«خيوط السرد» عن الوطن المشغول بشغف الخيط والإبرة : منصور وخالدي و 12 نافذة حب لفلسطين المطرزة على جبين العالم

حجم الخط
0

بيروت-«القدس العربي»: رسخ في البال من فيلم المخرجة الفلسطينية اللبنانية كارول منصور «خيوط السرد» ذخر كبير روته نساء فلسطين. تأكد أن التطريز أكثر من «إبرة وخيط» بل هو «ولاء قومي». الثوب الفلسطيني المعروف لم يعد مجرد لباس بل صار وطناً، إرثاً واجباً وفخراً. تراث فلسطين المروي والمنقول من جيل إلى جيل لجأ مع أهله إلى كافة بلدان الشتات، والتطريز أحده بحيث يشكل جزءاً من هوية، تعرض كما فلسطين برمتها للسطو الصهيوني. التطريز اللاجئ فتح 12 نافذة على فلسطين هي مجموع أشكال وأنواع التطريز تبعاً للمناطق كافة من الشمال إلى حدود غزة مع مصر. 12 امرأة أي 12 عمراً جعلن من فلسطين كل فلسطين واقعاً مطرزاً على وجه العالم. النساء هن الساردات الراسخات والحافظات لتراث الوطن وإرثه. لهن صبر الغرز والغرز لساعات وساعات. ولهن مع كل غرز إبرة وخيط رسالة تبحر عميقاً في الارض لتستنبط حكاية جديدة، مثيرة تزيد مهمة شطب شعب أكثر من مستحيلة على الصهيوني الغاصب. الفيلم من ساعة و20 دقيقة، انجزته مخرجة تهتم بحقوق الإنسان، وتعالج موضوعات اللاجئين، المرأة، العنف، أطفال الشوارع والدعارة.
حوار حول «خيوط السرد» مع المخرجة كارول منصور، ومنى خالدي الباحثة الفلسطينية التي أعدت مسار الخيط الفلسطيني والذي افضى لاختيار السيدات الـ12. هنا التفاصيل:
■ لماذا جذبك التطريز الفلسطيني لتسليط الضوء عليه سينمائياً؟
■ منصور: أنتمي إلى عائلة فلسطينية، والدتي من يافا ووالدي من حيفا، وأدرك أهمية التطريز كتراث يساهم في تشكيل الهوية. هو الباقي من تراثنا يتنقل مع اللاجئين، حاول الصهاينة ولا يزالون السطو عليه. قالت ليلى خالد كواحدة من النساء الـ12 أنها شاهدت وفداً نسائياً اسرائيلياً في برلين يرتدي الملابس الفلسطينية التراثية فاستفزها المشهد وباتت تصر على إرتداء تراث وطنها وإبرازه في كل مناسبة. في الواقع بدأ الفيلم كموضوع مع 12 لوحة تطريز أعدتها مؤسسة إنعاش تمثل مناطق التطريز الفلسطيني كافة. طرحوا علينا السؤال حول كيفية تسليط الضوء على تلك اللوحات. بعد البحث استقرّ الرأي على اختيار 12 امرأة فلسطينية لتتحدثن عن صلاتهن وذكرياتهن بالتطريز وتالياً الوطن المحتل. في مقر مؤسسة انعاش حالياً شاشة وسماعات ويمكن للزائر أن يرى ويسمع 12 امرأة من فلسطين تروي كل منهن في ثلاث دقائق قصتها. قالت النسوة كلمات مهمة ومؤثرة. فيلم يكن منطقياً بقاء تلك الحكايات في مؤسسة إنعاش فقط، وكذلك كان رأي مجموعة كبيرة من المعارف. فكان قرار إنتاج الفيلم بدعم مالي من مؤسسة التعاون. عدنا للتسجيلات التي في حوزتنا، كان مونتاجا جديدا أضاف مزيداً من الوقت لكل من النساء الـ12. وربطت الحكايات ببعضها، وكان «خيوط السرد».
■ لماذا الحفاظ على التراث والإمساك بخيوط السرد الوطنية مهمة نسائية؟
■ خالدي: لأن التطريز كحرفة نسائي. في رأي على عاتق المرأة دور كبير فيما يخص الأوطان هي الأم، وهي المرأة التي أنشأت ولا تزال تنشئ الرجال. اخترنا لخيوط السرد نساء خارج السياق النمطي السائد في الإعلام عن المرأة الفلسطينية في المخيمات. النوافذ الـ12 انجزتهن نظمية، وهي صاحبة حضور مؤثر على الشاشة، ومن المثابرات على التطريز في حياة المخيم. النساء الـ12 مثلن كافة المستويات الاجتماعية، الثقافية والعمرية. بينهن من تخطت الثمانين، ومن هي في عمر الشباب. أردنا في هذا الفيلم كسر الصورة النمطية المعتادة في الإعلام والتي تقدم شعباً مسحوقاً لا إرادة له. واقعاً واضح أن الشعب الفلسطيني كما الشعوب كافة يضم كل الشرائح الاجتماعية، وليس لنا اختصاره في المخيم، أو بطبقة مخملية، أو بالأنتليجنسيا. اللجوء ملازم للإنسان الفلسطيني وهو مهم، لكنه ليس الصفة الوحيدة. حال اللجوء أفضى إلى تبعات متعددة منها الحفاظ على فن التطريز وغيرها من الأمور التي تؤكد هوية شعب ووطن. اللجوء الفلسطيني هو الأطول في العالم، وفي الدراسات النفسية أنه يولّد ربطاً وحنيناً أكثر قوة مع الوطن. كثر يرددون «مع مرور كل هذا الزمن ما زلتم تطالبون بفلسطين؟» نعم، رغبنا بالتأكيد أن الوطن السليب لا يمكن نسيانه حتى من الفئة الاجتماعية التي يمكن أن تُصنف «سوبر» جيدة معيشياً. كافة فئات الشعب الفلسطيني لم ولن تتخلى عن فلسطين. الصلة بالوطن ليست مادية معيشية بل هو الوطن الذي لا بديل له.
■ 12 لوحة تطريز تمثل كامل تراب الوطن فيما البحث في المستقبل يقول بالتجزئة؟
■ الخالدي: الوطن هو كامل تراب فلسطين. وطن يشبه كافة الأوطان يحمل تنوعاً اجتماعياً وثقافياً ولا يمكن اختصاره بفريق ما، أو رقعة جغرافية محددة. كذلك التطريز منوع، حسب المناطق، ومن ثم الهوية الخاصة بكل امرأة وبنظرتها للحياة. وأكرر أن التنوع الاجتماعي الفلسطيني لا يلغي مطلقاً صفة اللجوء عن أي فلسطيني. مثلاً سلمى اليسير التي شكلت نافذة في فيلم «خيوط السرد» وهي ميسورة اجتماعياً قالت أن مشاعر الغربة تلازمها وأنها تعيش يتماً. مع العلم أنها لا تعرف فلسطين.
■ مفاجآت الفيلم إيجابية منها المرأة المولودة من أم هندية وأب فلسطيني كولومبي تدافع عن حقوق وطنها وشعبها بالقانون؟
■ منصور: هو رهان الصهاينة منذ النكبة، رددته غولدا مائير مراراً. العكس كان صحيحاً. إلى تمسك الكبار بفلسطين، برز تمسك من لم يتعرف إليها، أكثر قوة. ليس هذا وحسب، بل حتى الجيل الذي لا يعرف حتى أجداده الوطن، فلسطين قبلته. إنه التمسك بالحق والحقوق والوطن، ولن ينجح الصهاينة في محوه.
■ كم الرسوخ متاح للذاكرة المستعارة التي حُكي عنها في «خيوط السرد»؟
■ الخالدي: بالملاحظة تبين أنها ذاكرة قوية كما الأصلية، وتؤثر إيجاباً في أجيال اللاجئين. ذاكرة تختلف عن الذاكرة الأم وهذا طبيعي. وفي الأبحاث التي نخوضها لصالح الأفلام، فإن صلابة تلك الذاكرة فاجأتنا. ولحسن الحظ فإن هذا الجيل من اللاجئين قادر على رؤية منزله في فلسطين من خلال التكنولوجيا الحديثة وعبر خريطة غوغل. أعرف شكل قريتنا من خلال جدتي، لكني حالياً أتمكن من رؤيتها والربط بما قالته لي. من خلال غوغل يتم بناء صورة عن القصص المسموعة. وللصورة دورها في ترسيخ الذاكرة.
■ كيف تحللين تعبير «اليتم» بعيداً عن فلسطين؟
■ منصور: عشت في كندا لسنوات ولم أشعر بالانتماء. حتى المولود في لبنان يعيش عدم الاستقرار بعيداً عن الوطن. مشاعر عدم الانتماء لدى الفلسطيني حالة جماعية.
■ حضرت القدس بقوة في «خيوط السرد» هل لأنها تعاني التجاهل الفاضح؟
■ منصور: بل الصدفة. صورنا 25 امرأة ومنهن اخترنا 12 نافذة خدمن في تعبيرهن ما يرغب الفيلم قوله.
■ نافذة دينا ناصر تستحق التحية صمدت في القدس مع أبنائها رغم محاولات الصهاينة القول لها بأنها غير موجودة؟
■ خالدي: هي ليست حالة فردية في القدس أمثالها كثر. لم تتمكن من العيش مع زوجها لأنه غير مقدسي. شباب وصبايا القدس واقعات تحت عبء الإلغاء وبالتالي قرار الزواج لديهم مرهون بالإجراءات الصهيونية الضاغطة لشطب ومنع الفلسطينيين من السكن في القدس أو حتى زيارتها كما حال زوج دينا ناصر.
■ كيف نجح «خيوط السرد» كفيلم وثائقي أن يجتاز حاجز الرتابة؟
■ منصور: ربط التطريز بين القصص بليونة، وكان لصور الأرشيف التي أعدتها منى خالدي بعناية دور في هذا الانجاز. في الاختيار كانت لنا معايير محددة، وباشرنا البحث من الدائرة الضيقة المحيطة بنا. المعيار الأساسي نساء غير نمطيات، لديهن وجود وحضور في الحياة وعلى الشاشة، وحكواتيات. كافة القصص كانت اكتشافاً لنا، من باب بيت جد رائدة طه، إلى حكاية دينا ناصر.
■ أن يصبح الثوب الفلسطيني التراثي مطرزاً من أهل القرى ومطلوباً من الميسورين ماذا يعني هذا بعد أن كان لباساً فلاحياً؟
■ خالدي: يؤدي اللجوء إلى وحدة حال حتى مع وجود الفوارق في المستوى الاجتماعي. اللجوء الفلسطيني ساهم بأن يكون الثوب التراثي غالي الثمن وليس بمتناول جميع النساء الراغبات به.
■ هل من تغيير طرأ على التطريز بفعل اللجوء؟
■ خالدي: لا شك بذلك. ظهر التغيير في معرض المتحف الفلسطيني الذي أقيم في دار النمر مؤخراً، ويظهر في المعرض الدائم الذي تقيمه وداد قعوار في الأردن في مركز طراز. نعم للتطريز أن يتغير فالمرأة تُطرز حياتها. حياتها توحي لإبرتها وألوانها. الأثواب التي طُرزت في الانتفاضة الأولى تختلف كلياً عن الأثواب الفلاحية الأصيلة. التطريز في اللجوء يُطعم بنظرة ولمسة حضرية. العمل جار ليتناسب التطريز مع عام 2017.
■ أين سيعرض «خيوط السرد»؟
■ منصور: نرسله إلى كل مهرجان متاح لنا. سيعرض في بوسطن، وأوستراليا، وكندا، وسان دياغوا. أنجزت ترجمته إلى الإيطالية، ونعمل على الترجمة الفرنسية، البرتغالية والإسبانية. والعديد من مهرجانات أمريكا اللاتينية طلبت استضافة «خيوط السرد».

«خيوط السرد» عن الوطن المشغول بشغف الخيط والإبرة : منصور وخالدي و 12 نافذة حب لفلسطين المطرزة على جبين العالم

زهرة مرعي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية