريف الدولة الذي يعرفه ومن قام بتعريفها له وحدد دور الدولة ومكانة الشعب مقابل دور النظام والسلطة ومن يمثلها. وما لا يدركه السيسي أو يتجاوز عنه عمدا أن الشعب هو الذي يملك تغيير النظام وتغيير الحكام، وهو الذي يملك أن يضبط النفس، وأن صمته ليس دليلا على امتثاله للأوامر بدليل 25 يناير وما بعدها.
في النهاية يمكن القول إن حديث السيسي كما هي أحاديثه عموما تحمل الكثير من المخاطر ولابد من وضعها في سياقها وعدم التقليل من قيمتها المباشرة والرسائل التي تحملها بشكل مباشر وغير مباشر من خطاب لآخر، وإن السخرية رغم ما تمثله من سلاح شديد الأهمية تظل خطيرة لأنها أحيانا تغيب الهدف الأساسي وتهمش المعركة التي لازالت معركة حرية وكرامة ووطن أكبر ممن يحكمه.
كاتبة مصرية
عبير ياسين