صراحته جارحة ولغته لا تقصّر في بذاءة ألفاظها… مُظفّر النوّاب: شاعر لجميع الأذواق

مُظفّر النوّاب شاعر عراقي عروبي الهوى، لا أحسب أن الزمان سيجود بمثله في المستقبل القريب أو البعيد، إلا إذا عادت الأحوال الثقافية والسياسية التي كانت سائدة في العراق منذ سبعين سنة فصاعداً. وهذا لا أحسبه ممكناً، حكماً على ما جرى للثقافة، والسياسة منذ الغزو الأمريكي عام 2003، وما تبع ذلك من انهيار الوضع الثقافي والتعليمي، ومن تفكك المجتمع الذي قاد إلى ظهور سياسات غير واضحة المعالم، شديدة التقلّب، لا نعرف لها رأساً من أساس، وكلٌّ يدّعي وصلاً بليلى.
موهبة مظفر الشعرية تأتي أولاً، تدعمها خبرة في الحياة والمجتمع، تتوكأ على ثقافة مما أصاب في قسم اللغة العربية في كلية الآداب الوليدة في بغداد الخمسينات. لكن سعيه الثقافي كان انتقائيا، يدعم قناعته السياسية اليسارية، مما كان توجُّه الكثير من الشباب النابهين في خمسينات القرن العشرين في العراق. كان بعض من ذلك التوجُّه اندفاعاً وراء شعارات براقة، لم تلبث ان انقلبت إلى ضدها في بعض الحالات، أو إلى تلاشيها وزوالها في حالات أكثر.
لكن التزام مظفَّر بالفكر اليساري ألجأه إلى حزبية محظورة، قادته إلى الملاحقة ثم إلى سجن «نقرة السلمان» الصحراوية. لكن عناده والتزامه الفكري جعله يحفر بيديه، مع رفاقه، في أرض «النقرة» ورمالها حتى ابتعد معهم بما يكفي للخروج من السجن، والهرب من ملاحقة السلطة، ولو إلى حين. وأنا لا أعرف عن حالة هروب مماثلة، سابقة في العراق، أو في غيره. وأرى في هذا العناد والتصميم التزاماً بالصدق في المعتقد، وفي كل ما قاله في قصائده، بالعربية الفصيحة، في مهاجمة جميع أصحاب السلطة العرب دون استثناء، كما في قصائده بالعامية العراقية، وخاصة في موضوعات الحب، التي توحي بأصالة في الموقف، لا بوقفة مسرحية مفتعلة.
كأن أول بروز طاغٍ لشاعرية مظفَّر قصيدته الهائلة بالعامية العراقية «للريل وحَمَد» 1956. أتذكَّر يوم طبعت ثانية، أو ثالثة عام 1957 أني رأيت رجلاً يدفع أمامه «عربة حمل» مثقلة بنسخ من تلك القصيدة، خارجاً من المطبعة والناس يتدافعون من حوله لشراء نسخة من «للريل وحَمَد». بعد ذلك لم نسمع سوى أن الشاعر قد التجأ إلى بلاد عربية، يتنقل من بلد إلى آخر، حيث يرحِّب به الجميع، لشاعريته الفذة بالدرجة الأولى، أو لخصومة سياسية مع بلده العراق. ثم بدأنا نتابع قصائده النارية في هجاء السلطويين العرب في كل مكان. وهذا المسار هو الذي نصّبه شاعر الصراحة الفذّ.
لم يَسلم حاكم أو رئيس عربي من هجوم مظفّر وتعرية سلطويته في ظلم شعبه على الرغم من شعاراته وادعاءاته الزائفة. كان مظفّر يقول هذا كله بصراحة جارحة ولغة لا تقصّر في بذاءة ألفاظها، لأن تلك البذاءة هي غاية التعبير الصريح في رأيه. هموم فلسطين تشغل القسم الأكبر من هموم مظفّر، إلى جانب هموم الجزائر ومصر والأحواز، إضافة إلى تعرية حكام البلاد النفطية وأدعياء القومية والحفاظ على الإسلام. وقد عوتِب مظفر على بذاءة الفاظه في الهجوم على جميع الحكام العرب. فكان جوابه: «اغفروا لي حزني وخمري وغضبي وكلماتي القاسية. سيقول البعض… بذيئاً… لا بأس. أروني موقفاً أكثر بذاءة مما نحن فيه» . بهذا الأسلوب يُهاجم ملكاً عربياً يدعو إلى الاشتراك في «الحل السلمي» لقضية الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين، فيقول بكل صراحته «البذيئة»:
«شارك في الحل السلمي قليلا/كيف قليلا؟ / نصف لواطٍ يعني؟» وأكبر أمثلة صراحته الجارحة «البذيئة» هي قصيدة «يا قاتلتي» التي تفضّل جماهير المعجبين تسميتها «القدس عروس عروبتكم» إشارة إلى عبارة غبية «تفوّه بها» مسؤول خليجي جاهل يدّعي أن بلاده تدعم الكفاح الفلسطيني، فجاءت في قصيدة مظفّر في صياغة ساخرة مرّة، ما بعدها مرارة: «القدس عروس عروبتكم؟/ فلماذا أدخلتم كل زُناةِ الليل إلى حجرتها/ وسحبتم كل خناجركم/ وتنافختم شرفاً/ وصرختم فيها أن تسكتَ صوناً للعَرض/ فما أشرفكم أولاد القحبة/ هل تسكتُ مغتصبَة؟/…/أعترفُ الآن أمام الصحراء بأني مبتذلٌ وبذيء/كهزيمتكم/…/لا أستثني أحداً…
الذي لا أستطيع فهمه، وبي حاجة شديدة إلى من يقدّم لي ولأمثالي، من الجهلاء بعلم النفس، تفسيراً عُصابياً، سيكوباثياً، أو أيشيئيا، لانتشار قصائد مظفّر السياسية «البذيئة» في جميع البلاد العربية التي لم يسلم حكامها من شواظ مظفّر! أنا شاهد على حالة طريفة في احدى بلاد الخليج: كان الناس يسوقون سياراتهم المُغلقة نوافذها المُسدلة ستائرُها الشغّالة مكيفاتُها، في نزهات ليلية على امتداد شواطئ الخليج يستمعون إلى أشرطة كاسيت من أشعار مظفّر، البذيئة، في أمان من شرطة المرور في تلك الليالي الحارة الرطبة. أي استمتاع هذا بالفاكهة المحرّمة؟
ثم، قبل بضعة سنوات دُعيَ مظفّر دعوة رسمية إلى أبو ظبي لتقديم قراءات شعرية. ذهبنا ذلك المساء لنصل قبل الموعد بنصف ساعة في الأقل. فلما وصلنا «المجمع الثقافي» كانت الشوارع مكتظة بالناس، ولم نستطع الوصول إلى باب القاعة الكبرى التي تتسع لألفين من البشر، ولولا معرفتي ببعض موظفي المجمع لما استطعت الوصول إلى كرسي واحد في جهة متطرفة من المسرح، ثم حظيتُ بتحية باليد من مظفّر لما ظهر على المسرح، وأنا أعرفه جيداً، ولم أستطع الاقتراب منه بعدها لأن الجمهور كان أشبه بيوم القيامة. وقيل لي بعد ذلك إن المسؤول الكبير طلب تسجيلات ما جرى تلك الليلة. وكلما كان مظفّر المتعَب جداً، يرتاح قليلا خارج المسرح ويعود، كان الجمهور يصرخ بصوت واحد: القدس عروس عروبتكم… فيضطر المسكين إلى الانصياع لرغبة الجماهير.
أما كيف استضاف أحد شيوخ الخليج هذا الشاعر العجيب ويسّر له العيش الآمن، مادياً ومعنوياً، فالحاجة الآن إلى تفسير يتجاوز الكرَم العربي.
الجانب الآخر من إبداع هذا الشاعر هو قصائد الحب والعواطف الرقيقة التي لم يلتـــفــت إليها كثيرون، مع الأسف الشديد.
ففي مجموعة «وَتريات ليلية» نقرأ: في تلك الساعة من شهواتِ الليل/ وعصافير الشوك الذهبية/ تستجلي أمجاد ملوكِ العرب القدماء/ وشجيرات البَرِّ تفيح بدفء مراهقةٍ بدوية/ يكتظ حليب اللوز/ ويقطر من نهديها في الليل/ وأنا تحت النهدين إناء/. ومن «ثلاثة أمنيات على بوابة السنة الجديدة» نقرأ: مرّة أخرى على شُبّاكنا تبكي/ ولا شيء سوى الريح/ وحبّاتٌ من الثلج.. على القلب/ وحزنٌ مثل أسواقِ العراق/ مرّة أخرى أمدّ القلبَ/ بالقربِ من النهر زُقاق/ مرّة أخرى أحنّي نصف أقدام الكوابيس بقلبي/ وأضيء الشمع وحدي/.
كان مظفر من موجة الشعر العراقي الحديث في خمسينات القرن الماضي حيث شاع أسلوب «شعر التفعيلة» الذي سُميَ خطأ باسم «الشعر الحر». لكنه لم يهجر شعر الشطرين التراثي تماماً، بل أبدع فيه، وفي عدد من الموضوعات قدر إبداعه في الشعر الذي يقوم على التفعيلة التراثية دون الالتزام بعدد التفعيلات في الشطر والعـــجــز. هــذه أبيات من قصيدة تاريخها 29/12/1971 عنوانها «اللون الرمادي»:
دمشق عدتُ بلا حزني ولا فرحي يقودني شبح مضنى إلى شبح…
أسى حرير شآميّ يُداعبُه
إبريق خمرٍ عراقي شجٍ نَضِح…
دمشقُ عُدتُ وقلبي كله قُرَحٌ
وأين كان غريبٌ غيرَ ذي قُرَح
أصابحُ الليلَ مطلوباً على أملٍ
ان لا أموتَ غريباً ميتة الشبحِ
لقد تعب مظفر من الترحال بين دمشق والقاهرة وليبيا وبعض البلاد الأوروبية. وآخر عهدي به في إمارة الشارقة في الخليج العربي. ولكن يبدو أنه تعِب من الترحال، وقد ثقُل عليه المرض الجسدي، فخاف الموتَ «غريبا ميتةَ الشبح» فعاد أخيراً إلى مسقط رأسه في الكاظمية العراقية، ولكنه عاد إلى الشارقة من جديد. ويرجو محبّوه والمعجبون بشعره أن يستعيد عافيته في وطن لن ينساه .

صراحته جارحة ولغته لا تقصّر في بذاءة ألفاظها… مُظفّر النوّاب: شاعر لجميع الأذواق

عبد الواحد لؤلؤة

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية