من الأكيد أن التأويليات تُعَد اقتراحًا مُهما في مجال فهم النصوص المكتوبة، لا الشفهية، لأنها تتعامل مع المُدون الذي يتضمن التاريخ في صلبه. لكن إلى أي حد يُمْكِن أن تكُون المخرج الأساس لحل المُعضلات التي تطرحها النصوص على مستوى تدبير المعنى؟ ألَا تُعَد مُجرد اختيار بين اختيارات أخرى في هذا الصدد؟ وما حدود صلابة ما تقترحه من دعاوى؟
سنعمل في هذا المقال على صياغة أسئلة حول أربعة عناصر أسس في التأويليات، وهي: المنهج، والفهم، والتجربة الداخلية الخاصــــة والتاريخ.
وإذ نفعل هذا فمن مُنطلق عدم الفصل بين هذه العناصر، لأنها تتكامل في صياغة كل مشروع تأويلي، وتكاد تُشكل منذ عهد دلتاي حجر الزاويـــــة، الذي لابد منه في التأويل. كما ننبه إلى وجود عناصر أخرى لن نتطرق إليها لضيق المجال.
يُشكل رفض المنهج الدعوي الأساسي في التفكير التأويلي بما يعينه من رفض لكل المُسبقات النظرية التي تقيد التأويل. لكن لا بد من فحص هذا الطرح في ضوء ركيزتيْن:ا- كل معرفة هي إما استقرائية أو استنباطية. ولا يوجد سوى منهجين هما الاستقرائي والاستنباطي، وما درج التفكير على تسميته بالمنهج فهو مُقاربة (التاريخية – البنيوية- النفسية- السوسيولوجية- السيميائية…الخ).ب- كل دراسة هي مُنظمة، وتستند إلى أسس معرفية مُوجهة؛ وبهذا المعنى لا تنفلت الدراسات التأويلية من أن تكون منهجية. وما يُمْكِن أن يكُون موضوع خلاف بينها والعلوم الطبيعية، ماثل في الطرائق التي تعتمدها هذه الأخيرة في تنظيم المعرفة وإنتاجها، لا المنهج. وحتى يُفهم رفض المنهج الذي يعتمده العلم الصلب ينبغي التنبه إلى أن التأويليات قائمة على ما هو روحي- مسيحي؛ فالحقل الذي نمت فيه يهتم بدراسة الكتاب المُقدس الذي يتضمن التفسير النهائي للعالم، كل شيء أودعه الله في داخل الإنسان، ومن ثمة فالمعنى موجود في هذا الداخل.
وإذا ما رأينا إلى الفهم بوصفه الهدف الأساس للتأويليات فإننا نواجه مُشْكِلة تتعلق بكون الذات المعنية بفهم الظاهرة هي نفسها في حاجة إلى الفهم؛ إذ يُعَد داخلها مُلتبسًا، الشيء الذي يتطلب فكرا مُنعكِسا على نفسه؛ فالذات تُقارب موضوعَ فهمها بنقصٍ في فهم نفسها. ويصير هذا النقص جزءا من الفهم؛ ما يضر به. قد يُبرر هذا بكون التأويليات لا تسعى إلى الموضوعية الواردة في العلوم الطبيعية، بل إلى التجربة الخاصة الداخلية، لكن ينبغي عد الموضوعية متأتية من جهة التداول حول العلم، لا من موضوعه. وربما كان من المُفيد الحديث- في هذا الصدد -عن المصداقية التي تنشأ من تماسك الفهم، وتبرير نفسه وطرائقه؛ إذ لا فصل بين ما نفهمه والطرائق التي نستخدمها في الفهم؛ وهذه الطرائق تتوسط التجربة الداخلية وموضوع الفهم. كما لا يُمْكِن- في هذا النطاق- فصل التعبيرات التي تسود في حقبة ما بوصفها وسائلَ مُعتمَدة في الفهم عن المعرفي الذي يكمن خلفها، وعن اللغة وما تحفل به من توسطات. وما أن نعي هذا تسقط حجة فصل الذات عن الموضوع التي اُعْتُمِدت في نقد مناهج العلوم الطبيعية؛ فالذات حين تتكلم عن شيء ما بوصفه موضوعًا لها تجعل من ذاتها أيضا موضوعا، وتفعل هذا في إطار توجهها إلى الآخر، لا بوصفه شريكا في الكلام فحسب، بل أيضا بعده موضوعا لها تُريد تحويله بتغيير فهمه أو إقناعه أو حثه على عمل ما.
يقود كل ما قيل أعلاه إلى تحويل التسميات، فبدلا من الحديث عن التعارض بين العلوم الروحية (علوم الإنسان) والعلوم الطبيعية، يستحب الحديث عن التمايز بين علوم الثبات وعلوم التغير؛ ففي الأولى نكُون أمام ماهية الموضوعات، وعلينا أن نكف- هنا- عن عد هذه الأخيرة خارجية، فهناك داخل غير مرئي تُجهد علوم الثبات (العلوم الصلبة) نفسها لكي تنفذ إليه، وهو داخل مُنفصل عن التجربة الخاصة بكل تأكيد، لكن الذات المعرفية تُعاني من عجزها الناجم – في هذا الصدد- عن ارتباط تصور الشيء وفهم تشكله بدرجة الدقة التي تتوافر للأدوات المُستخدمة. ونكُون في العلوم الثانية أمام العلاقات بين الموضوعات والزمان والظهور والاختفاء والاستعمال؛ أي ما كان على هذا النحو ولم يَعُد كذلك، وما كان ولم يَعُد كائنًا، وما يقتضيه هذا من اعتماد الوصف والمقارنة والتصنيف والاستنتاج. صحيح أن التأويليات تجعل من التاريخ وسيلة ورهانًا لها في فهم موضوعها، لكن هذا الاعتماد يواجه عقبتيْن: ا- فأنا الذي أُريد أن أفهم لم أعش التاريخ بوصفه تجربة خاصة وذاتية؛ لأن الذين عاشوه ماتوا، وفي حياتهم كانوا وسط الحدث، لا خارجه، فَهُمْ جزءٌ منه، ولكي يحدث فهمه لا بد من مسافة تجاهه، وما تبقى من التاريخ هو التعبيرات عنه، وهي مختلفة ومتغايرة. ب- توسط التاريخ بوصفه كتابةً وموطنَ التعبيرات علاقةَ الذات المُؤولة بالوقائع، ولا تخرج النصوص نفسها عن كونها وقائع. وفي هذه الحالة نكُون أمام توسطات مُختلفة لا يُكْتَفى فيها بفهمها، بل لا بد من طرح سؤال ما الذي جعلها تختلف، فنجد أنفسنا مُباشرة أمام التفسير.
وحين يُفكر في الفهم بكونه مُتصلًا بعقل يسعى إلى فهم عقل آخر، أو حياة تحاول فهم حياة أخرى (دلتاي). لا بد من مُشترك في هذا العقل، وفي هذه الحياة، حتى يحدث الفهم. وفي قلب هذا توضع وسائل الفهم واللغة.
وحين يُتوسل بالخـــــبرة الذاتية لضمان الفــهم، فإن ما يشكل عقبة- هنا- هو النظر إليها بوصفها كلا مُستمرا في الزمان يضمن الفهم؛ فالأكيد أن أي خبرة خاصـــــة تظل- مهما اتصفت بالغنى- ناقصة، ويتـــــأتى نقصها من كونها تفتقر إلى مُعايشة سياقات الماضي، وما تمتلكــــه هو بنــاؤها، وتستنجد في بنائها بالتداول الذي يحل محلها (السياقات).
كما أن كل تجربة خاصة لا تكتمل، ولا تُقفل، وهي موضوعة في حالة تماس مع الجديد الذي يسفر عنه العالم، وقد يضع هذا الجديد الخبرة الماضية موضع مُساءلة. لكن الخبرة المُرتبطة بالحياة تظل ذات صبغة صوفية خاصة تجعل من الفهم مبررا في إطار التاريخ بوصفه نصوصا، بينما المطلوب أن يكون هذا التبرير تاما في نطاق الوسائل المُستخدمة، وبالطرائق التي يبني الفهم بها نفسه. ويصير- في هذه الحالة- ما هو تجربة مسكونًا بما تهرب منه التأويليات؛ أي البعد المنهجي (بوصفه تنظيمًا).
٭ أكاديمي وأديب مغربي
عبد الرحيم جيران