بيروت ـ «القدس العربي»: بنت لحروف الأبجدية سيرة ذاتية عمادها الحلم والحب واللون. غازلتها ودللتها. بعثرت حولها رشة نجوم وتركت القمر يحتضنها. سيدة ريشة ولون وقلم، تلتزم منذ عشرين عاماً تعليم فن الرسم لأطفال مخيمي الرشيدية وبرج الشمالي في مدينة صور، ولهم عبرت من خلال حرفي الفاء والقاف أن القدس وفلسطين كل فلسطين لهم. بهجتها كبيرة لأن خمسة من طلابها فنانون حقاً.
خيرات الزين الفنانة التشكيلية المبدعة تهوى حواراً مستديماً مع الأطفال منطلقه اللون والريشة. نقطتا اختراق لعالمهم الثري بالمفاجآت. نسألها عن إدمان تعيشه وهدف تبحث عنه بتعميم الرسم من الأنا إلى الآخر متى أراد؟ ونسأل كيف للون أن يُطلق مكامن قلوب ندية أو بالغة؟ تقول: اللون واسع المساحة، من الأزرق الذي يحتل ثلثي كوكبنا. إلى الأخضر بمساحاته الكبيرة والجميلة. نردد مراراً إن لم تبدل السماء أشكالها وألوانها فلن ينظر إليها أحد. يجذبنا اللون للتأمل. هو حاجة وعلاج. سؤال طرحته في صغري يسأله من أعلمهم أصول الرسم. لماذا لا تتغير ألوانهم رغم تناولهم الأزرق، الأخضر، والأحمر والأصفر من الألوان؟ أخبرهم بأن أكل الماء والبرتقال أفضل من شربهما. الألوان جذّابة. الفجر أزرق كما لباس السيدة مريم المنساب فوق الأبيض، وفيه تُخفي كل الصلاة. الأسود كافيار الألوان، والأحمر خمرها وقوة الحياة والولادة. عندما بدأت نسج حكاية الحروف وجدت 28 منزلة للقمر و28 حرفاً. يبتسم القمر وهو هلال، يصبح بدراً وتتسع ضحكته ويفيض فرحاً. من الأهلّة أنجزت 28 حرفاً. بعضها احتاج هلالاً، وأخرى ثلاثة أهلّة كما الهاء. وجدت نفسي سعيدة كلياً مع الحرف الهلالي، حيث لكل حرف ابتسامته.
فرحت الأحرف بالألوان والأشكال التي أضفتها عليها خيرات الزين فماذا عن مشاعر الأطفال حيال اللون؟ الانجذاب متبادل بين الطفل واللون. هو توصيف خبيرة في عالم الألوان. تقول: نفتح الخزانة صباحاً حيث اللون يختارنا. قد تحكمنا حركة فائضة، فننجذب للون هادئ. وقد يصيبنا خمول قاتل، فننجذب للون حار يحركنا. وقد نحتاج للوضوح فنلجأ للأبيض حيث لا مكان لسر يخفيه.
خيرات الزين في سيرتها الموازية لهواية الفن، وتعليم الرسم للأطفال واليافعين، أبحرت لزمن في نسج سيرة من خيال وحب لحروفنا في زمن تراجع لغتنا لصالح لغات أجنبية، وكان لها كتاب أنيق يليق بأناقة لغة الضاد بعنوان «منام الماء»ـ سيرة ذاتية للحروف. فهل لحلة حروفها الجميلة دور في إغواء وإغراء الجيل الجديد بها؟ لنا عولمة كافة حياتنا، وحدها الأحلام تعصى. منطق يطمئن. تضيف إليه الزين: كل منا يحلم بحروفه وتراثه. قال بيكاسو: «رغبت في الوصول إلى أبعد نقطة في الفن فوجدت الخطوط العربية وقد سبقتني إليها». نمتلك لغة نجهل جمالياتها، نبتعد عنها ولا نحلم إلا بها. يمكننا أن نعيش الحداثة دون أن نهجر تراثنا. المنهاج التعليمي المدروس الذي يقدم الحرف ببساطة فيتعرف إليه الطفل عبر سيرة مشوقة كفيل بالمهمة. حرف يرقص، يرتدي ملابس ويبدلها حسب موقعه في أول الكلمة، منتصفها أو آخرها، حيث يصبح فرداً يختال راقصاً على مسرح، ممثلاً أو عارضاً لزيه. تناول الحرف من خلال المخيلة والجمال يطلع الطفل على أهميته. أسأل الأطفال عن حروف الوردة؟ فبعض الأزهار لها اسماء تشبه أوراقها. أطلب رسم وردة «زعلانة» من الأطفال، فيتبادلون النظرات بحثاً عن السبب؟ عطش، فزع خوفاً من قطفها وموتها؟ طفلة في عمر الخمس سنوات تفتي: «بان الوردة ربما لا تحب لونها»؟ فذاكرة الأرض تشتبك مع ذاكرة السماء فيولد الفن. كافة الأطفال يرسمون في الصغر. بدوري تواصلت مع الرسم لرغبتي في البقاء في عالم الأطفال المدهش. أقصد الأطفال إلى الأقاصي لتعليمهم فأعود منهم بصرر معرفة. من خلالهم أبحث في كيفية تقريب الحرف لهم. في اقامتي الافريقية تشاركت مع سيدات عربيات بتعليم لغتنا مجاناً للأطفال العرب. ومن حينها اخترع قصصاً للحروف أزرعها في أذهان الصغار. حالياً أعد كتاب يقرب لغتنا للأطفال من عمر أربعة إلى عشر سنوات. العمل متواصل والإنجاز مفتوح وصولاً للأفضل.
في عصر الصورة المبهرة ماذا لو أصبحت سيرة الحروف عرضاً مسرحياً فكم تقترب من صغارنا؟ حتى قبل الشروع بالتنفيذ توقعت خيرات الزين نجاح العرض: كل حرف له شخصية وشكل. حرف الجيم قد يصبح امرأة حاملاً. حرف ينفرد بحمل نقطته في داخله. للطاء صلتها بالغذاء، والصاء صهوة الحصان وصورته، والصدى والصوت. الصورة توأم الكلمة كما في لغاتنا القديمة، والرسم مهنة الانسان الأولى وأصل الفنون. أن تكون الحروف نصاً مسرحياً فكرة قد تتحقق.
خيرات الزين تدمن تعليم الرسم للأطفال فكيف تختارهم؟ اقصد الأمكنة التي لا يصلها معلم رسم. أتعاون مع جمعيات أهلية للوصول. المؤتمر الشعبي للشباب في الشمال ومن خلال صلاته بالمدارس تواصل مع التلامذة الراغبين بتطوير هواية الرسم. وهو نشاط متواصل دون انقطاع منذ ثماني سنوات، وقد أنتج حتى الآن ثلاثة معارض ستصدر في كتاب قريباً. والأهم أن المعارض التي تضم أعمالهم تلقى اقبالاً وتباع جميعها. فهم يرسمون بطريقة جميلة للغاية.
ومع أطفال مخيمي الرشيدية وبرج الشمالي للاجئين الفلسطينيين تواصل الفنانة نشاطها منذ عشرين عاماً وعنهم تقول: شعروا كأطفال ويافعين وشباب أنهم من خلال الرسم امسكوا بقضيتهم بطريقة أفضل، واقتربوا أكثر من أرضهم. أردد لهم أن الأرض لا تنس من يسير عليها، والسماء لا تنىسى من يتوجه إليها بالدعاء. طفل يسأل: ومن لا يتمكن من السير على أرضه؟ أخبرته أن الدعاء يصل عبر الغيم ويسقط في فلسطين مع المطر. ويمكن ارساله مع فراشة، فلا حدود تمنعها. جميعنا سيعود إلى الأرض وهي لن ترحم مغتصب. مخيلة الأطفال نسجت روابط مع أرضهم السليبة. رسموا بدل البندقية والمدفع وردة ومنزلاً وعصفوراً يحمل رسالة إلى فلسطين. في نهاية حوار في هذا السياق كان سؤال أحدهم يستنتج: إذاً الوطن ليس علماً ونشيداً؟ بل هو قلم، وفن وشهيد. أجبت. يُكثر الطفل الفلسطيني رسم البيوت ذات الأقدام، لنقلها عندما تُفرض المغادرة. أفكار الأطفال رائعة. وأنا مطمئنة لجيل يمسك قضيته بطريقة جميلة جداً.
أليس للخيال أن يضاعف قلق الطفل الفلسطيني تحديداً؟ بل هو دافع لمزيد من الصمود والمقاومة. وهذا يظهر في رسم طفل بعمر السبع سنوات لرضيع يمتص الحليب من زجاجة عليها خريطة فلسطين. المعرض الأخير لأطفال فلسطين حمل تعريف «ف، وق». رسمت الشجرة والمفتاح من خلال حرف الفاء، فيما بانت القاف غصناً. جلس الأطفال قرب تلك اللوحة يتسامرون ويسألون إن كانت جذور الشجرة ستمتد إلى فلسطين. وحللوا مستنتجين بأن القدس باقية لقرب القاف من الفاء. الرسم يرسخ صمود هؤلاء الأطفال، والحلم يعني أن عودتهم محققة.
في كيفية دخولها إلى مدارس وكالة غوث اللاجئين الفلسطينيين في لبنان قبل عشرين عاماً تقول خيرات الزين: بإذن رسمي من الاونروا. اشتركت كافة المدارس بمسابقة لأفضل رسم. ومن خلالها اخترت الموهوبين وتابعت التمارين معهم. كثر يرسمون جيداً، إنما قلة تحمل لقب فنان. على مدار السنوات الماضية اكتشفنا خمسة فنانين، فتاتان وثلاثة شباب.
تأثر التلامذة الفلسطينيون كما سائر الناس بتطورات سياسية وأمنية شهدها وطنهم المحتل. تقول الزين: حتى ضربة ريشتهم تحمل بصمات حياتهم. هي ضربة قاسية أم حنونة، تحمل ضحكة، عتباً أو حزناً. الإحساس هو الطاغية الوحيد الذي يخضع له الفنان، ويجعله يخلد حدث اللحظة التي يعيشها. لوحة الفنان تؤبد الزمان والمكان. اطفال المخيمات تأثروا بشكل مطلق بما يعيشه سكان غزّة من مآسٍ، ومنهم من رسم الموقد الذي اُشعل بالأحذية لصناعة الخبز. مشهد الزيتون يلتقي حوله جميع الأطفال. يراقبون الصهاينة يقتلعون الزيتون مرة تلو أخرى فإذا بهم يرسمونه ويتمسكون به. حتى أنهم يمتنون حبة الزيتون لأنها تشاركهم مرارتهم.
تؤكد خيرات الزين أن للأطفال عالمهم الموحد حتى مع اختلاف البيئة والظروف. وتضيف: إن غابت الطفولة عن اللون سيتركنا الزهر والأبيض هارباً. في رسومات الأطفال الشمس ساطعة دوماً حتى وإن عبّرت اللوحة عن المطر، حتى أنها تشرق ليلاً. غياب الطفولة عن الورق يصيبه بالهرم.
في حياة خيرات الزين العامة يتسبب الظلم في ألم مستدام. فهو السائد، نسألها عن لونه فتفيض: وقع الظلم على الذئب الذي اتهم بأكل النبي يوسف. للظلم الأسود والأبيض. الأول قوي ويدافع عن نفسه. الثاني واضح وبريء. خلط الأبيض بالأسود يعطي لون الحكمة. للمظلوم لون الحكمة وهو الرمادي، الظالم لا لون له.
خيرات الزين التي راحت إلى والدها يوماً باكية شاكية: أنا كنار أرغب في الغناء. سلمتني الحياة شاحنة وأمرتني بقيادتها. رد والدها بالقول: اصعدي إلى الشاحنة من ترغبين وغنوا معاً بسعادة. تعلن: من خلال الشاحنة طاردت الظلم الذي حاول مداهمتي لدرجة تقديم معرض بعنوان قضاء وقدر وفي مقر نقابة المحامين. رسمت فيه القضاة والمحامين. دفن القاضي ميزان العدل في لوحة، وفي أخرى تقبلت نقابة المحامين التعازي راضية بدل الاعتراض. نال المعرض رضى كافة القضاة. فهو يطال آخرين في رأيهم؟