طنطا… إسكندرية: بين الحزن والاستخدام السياسي للحظة

حجم الخط
1

في تعليق مهم على فيلمه المميز «عرق البلح» 1999، يقول المؤلف والمخرج رضوان الكاشف إن «عرق البلح حكاية قرية رحل عنها الظل حين أسقطت نخلاتها العاليات وانكشف رعب الشمس».
تعبير طرح نفسه في خلفية رعب التفجيرات التي ضربت كنيسة مارجرجس في مدينة طنطا بمحافظة الغربية، ومحيط الكرازة المرقسية في قسم العطارين بمحافظة الإسكندرية في مصر صباح «أحد الشعانين»، (أحد السعف) الموافق للتاسع من أبريل الحالي.وقبل أن يحاول البعض ربط حديث النخل وانكشاف رعب الشمس بأسماء محددة لفاعلين ما في المشهد المصري في اللحظة أو الماضي، فالأمر مختلف تماما. فإن كان الانكشاف في الفيلم ارتبط ظاهريا بغياب رجال القرية، فإنه في العمق كان غيابا للأسس والقيم الحاكمة، لدرجة أن عودة من رحل لم تؤد لتحقق السلام والعدالة، وعلى العكس حاول كل طرف تحميل من بقي مسؤولية الفشل والهزيمة.
في العمق، لا يرتبط الانكشاف بأشخاص ولا يقوم الوطن على أشخاص بهذا المعنى الفردي، وعلى العكس عدم وضع أسس أكثر صلابة من الفرد هي التي يمكن أن تثير الخوف وتجعل رعب الموت المقبل على يد الإرهاب مضاعف، لأنه يعمق مخاوف متعددة الأبعاد في اللحظة والمستقبل، وهناك من يستغل كل حدث لتعظيم السلطوية وحصار ما بقي من حريات ومساحة للتنفس في وطن يريد البعض خنقه باسم الحفاظ عليه، كما يقتل الإرهاب ضحاياه باسم تحريرهم.
تعيدني الأحداث لمرات عديدة تم فيها استهداف مسيحيي مصر في أعيادهم ودور عبادتهم، ولكل مشاعر الحزن والغضب والخوف التي يمكن أن ترتبط بحدث مماثل يجمع بين الموت والعنف، ويحول الفرح إلى حزن، والأمل إلى ألم وخوف قد يستمر لسنوات لدى من فقد عزيزا أو عاش اللحظة وخرج منها بمشاعر مختلفة عن مشاعر الاحتفال والبهجة والسكينة، التي كان يتصور تحققها بحكم المناسبة. يعيدني لعزاء متكرر لأصدقاء وجدت أن توجيه العزاء لهم ضروريا، وهناك من يحاول في كل مرة تأكيد خطاب الآخر المختلف بحكم الدين وليس القريب بحكم الوطن والجيرة والذكريات والحياة المشتركة. يبدو الفاصل هشا للبعض لدرجة أنه يعيد تعميقه باسم رفضه عبر كل خطابات الوحدة الوطنية المعلبة، وكأن الانسانية والجيرة والوطن المشترك ليست كافية لرفض العنف في عمومه، ورفض القتل وتوجيه العزاء للمصاب وللنفس وللوطن، في كل حدث مشابه يسيل دماء جديدة على أرض المحروسة.
وضع تكرر في كلمة الرئيس عبد الفتاح السيسي بعد التفجيرات واجتماع مجلس الدفاع الوطني العاجل الذي دعا إليه، رغم أنه أكد في بداية كلمته على رفضه للقول بأن من سقط مسيحيون أو مسلمون، وتأكيده أن من سقط ضحايا للتفجيرات هم مصريون، إلا أنه عندما تحدث عن ضحايا الإرهاب أكد أن مواجهته «اتقدم فيها ضحايا من الجيش ومن الشرطة، واتقدم فيها ضحايا من القضاء، واتقدم فيها ضحايا من أقباط مصر أو مسيحي مصر»، ولم يشر لضحايا الشعب في عمومه وكأن الوطن لم يتعرض للإرهاب، أو أن الأحداث التى استهدفت الكنائس، بما فيها تلك التي حدثت يوم «أحد السعف» لم تنل من مسلمين بمن فيهم ضباط الشرطة الذين حاولوا منع إرهابي الإسكندرية من دخول الكنيسة، أو أن قوله باستهداف الشعب المصري غير كاف عكس ما قاله من رفض التركيز على أن المستهدف مسيحي أو مسلم.
يعيدني الحدث بكل ما حوله لخطاب مكرر عن الإرهاب الذي «يضرب مصر مجددا»، كما جاء في تعليق للمتحدث باسم وزارة الخارجية. فالتعليق الذي نقلته عدة مواقع بوصفه تعليق الخارجية المصرية، ربما بحكم منصب الشخص وبدون توضيح إن كان تعبيرا عن الوزارة او رأيه الشخصي يصلح أن يكون عنوانا لتغطية مكررة لا تجد في الحدث إلا التأكيد على فكرة التعدد والمؤامرة. ولكن أليست المؤامرة جزءا من عمل الإرهاب، ألا تسعى الجماعات الإرهابية لاستهداف دول أو جماعات معينة من أجل تحقيق أهدافها؟ وإن كان الأمر كذلك، هل يمكن أن يكون التركيز في كل عملية إرهابية على فكرة المؤامرة، وأن تنتهي المسؤولية عند هذا الحد، فلا نتحدث عن أسباب تكرار تلك العمليات بتشابه كبير أحيانا، أو أسباب وقوع تفجير كنيسة طنطا بعد مرور عدة أيام على العثور على قنبلة داخلها، ورغم الحديث عن تشديد الإجراءات الأمنية بحكم فترة الأعياد وبحكم رسائل «داعش» السابقة عن استهداف المسيحيين في مصر وغيرها من الأمور؟ وهل لا يفترض أن ترتب حالة المؤامرة درجة متابعة وتشديد أمني أعلى من الوضع الطبيعي، خاصة في الأوقات أو الأماكن التي يتصور استهدافها؟
قد يرى البعض أن الإرهاب صعب تجنبه، وفي هذا جزء من الحقيقة ولن يحتاج الأمر لجهود كبيرة لحصر أعداد العمليات الإرهابية التي تحدث في الكثير من دول العالم مهما كانت درجه تطورها ولكن يظل السؤال قائما حول اكتشاف الجاني ومحاسبته، والكشف عن خيوط الجريمة، وربما العمل على تجنب الأخطاء في المستقبل. أما الحديث عن تشابه الحدث مع العالم المتقدم، الذي يستخدم في مصر للحفاظ على الكراسي، واستمرار توجيه الاتهام بشكل ضمني لجهات محددة مسكوت عنها ومعلنة في الوقت ذاته بوصفها أصل الشرور، فيتجاوز حقيقة أن العالم المتقدم يحاسب على حدوث التقصير، ولا يطلق اتهامات دون أدلة، ولا يتوعد بالمحاسبة، ثم يطالب المجتمع الدولي بتلك المحاسبة دون أن يحدد الجناة، كما فعل السيسي في كلمته المشار إليها.
في السياق نفسه ، ورغم فكرة الاستخدام السياسي القائمة دوما في عالم السياسة، تظل الديمقراطية وآلياتها ومؤسساتها قادرة على الوقوف أمام محاولات الخروج على القانون والدستور، والتجاوز في استخدام السلطة من أجل الاقتناص من الحريات والاعتداء عليها، بدرجة تختلف بشكل كبير عن الوضع في الدول التي تفتقد للديمقراطية وآلياتها وأطرها الحاكمة، تماما كما هو الحال في «عرق البلح». ولهذا يبدو خطاب السيسي بكل ما أحيط به من أحاديث وخطابات تتبناه وتدافع عما جاء فيه، جزءا من الاستخدام المخيف للسلطة.
يعيد حديث السيسي القصير الكثير من الأمور الحاكمة للواجهة، وهو يعيد التأكيد على أهمية بقاء الشعب «كتلة واحدة» كتلة تجد صداها في حديثه المتكرر عن الكتلة الصلبة، أو الكتلة السياسية الداعمة، التي يراها مفوضة وناخبة وقادرة على التجمع إن دعت الحاجة، من أجل إظهار شعبية أو تفويض جديد. تلك الكتلة التي يرى البعض أن مسيحيي مصر جزء أساسي منها، تظهر عليها مظاهر التعب والغضب والرفض بصور مختلفة، بحكم ما تتعرض له من ضغوط وصعوبات، وبحكم عدم تحقق الوعود التي قدمت لها بشكل مباشر أو غير مباشر، لدرجة ظهور خطابات رافضة بين الأقباط بشكل علني وارتفاع مطالب بالرحيل على هامش تفجيرات الكنائس، بنفس ما ترتفع أصوات التنديد والرفض من أهالي من يتعرضون للاعتداء أو الموت على أيدى رجال الشرطة وغيرهم.
ولكن المشكلة لا تبدو فقط من غياب الوعود التي كانت، ومن حقيقة أن الشهور الستة التي طالب السيسي الشعب في ديسمبر 2016 بالصبر خلالها، لأن الأمور ستكون أفضل بعدها قد اقتربت على الانتهاء، أو أن لجنة مكافحة الإرهاب والتطرف التي أعلن عنها قد لا تختلف عن لجنة استرداد أموال مصر أو غيرها من اللجان، إلا إن كانت بأثر سلبي يمثل صورة قيصر الإعلام والأخ الأكبر المسيطر على السياسة والإعلام والدين، وكأنها لجنة الأخلاق ومراقبة الدين والإعلام في إناء واحد. المشكلة الإضافية أن السيسي الذي بدأ مرشحا بحديث «مش قادر أديك» يؤكد في خطابه على أن «المواجهة طويلة ومستمرة» وأنها مفتوحة، وأن «التضحية كبيرة». أما الميزة التي يقدمها فهي مقارنة حال مصر – من وجهة نظره- بحال غيرها من الدول، وهو يطالب الشعب بالمقارنة في الدم بقوله: «بس المواجهة ده، والنزيف اللي احنا بننزفه ده، والا النزيف اللي انتوا بتشوفوه في دول ثانية؟».
وإن كان من ضرورة لضبط خطاب ما فربما يكون من المهم تشكيل لجنة لكتابة خطب الرؤساء، خاصة في لحظة الألم، ربما تأتي قريبة من روح الحدث تجد الألم، فرصة لتأكيد أن الاستهداف مجرد رد على الإنجازات، وأن المعاناة مستمرة، والنزيف مستمر، والمواطن عليه أن يشكر اللحظة لأن الدم الذي يدفعه أقل من الدم الذي يدفعه غيره، بدون أن يقول له أحد إن كنا دولة مثل دول العالم، ولنا دور كبير حقا، لماذا لا نقارن بما لدى الدول من مميزات وفرص حياة، وليس بما لدى البعض من دماء ودمار وقوانين وأنظمة تقتص من الحريات وسبل العيش الكريم. ولماذا يفترض أن يستمر المسؤول في الدول المتقدمة بقدرته على حل المشكلات وليس بتأكيده على أنها مستمرة، وأن المعارك مفتوحة، وأن الدماء جزء طبيعي من المشهد الذي يجب التجاوز عنه وتجميله بمطالبة الإعلام بالتوقف عن تناول الحقيقة لأنها «تجرح المصريين»، وكأن الواقع لا يجرح ويؤلم، وكأن مصر الرائدة والكبيرة يمكن أن تغلق أبوابها ولا تعرف ما يدور داخلها بمجرد أن تطالب إعلامها الداخلي بالتوقف عن تناول قضاياها، وكأنها تحدث في كوكب آخر لا نعرفه ولا نعيش عليه ولا نحمل همه ولا يحمل حاضرنا ومستقبلنا.
كاتبة مصرية

طنطا… إسكندرية: بين الحزن والاستخدام السياسي للحظة

عبير ياسين

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية