ثورة يناير في محاكمة القرن

حجم الخط
1

■ يتقاطع حديث مولانا جلال الدين الرومي عن الحقيقة مع الواقع في مصر لدرجة كبيرة، فإن كانت الحقيقة كالمرآة التي تهشمت وأخذ كل واحد قطعة من الهشيم وتعامل معها على أنها الحقيقة ولا سواها، فإن ما حدث في مصر هو تناثر قطع المرآة وتمسك كل فرد/ مجموعة بأن ما في يده/هم هو الحقيقة، والنظر لكل ما يحدث من خلال تلك «الحقيقة» التي يملكونها دون غيرها. وضع لا يختلف عن التعامل مع الفصل الحالي من فصول محاكمة القرن، خاصة دفاع المحامي فريد الديب عن الرئيس المصري الأسبق محمد حسني مبارك، وما تناوله من تاريخ ومفاهيم. وبشكل عام يمثل ما جاء في المحاكمة وخارجها، تكثيف للواقع المصري الحالي.
وربما كان علينا أن نرى الصورة مركزة لندرك واقع يناير/كانون الثاني والخطاب الرسمي وغير الرسمي الذي يستخدمها بشكل مزدوج، فهي جزء من الشرعية في لحظة، ومؤامرة في لحظة أخرى. ورغم حالة الصدمة التي يتم التعبير عنها من البعض، إلا أن الحديث ضد يناير لا يختلف عن حديث دائر في مصر بدرجات مختلفة. وما قاله الديب داخل المحكمة وخارجها وهو يسخر ويحاسب تراخي النظام في التعامل مع يناير ورموزها هو ينعكاس للواقع.
ولا يصلح التعامل مع حديث الديب كأجزاء، فلا يمكن الاحتفاء بجزء وترك جزء، لأن ما يقدمه بتناقضاته يمثل كلا متكاملا. من يؤيد حديثه عن ثورة يناير من سلبيات، عليه تذكر أنه تحدث عن سلبيات عبد الناصر ومرحلته. فالفكرة التي قام عليها حديثه في ما يخص الثورات، هي التنديد بيوليو/تموز ورفض يناير، والقبول بيونيو/حزيران بوصفها ثورة على المؤامرة. وهنا يقع الديب في إشكالية اللحظة، فحماية مبارك تقتضي أن تكون يناير مؤامرة ويونيو ثورة، حتى وهو يقوم بتعريف ملتبس للثورة يراه لا ينطبق على يناير، ويؤكد أنه صنع من أجل يونيو، رغم أنه لا ينطبق عليها. في حين أن التنديد بيوليو وعبد الناصر يعني التنديد بجزء أساسي من اللحظة، سواء في فكرة أن الواقع امتداد ليوليو، وأن السيسي امتداد لعبد الناصر، أو أن يناير جزء من مسار ثوري ممتد منذ يوليو.
وبالتالي فان تبني خطاب الديب والدفاع عنه هو تبن لخطاب قائم على أساس متشابك، لأن البنية التي قام على أساسها الربط بين العلاقات غير متسقه كليا مع اللحظة ومن يؤيدها. ولكن على الرغم من هذا يخرج من يؤكد أن ما قاله الديب عن يوليو غير حقيقي، ومجرد توظيف لمصلحة المحاكمة، في حين أن ما قاله عن يناير هو الحقيقة المطلقة، وهو ما يجعل حديثهم أكثر تناقضا من حديث الديب لأن تبرير التناقض يؤدي لتناقض أكبر.
ويعد استهداف يناير أمرا متوقعا في إطار الدور الذي يقوم به المحامي، وأن مبارك أصبح متهما بسبب الثورة. كما أن الحديث عن سلبيات الثورة من شأنه وضع مبارك في سياق أكبر هو تهديد الوطن والأمن والسيادة والاستقلال. وبمجرد إرساء تلك الصورة يصبح سقوط مبارك جزءا من التهديدات الكبرى التي أنتجتها يناير. ورغم هذا، فما تتعرض له ثورة يناير من تنديد هو دليل أهمية لقدرتها على تغيير أوضاع كانت مستقرة، رأى فيها البعض مصالح يجب أن لا تمس. وبهذا، وعلى طريقة إلقاء الحجر في البحيرة، جاء حديث الديب ليعيد للحديث عنها بعض الروح. وفي ظل ما يحدث في مصر وتنوع القضايا ومساحات الجدل الجادة والهامشية، يصبح لهذا الحجر أهميته. فنقد يناير هو جزء من الإحياء، وعلى مؤيديها استخدام تلك الروح للرد بشكل عملي يتجاوز رفض الحديث السلبي والتنديد به بعبارات غاضبة.
أما الخطورة الحقيقية فتتمثل في مطالبة بعض الأصوات بتغيير قانون العقوبات وتجريم كل من ينتقد ثورتي يناير ويونيو. ورغم أن البعض يمكن أن يرى في هذا حماية لثورة يناير، لكن الممارسة ستؤدي إلي توسيع نطاق التقييد على من يرغب في انتقاد الوضع القائم. وان كان النظام الحالي يرى يناير كجزء من مسار ثوري بدأ في يوليو، فإن يونيو هي الحاضر والمستقبل، الذي سيعمل على حمايته وتقييد الانتقادات التي توجه ضدها. خطورة أن يركز الجدل على يناير – كما يحدث الآن – أن تستخدم لتقييد المزيد من الحريات، وبدلا من تقييد حرية التظاهر وحرية النشر نصبح أمام تقييد الكلمة تطبيقا لرؤية السيسي، أن الحرية هي حرية أن تقتنع لا أن تعبر عن رأيك. إلى جانب خطورة أن يتم التركيز على ما قاله الديب عن يناير والتغاضي عن الأشياء الأخرى التي طرحها كحقائق لا تقبل النقاش، خاصة ما قيل عن ثروة مبارك والأسرة والتوريث واستغلال النفوذ التي اعتبرها أحاديث عامة وتصفية حسابات من بعض الاشخاص، وكأن كل ما أحيط بجمال لم يكن إلا تطبيقا ديمقراطيا لميزة ان تكون ابن الرئيس.
أما حديث الديب عن انجازات مبارك والاتهامات التي حاول البعض إلصاقها به، فتعد نقطة مهمة في الجدل السياسي المفترض أن يدور في مصر. فالحديث عن الانجازات لا يعني عدم وجود سلبيات، سواء أكان يمكن قياسها قانونا أو كانت تحتاج لقراءة أخرى للأوضاع التي عاشتها مصر. فكيف يمكن التجاوز عن واقع الفساد والافساد الذي عاشته لعقود، وكيف يمكن التجاوز عن الكوارث التي لم يحاسب عليها أحد في الكثير من الأحيان. كيف يمكن التجاوز عن قوارب الموت والعبارات والقطارات؟ وكيف يمكن فعليا حساب ثروة مبارك والأسرة من المنصب والمكانة؟ ما قاله الديب قد يمكن قبوله كصياغة قانونية، ولكن على أرض الواقع ولمن عاش في المحروسة وسط عبارة السلام وقطار الصعيد المحترق والمقطم المنهار على ساكنيه، عليه أن يسأل نفسه ان كان حديث الإنجازات الرقمية كافيا للتجاوز عن قسوة الواقع.
في النهاية قد يخرج مبارك لأن الأوراق تقول انه بريء، ولأن المحامي يرى أن ثورة يناير مجرد مؤامرة وأن ديباجة الدستور بلا معنى، ولكن هذا لن يغير صورة مبارك وحكمه لمن يتذكر سلبياته ويتذكر الضحايا، من مات منهم ومن عاش كالأموات. ولكن، الجدل الدائر في تلك الجزئية يؤكد على ضرورة إيجاد آليات للمحاسبة في المستقبل. فحكم البراءة في مصر ما بعد الثورة ارتبط بأوراق تقدم أو لا تقدم للمحكمة وقوانين قائمة وهو أمر يحتاج إلى الكثير من الخطوات في ما يخص قواعد المكاشفة والمحاسبة للموظف العام، وسد الثغرات القائمة في القوانين، التي تسمح بتأسيس شبكة مصالح مالية وسياسية تحافظ على نزاهة الأوراق، ولكن لا تحافظ على نزاهة الواقع، بالإضافة لإصلاح ما يتعلق بقواعد النيابة والتقاضي وغيرها من الأمور المهمة لضمان العدالة.
مع تهيئة المناخ لبراءة مبارك أو تخفيف الاتهامات الموجهه له، يتاح مجال أكبر للبعض للتركيز على «مؤامرة» يناير وما أدت اليه من تولي الإخوان للسلطة. ويصبح ميراث عبد الناصر هو لا صوت يعلو فوق صوت المعركة، وميراث مبارك هو الزيادة السكانية التي يتم تغييرها في الخطاب الحالي الى ما يشبه كسل الجماهير، وتستمر ثورة يوليو في مسارها وهي تؤكد ان الإنجاز هو عدد أكبر من المستشفيات والمدارس والطرق… أما الانسان والحق والعدل فقضايا مؤجلة. قد لا يغير قرار المحكمة في اللحظة الحالية الكثير من التفاصيل الملتبسة في المشهد المصري، ولكن البراءة لا تعني أن كل ظالم في السجن وكل بريء خارجه، ففي قاعة المحكمة فارق بين البراءة الحقيقية والبراءة القانونية. قد يكون المتهم بريء في نظر القانون أو لا يكون، قد يكون بريئا في نظر البعض ومتهما في نظر البعض الآخر، ولكن الأمر قد يختلف في ساحة التاريخ عندما يكتب في لحظة أخرى بأجزاء مختلفة من مرآة الحقيقة المهشمة.

٭ كاتبة مصرية

عبير ياسين

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية