بيروت ـ «القدس العربي»: إنه «حرج بيروت» المساحة الخضراء التي تربط العاصمة ببعضها وتتوسطها. مساحة وأشجار معمرة في التاريخ وتعود للقرن السادس عشر. قبل الحرب الأهلية كان الحرج معروفا بأشجار الصنوبر الباسقة الطول. مع الحرب سنة 1975 تحول لخط تماس بين اللبنانيين وخط موت. فيما كان اللبنانيون بكافة أطيافهم يتندرون فيما بينهم بالقول «بدي انشرك ع صنوبر بيروت» حتى دون أن يشاهدوا ذاك الصنوبر، صار الخطف والقتل عنواناً. وعندما حاصر الصهاينة بيروت سنة 1982 أحرقوا القسم الأكبر من الأشجار، استكمالاً لما أحرقوه من بساتين بدءاً من الناقورة ليتحول كيانهم إلى المُصدِّر الأول للحمضيات.
بقي حرج بيروت على حاله حتى حلّ الوفاق بين اللبنانيين سنة 1989 وأعاد الفرنسيون تكوينه من جديد. استمر لسنوات ممنوعاً على اللبنانيين سوى بتصريح خاص من رئيس بلدية بيروت، ومفتوح لمن يشاء من السلك الدبلوماسي الأجنبي، والحجج كانت واهية. خاضت الجمعيات الأهلية حملة ليعود الحرج إلى الناس، وانتشر في المدينة غرافيتي يقول «افتحوا حرج بيروت للناس». وهذا ما حصل قبل أربع سنوات. جذبت تلك المساحة الخضراء العديد من النشاطات الفنية، وبات لحرج بيروت مهرجانه الثقافي المجاني الذي يستقطب المئات من المقيمين وغيرهم. وكان لهذا المهرجان أن يستجيب لتطلعات مختلف الأجيال والأذواق في برمجته. اكتسب المسرح في الهواء الطلق هذا الصيف نكهته المميزة سيما عندما كان العرض مع الكاتبة والممثلة والمخرجة حنان الحاج علي في «جوكينغ» وكذلك «أيوبة» للكاتب والمخرج الفلسطيني الشاب عوض عوض.
«نحن» الجمعية التي آلت على نفسها الدفاع عن المساحات العامة في بيروت، والتي كانت في طليعة الذين رفعوا الصوت لفتح حرج بيروت للناس نظمت بالتوازي مع المهرجان الفني جولة ارشادية عرّفت المشاركين على تاريخ الحرج، وعلى النباتات التي تنمو فيه وفوائدها، وكذلك تصميمه الهندسي ودوره في خدمة الناس. رافقت المشاركين في هذه الجولة الناشطة زهرة وحيد. سبق لوحيد أن كانت مسؤولة عن المساحات الخضراء وذات الطابع الاجتماعي في الحرج، كما ساهمت في زرع بعض نباتاته.
في المعلومات التاريخية أن المساحة الحالية التي يقوم عليها حرج بيروت كانت مستنقعات، وشكلت مكان استراحة للقوافل الآتية إلى ميناء المدينة من العراق، الأردن وغيرها. لكن الحشرات تكاثرت في تلك المستنقعات وخاصة البرغش، فراح يلدغ الإنسان والحيوان معاً، وهذا ما ساهم بانتشار حمى الهواء الأصفر في بيروت، مما ترك التجار يتجنبون القدوم إليها. ولأن السلطنة العثمانية كانت تطلب الجباية حيث تفرض سلطتها، وعزوف التجار عن بيروت جعل الضرائب تتراجع في القرن السادس عشر، طلب الأمير فخر الدين المعني الكبير خبراء من توسكانا في ايطاليا، فجاؤوا إلى بيروت، ونصحوا بضرورة زراعة شجر الصنوبر لأنه يقضي على حمى الهواء الأصفر. وهكذا طُمرت المستنقعات وزرعت أشجار الصنوبر. حينها كانت مساحة حرج بيروت مليون و600 ألف متر مربع. فيما كانت المدينة عبارة عن منازل قريبة من الشاطئ. استيقظت بيروت من نومها بالتدريج، وفي كل مرة كان القضم يزداد من الحرج. والدليل على انتشار الحرج وأشجاره المميزة أن بعضاً منها لا يزال في بدارو قريباً من السنترال، وكذلك في نادي الغولف قريباً من منطقة الأوزاعي. تقول وحيد: في صغرنا كنا نغادر حرج بيروت مباشرة إلى رمول الأوزاعي. فيما مساحة الحرج الآن 250 ألف متر مربع، وتراجعت لحدود الـ200 ألف بسبب الملاعب وغيرها من القضم.
للأسف تقول وحيد صار حرج بيروت خط تماس، وتحول في ذاكرة سكان المدينة إلى ذكرى حرب، خطف، وقتل ودمار. وفي اجتياح الإسرائيليين لبيروت سنة 1982 أحرقوا الحرج بالكامل. في المساحة التي كانت تسمى غابة بيروت كانت تعيش الثعالب، والخنازير البرية والذئاب. لقب القبضاي كان طموحاً لكثيرين أيام الغابة، وكان على طالبه أن يمضي ثلاثة أيام فيها بحيث يدخل من مكان ويخرج من آخر. وهكذا ينجح في واحد من امتحانات شهادة القبضاي المتعددة.
ماذا بقي من حرج بيروت بعد الاعتداءات الصهيونية؟ فقط 300 شجرة تشكل الشاهد على تاريخ المكان، وصارت الآن 210. وبالفعل هذا الشجر مختلف جداً عن ذاك الذي زرعته بلدية ليل الفرنسية بناء على اتفاق مع بلدية بيروت تمّ توقيعه سنة 1990. هو الشجر الباقي منذ زرعه فخر الدين الثاني المعني الكبير. الهدف المعلن من إعادة تشجير حرج بيروت الحفاظ عليه كمساحة خضراء، وتالياً خلق مكان لقاء بين اللبنانيين بهدف التسامح والتواصل. بدأ العمل سنة 1992 وفيما كان الحرج سهلاً تحول ليأخذ شكل هضبات. ومن ينظر إلى الحرج من ارتفاع يرى فيه خريطة لبنان المكونة من السلسلتين الغربية والشرقية وسهل البقاع.
ما هي الأشجار التي دخلت إلى لبنان مع الفريق الهندسي الزراعي الذي أرسلته بلدية ليل الفرنسية؟ لم يعد للحرج حسب زهرة وحيد خصوصيته اللبنانية، بل تكاثرت فيه الأشجار الفرنسية. شجرات الصنوبر قصيرة القامة، غنية الغصون زرعت سنة 1992 وعاشت جميعها، لبنانية. شجرة الأربوزية فرنسية الأصل والمنشأ من شأنها أن تكافح مرض الروماتيزم، وطعم ثمارها يشبه المشمش. شجرة الفيتسبوروم، جميلة وغالية الثمن، عندما تزهر تفوق رائحتها زهر الليمون، تروى من الأعلى ومن فضائلها مساهمتها بترابط التربة ومنع انجرافها. إلى شجرة اللانتانا البرية ذات الأشواك، نعرف أن ثمرها يؤكل حين يسود لونه وله مذاق لذيذ.
بالوصول إلى نبتة «روماران» تحمس الجميع لأنها طبيا تساهم في إبعاد الزهايمر. فهو رعب منتشر في تاريخنا المعاصر. وصفت وحيد حالات استعماله في طهي الدجاج، البيتزا وكافة اللحوم. إلى شجرة الدفلى المنتشرة بألوانها المتعددة في وسط الاوتوسترادات الكبيرة لأنها مسؤولة عن تنقية الهواء من ملوثات العوادم والمحروقات، وتحب الماء كثيراً. هي شجرة لا تقربها الحيوانات لأن اختلاط قطرة من حليب أوراقها بالريق، تسبب أعراض ذبحة قلبية للحيوان والإنسان. إذا الدفلى من أشرف النباتات التي تنقي الهواء، لكنها تحتفظ بالسم في أوراقها.
بالوصول إلى منتصف حرج بيروت نعرف أنها مساحة كانت فارغة تماماً من أي حياة، وهي من الأمكنة الأكثر انخفاضاً فيه. وهي الآن محاطة بأنواع متعددة من النباتات المزهرة والأشجار. أما الممر الفينيقي فيعيدنا حسب الراوية زهرة وحيد إلى الأسطورة التي تقول أن الشاطئ اللبناني زُرع قديماً بشجر الفنيكس كجالب للحظ، ومن تلك الشجرة انبثق تعبير الفينيق. مواصفات تلك الشجرة في الشكل شبيه بالبلح. لهذا زُرعت على السواحل لتضفي الظلال وتمنح أغصانها الهواء. تعطي ثماراً كما البلح، ولا يؤكل.
الزيتون والصنوبر فقط في حرج بيروت مصدره لبناني، حتى البلح الذي كان أهل بيروت يزرعون منه اثنتين أمام كل دار كعادة راسخة حُمل إلى بيروت من فرنسا. إلى ممر التافيتيا المميزة بورقها الأخضر طول أيام السنة وبأزهارها ذات الرائحة التي تفوق الغاردينيا جمالاً فقط خلال الليل. وإلى كل تلك الفضائل فهي شجرة تسحب التلوث. ولكن حذار تذوقها فنقطة منها كفيلة بشل الجهاز التنفسي من خمس لسبع ثواني.
«هيبسكوس» من النباتات الوافدة إلينا. القط والعصفور يتصارعان في شجرة الباركيكنسونيا التي تهتز حتى مع الموسيقى. اهتزازها فقط يجمعها مع مرض الباركنسون. أشواكها التي تخيف القطط تحمي العصفور. شجرة تساعد في امتصاص الحقل المغناطيسي لإمدادات التوتر العالي. وبالمناسبة كانت نصيحة بمكافحة مصادر الطاقة السلبية في المنازل من تلفزيون، أجهزة كمبيوتر وهواتف بزرع النباتات لأنها تساعد في امتصاص الطاقة ومنع أورام الرأس عبر زرع نبتة الكاكتوس. أما نبتة السجاد فمن شأنها سحب التلوث من داخل المنازل كذلك، والفيكوس بنجامينا يمكنه النمو داخل غرف النوم لتنقية الأجواء.
التين الكذاب من الأشجار التي حطت في حرج بيروت آتية من فرنسا. أما شجرة الحناء الجميلة بأزهارها لم تكن فرنسية المنشأ، فهي في الأصل شرقية. ميزة تلك الشجرة أنها تبدل جلدها مع كل ربيع تماماً كما حال الأفعى، ويتميز جذعها بالنعومة. بذورها مستديرة وهي التي تحتوي على الصبغة التي تُغلى مضافا لها بعض الأوراق من أغصان الشجرة نفسها.
انتقال مجدداً إلى الأسطورة وشجرة «العفص الأمريكي» أو شجرة بوذا. فقد نام تحتها بوذا نظرا لنعومة الهواء المنبعث من حفيف أوراقها، وعندها أتاه الوحي. لهذا خُلع عنها العفص الأمريكي وصارت باسمه. وحين تتساقط أوراقها ويمر عليها الزمن تصبح كما الدانتيل.
من فرنسا وأشجارها إلى شجرة الخروب المحلية، وترجمتها الفرنسية «قرات» أي ميزان الذهب. قديماً كان ثمر الخروب يوزن مقابل الذهب. شجرة تحافظ على اخضرارها طوال السنة. ودبس الخروب المستخرج من نباتها يحل بالتدريج مكان السكر. بمفردها ودون جهود دولية نمت الخبيرة في الأرض. نبتة تشفي كافة الالتهابات. الطيون من بلدنا أيضاً نما وحيداً رائحته الذكية تنتشر دون ملامسته، يشفي الفطريات بعد غسل أوراقه ودقها ووضعها في المكان المصاب.
شعار كل زيارة إلى حرج بيروت هو المشاهدة، الشم، الملامسة، التقاط السلفي، وحذار القطف. ليته يصبح التزاماً فالحرج جميل للغاية ويجب أن يبقى كذلك.