حديث عن السياسة… وقصة الملاّ عمر

حجم الخط
2

جاء في موسوعة أندريه لالاند الفلسفية في مفهوم السياسة :»هي أسلوب أو نمط حكم الدولة وكيفية توجيه مواطنيها إعتمادا على السلطة والقانون» وجاء في معجم روبير تعريف آخر «فن إدارة المجتمعات الإنسانية»، وبلا شك هي مهارة في التعامل على مستويات عليا على أسس وقواعد تلتزم بها الشخصيات الفاعلة في الأنظمة السياسية على الصعيدين الداخلي والدولي لأجل بناء دولة قوية وإكتساب مزيد من القوة لفرض وجهة النظر التي تتبناها الجماعة أو الشخصيات المؤثرة.
التعريفات نظرية وتكتسي صبغة منطقية وفضفاضة في آن واحد، و ما تمارسه الأنظمة في عالم اليوم سواء الديمقراطية منها أو الشمولية أو «مابينهما»، ليس إلاّ دليلا على أن المفهوم الفعلي والمعاش للسياسة هو الكذب والنفاق والكيل بمكيالين مع تقديم المصالح الذاتية لصناع القرار حتى وإن أدى الأمر لإشعال فتيل حروب تأتي على الأخضر واليابس تدمر الأرض وتشرد البشر؟ فقط للظفر بمكاسب تكسوها الدماء والأشلاء.
التعريف فيه منطق من حيث الإعتماد على السلطات الثلاث أو الأربع «اذا ما أضفنا لها الإعلام في سطوته المنقطعة النظير في هذه الآونة»، وإعتمادها القانون كآلية لفرض النظام العام والحفاظ على مكتسبات الدولة والمواطن وإدارة شؤون المجتمع عموما، وفضفاض من حيث أن القانون في عالمنا ليس بالضرورة تكريسا لحقوق الإنسان عموما وحق المواطن خصوصا وإرساء عدالة يقف أمامها المسؤول على حساسية منصبه مع المواطن البسيط والدولة العظمى والدولة السائرة في طريق النمو،سواسية كأسنان المشط، بل في أحيان كثيرة هو العكس تماما، بل يتجاوزه إلى تقنين الإعتداء والقتل بتواطؤ مريب من كل الدول تقريبا ومن الراعي للأمن والسلام الدولي «الأمم المتحدة» ولا يزيد الأمر عن الإدانة «بشدة» كما جاء على لسان الأمين الأممي بان كي مون، كيف تكتفي الهيئات الأممية والمنظمات الإنسانية والدول، بإستنكار إعتداءات إسرائيل السافرة في حق الشعب الفلسطيني، آخرها حرق الرضيع علي دوابشة وهو «آمن «في فراشه، ألا تعتبره أمريكا على سبيل المثال»حق الرد» وهي بذلك تساوي بين الضحية والجلاد ؟ألا يعتبر في أوروبا الحديث عن السامية والمحرقة النازية التي أقامها هتلر، خصيصا لهم دون غيرهم أمرا جللا؟ يعاقب عليها المتجرئون بالفصل من مناصب عملهم وتتم ملاحقتهم «قانونيا» لأن النصوص الأوروبية عموما تجرم التشكيك في الرواية؟
أليس القانون الذي يتعامل به البشر فيما بينهم عبارة عن نصوص تكتبها الأيادي النافذة في العالم؟ ألم يجرم القانون المصري فئة من الشعب المصري وحكم بالإعدام على أول رئيس مصري منتخب ديمقراطيا؟ وأعدم وسجن آخرين، وهاجر من هاجر منهم خوفا من أن يطالهم سيف عدالة العسكر؟
الم يقض الرئيس السوري بالقتل على الملايين من الشعب السوري كونهم»حاضنة إجتماعية للإرهاب»؟، الم يقض بالإعدام على الشيخ يوسف القرضاوي والإعلامي فيصل القاسم بإسم القانون الذي سطره مع مجموعته؟.
واقع السياسة في عالمنا المعاصر سيئ للغاية وبعيد كل البعد عن آمالنا المرجوة من ممتهنيها، ويحتاج حقيقة إلى مفهوم جديد دقيق قريب من طموحات المجتمعات بإختلاف مكوناتها،مفهوم يلزم المسؤولين قانونيا بالشفافية وطرح الأفكار وتغليب المصلحة الإنسانية على المصلحة الذاتية لأي دولة، وتغليب مصلحة المجتمع ككل على مصلحة الأفراد النافذين.
أما عن وفاة «الملاّ عمر»، فلا أدري حقيقة اذا كان التشابه بين القصتين سليما، لكن هكذا حضرتني الفكرة عند سماعي نبأ وفاة زعيم طالبان الملاّ عمر، الذي أخبرت به الحكومة الباكستانية، تذكرت قصة الجن مع سيدنا موسى التي وردت في القرآن الكريم، حيث أن الإعتقاد السائد بين الناس آنذاك أن الجن تعلم الغيب، فأبطل الله عز وجل هذا الإعتقاد بأن أبقى سلميان عليه السلام متكئا على عصاه مدة من الزمن ولم تعلمهم سوى «أرضة» أكلت عصاه، فتبين للجن أن سليمان متوفى وهم يخدمونه في عذاب، خوفا من بطشه، وعلمت الناس بعد ذلك أنّ لو كان الجن يعلمون الغيب لما بقوا في العذاب المهين مدة سنة.
كذلك هو الحال بالنسبة لأولئك الذين يعتقدون أن الجماعات الجهادية في عالمنا العربي والإسلامي هي حركات نضالية وصناعة محلية تخطط وترسم استراتيجياتها بنفسها، هم واهمون فهذه المجموعات المسلحة ليست أكثر من صناعة مخابراتية تعمل من حيث تدري أو لاتدري على تنفيذ مخططات دول ذات مصالح حيوية في مناطقنا،كيف إنتهى الحال بزعيم القاعدة اسامة بن لادن مقيما في باكستان ثم حدث ماحدث، وكيف مكث الملا عمر في باكستان مريضا في مستشفى ويتوفى ولا يعلن عن وفاته إلاّ بعد سنتين؟
هل أصبحت المخابرات الباكستانية مستودع أسرار الجماعات الجهادية؟ أم أن الجماعات تلك فرع من فروعها بإختلاف الأسماء والأماكن؟

منى مقراني- الجزائر

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية