رابندرانات طاغور أديب الهند الرائد

رابندراناث طاغور (ويجب أن يُرسم اسمه: تاكور، بالكاف المعجمة، ابتغاء للدقة) ويردُ اسمه أحيانا في الكتابات البنغالية بشكل «تاكورا» بالكاف). ولد عام 1861 في «كلكوتا»، في البنغال بغرب الهند في أسرة كل من فيها يكتب، أو يرسم، أو يؤلف الموسيقى أو يُخرِجُ المسرحيات. نشر طاغور قصته الأولى عام 1876 وهو في السادسة عشرة من العمر، واستمر في كتابة القصص القصيرة حتى بلغت 94 قصة كان آخرها عام 1941 قبل وفاته بقليل، وقد بلغ الثمانين من العمر. وإضافة إلى القصص القصيرة، كتب طاغور عدداً من الروايات القصيرة، وربما كانت قصائده الغنائية العذبة الكثيرة هي ما أقامت سمعته لدى القارئ العربي ومحبّي الأدب. كان طاغور يكتب بلغته البنغالية التي تكاد تضيع بين عشرات اللغات واللهجات في القارة الهندية، لذلك لم ينل الشهرة التي يستحقها خارج البنغال وغرب الهند عموماً. أما في العربية، فقد كلّفَني «المجمع الثقافي» في أبو ظبي بترجمة مختارات من غنائيات طاغور إلى العربية عن ترجمة إلى الإنكليزية من عمل سيدة بنغالية تقيم في بريطانيا وساعدَتها في صقل اللغة ابنتُها المولودة في بريطانيا. وقد صدر الكتاب عام 1995. كان طاغور ناشطاً ثقافياً في بلده، على مستويات شتى، فأسس مدرسة دولية باسم «سانتينكتان» تطورت إلى جامعة بعد ذلك في غرب البنغال. كما أن أدب طاغور لم يكن معروفاً في أوروبا حتى بدايات القرن العشرين، رغم أن بعض قصائده وقصصه القصيرة قد ترجمت إلى الإنكليزية بشكل جزئي، وفي فترات متباعدة. ولكني أحسب «أغانٍ وأشعار» التي ترجمتُها للمجمع الثقافي والتي زادت عن 200 صفحة من المختارات قد تكون أول مجموعة صدرت بالعربية مع مقدمة مهمة للسيدة «براتيما باويز» التي نقلتها عن لغتها الأصلية. وليست هذه أول ترجمة لشعر بلغة أجنبية عن طريق لغة وسيطة.
قام طاغور بعمل ترجمة نثرية لبعض قصائده، وجدت من اكتشفها في بريطانيا أثناء زيارته عام 1912 وقد قامت شركة «ماكملان» بنشر تلك الترجمات النثرية إلى الإنكليزية التي استرعت اهتمام عدد من أدباء تلك الفترة، وأبرزهم الشاعر «وليم بتلرييتس». فبدأت شهرة طاغور تنمو بين الأدباء الإنكليز، وبلغت درجة أوصلته إلى جائزة «نوبل» في الآداب عام 1913، فكان بذلك أول شرقي ينال تلك الجائزة.وفي عام 1915 منح لقب «فارس» واستمرت شهرته شاعراً وأديباً في النمو، إلى جانب نشاطه في مجال الفلسفة والسياسة فكانت له مساهمات في إقامة دعائم الأمة الهندية الحديثة.
والقصص «القصيرة» التي نشرها طاغور لم تكن قصيرة بالمعنى المألوف فهي لا تقل عن اثنتي عشرة صفحة في الغالب، وتقع في مقاطع تحمل أرقاماً.
يرى الباحثون في أدب البنغال، وفي أعمال طاغور بخاصة، أن قصصه ورواياته ومسرحياته تستقي بشكل رئيس من تراث البنغال من أساطير ومن تاريخ الهند القديم بصورة عامة، كما من التراث البوذي. وهذا ما جعل قصصه وكتاباته النثرية تحمل نغمة خاصة لذهن القارئ الأوروبي، بل العربي. لكن أسلوب كتاباته القصصية والمسرحية لا تخفي آثاراً من أساليب تشيخوف وتورجينييف. وقد قرأ طاغور بشغف أعمال تولستوي ودوستويفسكي في ما تيسّر له في تلك الأيام من الترجمات باللغة الإنكليزية، التي كان يتقنها. أما الأدب الفرنسي فقد كان ما قرّبه إليه شقيقه جيوتيريندا الذي كان يترجم عن الفرنسية، فتعرّف طاغور على مسرحيات «موليير» وقصص موباسان الذي تعلّم منه تركيز القصة وحبكتها في صفحة أو اثنتين لكنه سرعان ما يعود إلى محيط يألفه هو القصة القصيرة ـ الطويلة.
وفي أواخر أعمال طاغور يمكن ملاحظة تأثير إبسن حيث غدا الضمير الاجتماعي لدى الفنان هو الوسيلة نحو الثورة، وخصوصاً حرية المرأة وحقوقها. وهذا ما نلمسه في قصة «رسالة زوجة» التي تشير إلى أجواء «بيت الدُمية» ومفهوم «الأدب الهادف» مع أصداء بعيدة من برنارد شو.
وقد يكون من المناسب استعراض إحدى قصص طاغور، القصيرة ـ الطويلة التي تقع في اثنتي عشرة صفحة، وهي آخر قصة كتبها عام 1941، قبيل وفاته بقليل وقد بلغ الرابعة والثمانين من العمر. هذه قصة بثلاثة مقاطع بعنوان «فضيحة».
مفتش البوليس فيجايا يصل داره على دراجته، حوالي الثانية فجراً، بعد جولة تفتيش في غابات المنطقة، بحثا عن مجرم مطلوب للعدالة، إسمه آنيل أُفرج عنه بكفالة، لكنه ما زال مطلوباً للتحقيق. الزوجة سوداميني ملّت الإنتظار في وحدتها، وهي تعيد تسخين عشاء زوجها مرات عديدة. فلما وصل الزوج انفجرت بوجهه مؤنبة أن مساعيه للإطباق على المجرم الهارب لن تفلح، بل ستجعله أضحوكة أمام الشرطة الآخرين، وفاجأته بأن ذلك المجرم المطلوب قد زارها أثناء غيابه، لإجراء طقوس «المؤاخاة» الهندوسية، وتلقّي مباركة سودا بدلاً من شقيقته الغائبة، فقدمت له سودا عشاء، حسب الطقوس، ثم انصرف ومعه سيكارهافانا مما يدخنه الزوج الغائب عن الدار لأداء الواجب.
هنا تعلّم طاغور من موباسان دحرجة لب القصة أمام القارئ في أول صفحة أو اثنتين. لكن طاغور سرعان ما ينجذب إلى طبيعته الهندوسية في الإسترسال والتفصيلات التي تشير إلى الحبكة التي تذوّقنا طرفاً منها، ونسعى جاهدين إلى تبيّن مسار الأحداث والأخبار وسط أجواء من التطورات التراثية التي لا نقوى على تجاوزها لأن العين تبحث بين الأسطر عن خيط يشدّنا إلى الحبكة التي تلوح أمامنا لكنها محفوفة بغيوم تراثية كثيرة التلاوين.
تتشعب الأحاديث بين زوج وزوجته ردحاً من الليل، وليس في الدار غيرهما، سوى كلب يقبع خارج الدار، يبدأ باللهاث، وكأنه يطلب طعاماً. لكن الزوجة تمنع زوجها من الخروج لإطعام الكلب أو طرده. والسبب؟ تقول الزوجة إن ذلك الكلب لا يطيع سواها، وتشير إلى أنه قد يكون تقمص روح المجرم آنيل. هنا يشطح بنا الخيال إلى أساطير هندوسية، لا يضارعها سوى الحديث عن كاهن جاء لإجراء مراسيم زواج فتاة فقيرة في القرية، وما لبث أن نزع لحيته البيضاء الطويلة الزائفة وتلاشى عن النظر بخطوتين أو ثلاثاً. ويتشعب الحديث بما يغرينا أننا على وشك استرجاع خيط التطورات عن اختفاء آنيل وعودة ظهوره أمام الزوجة في غياب زوجها بحثاً عن ذلك المطلوب. وتوحي الزوجة باحتمال أن يكون المجرم المطلوب شقيق الزوجة فعلاً، ولمَ لا يمكن ذلك. هنا نحن أمام التحدي الذي يلازمنا على امتداد القصة.
هنا تبدأ مفاجأة تتشكل بهدوء: يطلب الزوج مساعدة زوجته في مسألة رسمية: ثمة حديث يدور بين زملاء المهنة عن وجود امرأة في القرية تساعد الثوار في السر، فيطلب من الزوجة البحث عن تلك «المرأة». يخبرها باقتراب يوم تقديم الصلوات في «عبادة شيفا» أحد آلهة الهندوس على ما يبدو، ويعتقد الزوج أن المطلوب آنيل سوف يحضر إلى المعبد المحلّي لتقديم طقوس العبادة، لأنّه شديد التديّن، وسوف ترافقه في المعبد تلك المرأة المقصودة. وَعَدَت الزوجة سودو زوجَها فيجايا أنها ستذهب إلى المعبد وتلقي القبض على آنيل شريطة الا يذهب زوجها إلى المعبد قبل الساعة الواحدة فجراً. وهكذا كان. وعند باب المعبد في الظلام الدامس دلِف رجلان، وخاطب أحدُهما الزوجَ المضطرب، محذراً من الإقتراب إلى المعبد أو الدخول إليه، لأن امرأة عجيبة دخلت، لها القدرة على اجتراح الأعاجيب، ومن ينظر اليها يصاب بالجنون. ثم انصرف الرجلان خائفين.
تشجع فيجايا واقتحم الباب المكسور ليجد زوجته سودو إلى جانب آنيل يقدمان تراتيل الصلاة أمام تمثال «شيفا» . عقدت المفاجأة لسان الزوج إذ وجد زوجته «سودو» إلى جانب شقيقها آنيل غارقين في ترانيم العبادة. وفاجأت الزوجةُ زوجَها بأنها تحترم «رجلاً» حقيقياً يظهر بين حين وآخر وأنها ستدعم آنيل الذي يتمتع بحارسٍ أقوى منها، وأن «البوليس» لا يحتمل ظهور «الثوار» وها هي تنسحب من زواجها. لكن آنيل يقاطع الحديث ويعلن أنه سيذهب لتسليم نفسه للشرطة، وبوسع الزوجين العودة من المعبد إلى حياتهما السابقة. تصرّفُ الزوجة إذن هو «الفضيحة» التي ما كان يمكن لأول حديث بينها وبين زوجها العائد فجراً من دورية حراسة أن يوحي بهذه النهاية.

رابندرانات طاغور أديب الهند الرائد
أعماله تحمل نغمة خاصة لذهن القارئ الأوروبي
عبد الواحد لؤلؤة

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية